الخبر السار هو أن طرح الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر محدودية وحذرا قد يمنح الشركات مزيدا من الوقت لإيجاد استخدامات تعزز العمالة بدلا من تلك التي تزيحها، ويمنح الحكومات والعمال مزيدا من الوقت للتكيف. أما النبأ السيئ فهو أن الرؤى الشديدة التفاؤل بتحقيق أرباح استثنائية سريعة قد تكون بلا أساس...
بقلم: راغورام ج. راجان

شيكاغو ــ لا شك أن أدوات الذكاء الاصطناعي ستغير طبيعة العمل. فقد أصبحت النماذج اللغوية الضخمة قادرة بالفعل على توليد تقارير تحكيمية حول أبحاثي شخصيا تضاهي تلك التي يكتبها المحكمون البشريون. على عكس البشر، الذين هُم في ضيق من الوقت دائما، فإن النموذج اللغوي الضخم "يعرف"، أو يمكنه الوصول إلى قدر أكبر كثيرا من الدراسات والمراجع في طرفة عين، وغالبا ما يُـظهِر تحيزات أقل. فالذكاء الاصطناعي يسلط الضوء على نقاط ضعفي التحليلية، ويتحقق من البراهين، ويقدم اقتراحات للتحسين. ونادرا ما تكون التقارير البشرية أفضل، وهذا لأن تقارير الذكاء الاصطناعي عادة ما تربط بين النقاط وتقدم رؤى جديدة.

ومع ذلك، أصبحت الحماسة المفرطة في السوق للذكاء الاصطناعي مثيرة للقلق والانزعاج، خاصة بالنظر إلى حجم إصدارات الديون الضخمة من قِـبَل هذا القطاع. لذا، من الجدير بنا أن ننظر أين في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي قد تحدث المشكلات.

تبدأ سلسلة التوريد بمنتجي ومصممي البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي: شركات مثل TSMC وSamsung، التي تصنع الرقائق الإلكترونية؛ وNvidia، التي تصممها؛ وCisco، التي توفر الاتصالية. ثم يأتي دور الشركات العملاقة مثل Amazon، وGoogle، وMicrosoft. فهي تبني مراكز بيانات لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التي تنتجها ولبيع الحوسبة (قوة المعالجة) لآخرين. بالإضافة إلى شركات خدمات الحوسبة العملاقة، هناك شركات أكثر تخصصا مثل Equinix (مراكز البيانات) وبالطبع Anthropic وOpenAI، التي تطور النماذج اللغوية الضخمة الأساسية.

وأخيرا، هناك مستخدمو خدمات الذكاء الاصطناعي النهائيون من الأفراد والشركات. يتنامى الاستخدام الفردي بسرعة، ويشهد الاستخدام المؤسسي في بعض المجالات (تطوير البرمجيات ودعم العملاء) طفرة هائلة.

لكن معظم الشركات الضخمة، رغم تجاربها المكثفة، لم تنفذ بعد الاستخدامات الشاملة. فلا يزال عدد كبير منها بحاجة إلى تنظيم بياناتها التاريخية لتدريب الذكاء الاصطناعي لأغراضها الخاصة، وإعادة هيكلة عملياتها التقليدية بحيث يتسنى نشر الذكاء الاصطناعي ليتحسن مع الخبرة. علاوة على ذلك، يساور القلق شركات عديدة، عن حق، بشأن أمن البيانات، وأخطاء الذكاء الاصطناعي، وأشكال الهلوسة التي قد تدمر سمعة علاماتها التجارية. ومع ذلك، مع اكتشاف شركات أحدث عهدا وأقل تحفظا لمزيد من استخدامات الذكاء الاصطناعي، فإنها ستفرض ضغوطا تنافسية على الشركات الأقدم والأضخم، بما يحملها على تغيير مسارها.

بيد أن نشر الذكاء الاصطناعي قد يتعطل بعدة طرق، بما يولد مخاطر تهدد اللاعبين الممولين بالديون. على سبيل المثال، إذا أصبحت وحدات معالجة الرسومات، ووحدات المعالجة المركزية، وشرائح الذاكرة أسرع وأكثر كفاءة في استخدام الطاقة، فقد تنخفض قيمة المعدات التي تملأ مراكز البيانات الحالية بسرعة، فيزيد هذا من المصاعب التي يواجهونها لسداد تكاليفها. وقد تصل النماذج اللغوية الضخمة، التي أصبحت مقتدرة إلى حد غير عادي استنادا إلى ما هو في الأساس توقع الكلمة التالية، إلى مرحلة الاستقرار إلى أن تظهر تقنية جديدة.

في الوقت الحالي، تستثمر مختبرات الذكاء الاصطناعي مبالغ ضخمة لتدريب نماذج أحدث وأضخم، على افتراض مفاده أن النموذج الأول الذي يصل إلى نقطة سحرية ما حيث يصبح قادرا على تحسين نفسه سيحكم عالم الذكاء الاصطناعي، ويحصد أرباحا هائلة. لكن هذا السيناريو يبدو غير معقول. فحتى لو كانت مثل هذه النقطة موجودة، فسوف يظل بوسع المنافسين مضاهاة نموذج الرائد (بما في ذلك عن طريق استقطاب موظفين رئيسيين للحصول على الأسرار التجارية التقنية).

حتى الآن، لا يبدو أن أيا من نماذج الذكاء الاصطناعي اكتسب ميزة مستدامة. ما لم تتمكن تطبيقات مثل Gemini (Google)، وClaude (Anthropic)، وChatGPT (OpenAI) في النهاية من تمييز نفسها عن طريق اجتذاب شرائح محددة من المستخدمين (أو عن طريق الاندماج أو العمل معا سِرا)، فمن الصعب أن نرى من أين قد تأتي الأرباح التي تبرر استثماراتها الضخمة في التدريب.

علاوة على ذلك، على الرغم من أن السياسيين ظلوا إلى حد كبير على الهامش حتى الآن، فإن التدخلات السياسية لمعالجة مخاطر الذكاء الاصطناعي ومخاوفه أمر لا مفر منه. لأن مراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة ــ وهذا يدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع على الجميع ــ فسوف تخضع الحكومات المحلية وحكومات الولايات لضغوط سياسية متزايدة للحد من إنشائها. في إنديانا، على سبيل المثال، أعلنت عدة مقاطعات مؤخرا وقفا مؤقتا لبناء مراكز البيانات.

وتشير التوقعات للعام المقبل بالفعل إلى أن شركات تصنيع الأجهزة ومراكز البيانات لن تكون قادرة على توفير ما يكفي من قدرات الحوسبة في الولايات المتحدة. ومع تزايد نقص قدرات الحوسبة، سيكون لدى المستخدمين النهائيين مزيد من الأسباب لتأجيل التنفيذ. لا يمكنك إعادة تنظيم جميع عملياتك حول الذكاء الاصطناعي إذا كان لديك سبب وجيه للقلق بشأن القدرة على الوصول بدرجة يمكن التعويل عليها أو الأسعار المعقولة في المستقبل.

الأسوأ من ذلك، في حين أن الاستخدام الأوسع نطاقا قد يستغرق وقتا أطول مما يتوقع كثيرون، فإن الاستخدام الخبيث من قبل المتسللين ومصنعي المحتوى المزيف، فضلا عن الاستخدام غير الخاضع للرقابة من قِبَل أطفال، يتزايد بسرعة. ليس من الصعب أن نتخيل سيناريوهات كارثية ــ مثل حادث سيبراني مميت، أو إساءة استخدام فادحة للبيانات من قبل وكلاء الذكاء الاصطناعي، أو نماذج ذكاء اصطناعي سيئة التدريب تنصح الأطفال بارتكاب أعمال عنف ضد أنفسهم أو ضد آخرين (وهو ما حدث بالفعل). سوف تزداد الأصوات المطالبة بالتنظيم وزيادة المسؤولية عن نماذج الذكاء الاصطناعي ارتفاعا وصخبا. وقد تدفع المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي المارق إلى إجراء حوار ضروري للغاية بين القوى الكبرى، وربما يُـفضي هذا إلى شيء أشبه باتفاقية جنيف للذكاء الاصطناعي.

لعل الدافع الأكثر أهمية للتدخل السياسي هو الخسائر الهائلة في الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وخوفا من ردود الفعل السياسية أو الاجتماعية العنيفة، قد تتردد حتى الشركات التي تميل إلى تبني الذكاء الاصطناعي في الاستغناء عن الموظفين الزائدين عن الحاجة خارج فترة الركود الاقتصادي، بما يقلل من أي مكاسب من تطبيق الذكاء الاصطناعي ونشره.

بالنظر إلى كل هذه الشكوك، من غير الواضح على الإطلاق مدى اتساع نطاق نشر الذكاء الاصطناعي وسرعته، ومن سيستفيد منه. يبدو أن مصنعي ومصممي الأجهزة في وضع جيد، بالنظر إلى الطلب الهائل على الحوسبة. ولكن إذا توقف بناء مراكز البيانات، فقد ينتقل الربح إلى شركات الحوسبة العملاقة ومختبرات الذكاء الاصطناعي. وقد يضطرون إلى تقليل حجم الحوسبة المخصصة لتدريب نماذج أفضل، بما يمنحهم مزايا مؤقتة فقط، ويتحولون إلى بيع الحوسبة التي كانت محجوزة لشركات تستخدم نماذجها المقتدرة بالفعل. ومن المرجح حدوث مثل هذه التحولات أيضا إذا استقرت قدرات النماذج. وقد تجبر الضوابط التنظيمية مصممي النماذج أيضا على بذل مزيد من الجهد لتحسين تدريب النماذج الحالية وسلامتها، على نحو يساعد في بناء ثقة عامة أعرض.

الخبر السار هو أن طرح الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر محدودية وحذرا قد يمنح الشركات مزيدا من الوقت لإيجاد استخدامات تعزز العمالة (بدلا من تلك التي تزيحها)، ويمنح الحكومات والعمال مزيدا من الوقت للتكيف. أما النبأ السيئ فهو أن الرؤى الشديدة التفاؤل بتحقيق أرباح استثنائية سريعة قد تكون بلا أساس، وهي مشكلة خاصة لشركات الذكاء الاصطناعي التي يتعين عليها سداد ديون لا ترحم. من المرجح أن تؤتي تطورات الذكاء الاصطناعي ثمارها في نهاية المطاف. ولكن لن يربح كل مزود، أو حتى ينجو.

* راغورام ج. راجان، محافظ سابق لبنك الاحتياطي الهندي وكبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، وهو أستاذ المالية في كلية بوث لإدارة الأعمال بجامعة شيكاغو والمؤلف المشارك (مع روهيت لامبا) لكتاب "كسر القالب": طريق الهند غير المطروق نحو الازدهار

https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق