يصبح الالتزام بالقرآن عمليَّة متكاملة تتطلَّب مزيجًا من المداومة على القراءة والتَّدبر المنهجي، والرُّجوع المستمر إلى المرجعيات العلميَّة الموثوقة، فضلًا عن تحويل تعاليم القرآن إلى ممارسة عمليَّة ملموسة في الحياة اليوميَّة. فالقرآن، حين يتحوَّل من نصوص تُتلى إلى منهج حياة يُمارس، يتحقَّق فيه حضور ينعكس في تغذية الرُّوح...

القرآن الكريم هو نور يهدي القلوب، ويضيء دروب الحياة، ومنهج يجمع بين الإدراك والتَّطبيق. ومع ذلك، فإنَّ هذا الحضور الحقيقي للقرآن في حياة الإنسان لا يتحقَّق إلَّا إذا عاش الإنسان مع النَّص، وتدبَّر معانيه، وتفاعل مع أحكامه، واستند إلى مرجعيته العلميَّة والعمليَّة في تنظيم حياته. غير أنَّ كثيرًا من الأفراد والمجتمعات يقعون في ظاهرة الهجر، التي تتَّخذ أشكالًا متعدِّدة؛ من الانقطاع عن التِّلاوة، أو الإعراض عن التَّدبر، إلى التَّقليل من شأن الآيات المباركة، وتجاهل العمل بتوجيهاتها، وتمتد أحيانًا إلى الابتعاد عن الإمام المعصوم (عليه السلام)، الذي يمثِّل الضمان لفهم الكتاب وتطبيقه الصَّحيح.

وفي هذا السِّياق، يأتي قول الله (تبارك وتعالى): (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (1) ليكون مرجعًا ودليلًا على حجم الخطر الذي يترتب على هذا الهجر، ويكشف عن أبعاده النَّفسيَّة والعمليَّة. واستنادً لهذا النَّص سنقف على معنى هجر القرآن الكريم لغةً واصطلاحًا، ونحلِّل أبرز صوره العمليَّة، مستعينينَ بالنُّصوص القرآنيَّة والرِّوايات الشَّريفة. ففهم هذه الأبعاد والأشكال المختلفة للهجر يشكِّل الخطوة الأولى نحو استعادة العلاقة المثمرة بكتاب الله (سبحانه)، وحماية الإنسان من الانزلاق إلى غفلة تحرمُ قلبه من نور الهداية الذي أنزله الله (تبارك وتعالى) في كتابه العظيم.

وقبل الحديث عن مظاهر وصور هجر القرآن الكريم وآثاره، لا بدَّ من الوقوف أوَّلًا عند تحديد معناه، وضبط مفهومه لغةً واصطلاحًا؛ لأنَّ وضوح المفهوم يمهِّد لفهم أبعاده المختلفة. ومن هنا يأتي هذا المحور لبيان الدلالة اللغويَّة للهجر والهجران، ثمَّ استعراض أهمِّ التَّعريفات الاصطلاحيَّة التي تناولت معنى هجر القرآن الكريم.

والهجر والهجران لغةً: "ترك ما يلزمك تعهده، ومنه اشتقت هجرة المهاجرين؛ لأنَّهم هجروا عشائرهم فتقطعوهم في الله" (2). وقالوا كذلك في معناه: "مفارقة الانسان غيره إمَّا بالبدن أو باللسان أو بالقلب، قال (تعالى): (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) (3) كناية عن عدم قربهن، وقوله (تعالى): (إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (4)، فهذا هجر بالقلب أو بالقلب واللسان" (5). 

أمَّا هجر القرآن اصطلاحًا؛ فقد عرف بتعاريف عدَّة:

1. "نسبةُ غيرِ الحقِّ إلى القرآن الكريم" (6)، ويمكن أن يكون ذلك بالقول فيه بما لا يطابق مرادَه الحقيقي، عبر تحريف معانيه أو تفسيره بغير علمٍ أو هدًى.

2. "الابتعاد عن القرآن بأشكال متعدِّدة، فهو يشمل التَّرك المباشر؛ بالامتناع عن قراءته أو سماعه، والإعراض عنه؛ بالانشغال عن التَّدبر والتَّأمل فيما ورد فيه، واللغو فيه، بالتَّعامل مع آياته أو أحكامه بازدراء أو تقليل من شأنها عند سماعها" (7).

3. "الامتناع عن قراءته أو سماعه، والصدِّ عنه، وإبعاد النَّفس أو غيرها عن التَّواصل معه، سواء بالانشغال عن تدبره أو عدم الاستماع إليه أو عدم الاعتناء بتطبيقه. وهذان الجانبان –التَّرك والصَّد– يشيران إلى الابتعاد الفعلي والعملي عن القرآن؛ سواء كان ذلك نتيجة الإهمال أو التَّقصير أو الانشغال بالدُّنيا، فيفقد الإنسان من خلاله مصدر الهداية والطَّمأنينة التي يُوفّرها القرآن لمن جعله منهجًا لحياته" (8).

4. "ترك العمل بأحكام القرآن والابتعاد عن دساتيره في تنظيم شؤون الحياة، مع اعتماد مناهج وتشريعات الكفَّار وأنظمتهم في الحكم والسِّياسة والاجتماع بدلًا من الالتزام بالقوانين الإلهيَّة، ممَّا يؤدِّي إلى فقدان الهداية والمبادئ الأخلاقيَّة والقيَم الثَّابتة التي يوفّرها القرآن للفرد والمجتمع"(9).

5. "الابتعاد عن الإمام المعصوم (عليه السلام) وترك طاعته وولايته، بما ينتهي إلى الإعراض عن القرآن والعمل بأحكامه وفقدان الهداية العمليَّة للدِّين(10)؛ إذ إنَّ ارتباط الإنسان بالمعصوم يمثِّل الضَّمان لفهم الكتاب وتنفيذ تعاليمه على نحو صحيح.

 ويمكن لنا أن نعرِّف هجر القرآن الكريم بالاعتماد على المعاني والتَّعاريف السَّابقة بأنَّه: الابتعاد عن القرآن الكريم بأشكال متعدِّدة تشمل: الامتناع عن قراءته أو سماعه، والإعراض عن التَّدبر في آياته، والتَّقليل من شأن أحكامه، وتجاهل العمل بمقتضياته العمليَّة، والابتعاد عن الإمام المعصوم (صلوات الله عليه) الذي يضمن الفهم الصَّحيح والتَّطبيق السَّليم لتعاليمه.

 وتتجلَّى ظاهرة هجر القرآن الكريم في عدد من المظاهر التي كشفت عنها النُّصوص القرآنيَّة والرِّوائيَّة والمعاني اللغويَّة والاصطلاحيَّة، وقد أمكن بواسطة استقراء تلك النُّصوص اختيار خمس صور رئيسيَّة تعبِّر عن أنماط متباينة من الانقطاع عن القرآن الكريم. وهذه الصور تمتد لتشمل مستويات متعدِّدة من العلاقة مع كتاب الله (تعالى)، تبدأ من الانفصال المباشر عن تلاوته، وتصل إلى أشكال أخطر تتعلَّق بتدبره والعمل بمضامينه. ومن أبرز هذه الصُّور:

الصُّورة الأولى: الهجر المباشر

 ويقصد بالهجر المباشر الامتناع عن قراءة القرآن الكريم أو الاستماع إليه؛ أي: الانقطاع الكامل عن التَّواصل مع كلام الله (جلَّ جلاله)، بحيث يغيب حضوره في حياة الإنسان اليوميَّة، فلا يتلوه بلسانه ولا يصغي إليه بأذنه. ويُعدُّ هذا النَّمط من الهجر أبسط مظاهر الانفصال عن القرآن، إلَّا أنَّ بساطته الظَّاهريَّة لا تنفي خطورته؛ لأنَّ القراءة تمثِّل أوَّل درجات الارتباط بكتاب الله (سبحانه)، والبوَّابة التي تفتح أمام الإنسان آفاق الفهم والتَّدبر والانتفاع.

 فالقراءة أدنى مستويات الاتِّصال بالنَّص القرآني؛ لكنَّها تمثِّل في الوقت نفسه أساس العلاقة مع كتاب الله (عزَّ وجلَّ)، ويبدأ الإنسان منها رحلة التَّفاعل مع القرآن. وقد وردت في المصادر الرِّوائيَّة إشارات متعدِّدة إلى فضل قراءة القرآن والنَّظر في المصحف، بما يكشف عن المكانة الكبيرة لهذه الممارسة. فقد رُوي عن المعصومين (عليهم السلام): "أَنَّ اَلنَّظَرَ إِلَى اَلْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ، وَاَلنَّظَرَ إِلَى اَلْوَالِدَيْنِ عِبَادَةٌ، وَاَلنَّظَرَ فِي اَلْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ عِبَادَةٌ، وَاَلنَّظَرَ إِلَى وَجْهِ اَلْعَالِمِ عِبَادَةٌ، وَاَلنَّظَرَ إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ عِبَادَةٌ" (11)، وتكشف هذه الرِّواية عن بُعدٍ تعبدي حتَّى في مجرَّد النَّظر إلى المصحف؛ الأمر الذي يدل على أنَّ الارتباط بالقرآن يشمل كلَّ ما يُبقي حضور هذا الكتاب الإلهي حيًّا في وجدان الإنسان.

 وعن الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): "الغُرَباءُ في الدنيا أربَعةٌ: قرآنٌ في جَوفِ ظالِمٍ، ومَسجِدٌ في نادي قَومٍ لا يُصَلَّى فيهِ، ومُصحَفٌ في بَيتٍ لا يُقرَأُ فيهِ، ورَجُلٌ صالِحٌ مَع قَومِ سوءٍ" (12)؛ ويعكس هذا النَّص حالة الاغتراب التي يعيشها القرآن عندما يُترك دون قراءة في البيوت؛ لأنَّ المصحف يتحوَّل في هذه الحالة إلى كتاب مهجور، على الرَّغم من حضوره المادِّي في المكان. وهذا التَّصوير يلفت النَّظر إلى المفارقة المؤلمة بين وجود المصحف في المنزل وغياب التلاوة عنه، وكأنَّ القرآن حاضر في الشكل؛ لكنَّه غائب في الوظيفة والدَّور.

 وتكمن القيمة لقراءة القرآن الكريم في ما تتركه من آثار على المستوى النَّفسي والإيماني للإنسان؛ إذ تشير الرِّوايات إلى أنَّ تلاوة القرآن تمنح الوجه نورًا، وتبعث في القلب حالة من الطَّمأنينة والسَّكينة. فالقرآن هو خطاب إلهي يحمل طاقة تُعيد ترتيب مشاعر للإنسان، وتخفِّف من اضطرابه النَّفسي، وتربطه بمصدر الهداية الإلهيَّة. 

الصُّورة الثَّانية: الهجر بالانشغال عن التَّدبر

تتمثَّل هذه الصُّورة في قراءة القرآن الكريم أو الاستماع إليه من دون التَّوقف عند معانيه أو التَّأمل في دلالاته، بحيث تظل العلاقة مع النَّص القرآني علاقة صوتيَّة أو شكليَّة لا تتجاوز حدود التلاوة اللفظيَّة. وفي هذه الحالة يبقى القرآن حاضرًا في اللسان أو السَّمع؛ لكنه يغيب عن دائرة الوعي والفكر، فلا ينعكس في سلوك الإنسان، ولا يظهر أثره في توجيه مواقفه وبناء نظرته إلى الحياة. وهذا النَّمط من الهجر أكثر خفاءً من الهجر المباشر؛ لأنَّه قد يقع مع استمرار التلاوة، غير أن التلاوة تكون خالية من التَّفاعل الفكري والوجداني الذي يفتح الطَّريق إلى الانتفاع الحقيقي.

والتَّدبر هو ممارسة معرفيَّة تجعل القارئ يتأمَّل في عمق الآيات، ويستحضر ما تحمله من إشارات هداية وتوجيه، وهو شرط جوهري ينبغي تواجده عند القراءة. وقد عبَّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الحقيقة بعبارة جامعة حين قال: "أَلَا لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ" (13)، وتفصح هذه الحكمة عن أنَّ التلاوة التي تخلو من التَّأمل في المعاني لا تحقِّق الغاية التي أنزل القرآن من أجلها؛ لأنَّ المقصود من القراءة أن تقود إلى الفهم، وأن يقود الفهم إلى حركة في القلب والفكر، وبعد ذلك ينتقل إلى العمل.

وعندما ينفتح الإنسان على التَّدبر في القرآن، يبدأ النَّص القرآني في إيقاظ الوعي وتحريك المشاعر الإيمانيَّة، فيتجاوز دور القراءة حدود التلاوة إلى مستوى إعادة تشكيل الرُّؤية الفكريَّة للإنسان. ولهذا نجد أنَّ دراسة القرآن كانت في حياة كثير من الشخصيات العظيمة نقطة تحول في مسارهم العلمي أو الأخلاقي؛ فقد أسهمت معانيه في بلورة شخصياتهم وتحديد اتِّجاهاتهم الكبرى في الحياة.

كما أنَّ النُّصوص الشَّريفة تشير إلى أنَّ القراءة اللفظيَّة وحدها لا تمثِّل الغاية النهائيَّة من التَّعامل مع القرآن. فقد ورد في قوله (تعالى): (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (14)، وهو توجيه قرآني يلفت النَّظر إلى كيفيَّة القراءة، لا إلى مجرَّد وقوعها. فالترتيل في هذا المجال يتضمَّن وضوح القراءة والتَّأني فيها بما يتيح للقارئ أن يستوعب المعاني ويتفاعل معها. وقد فسَّر النَّبيُّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) هذا التَّوجيه بقوله: "بَيِّنْهُ تِبيانًا، ولا تَنثُرْهُ نَثرَ البَقْلِ، ولا تَهُذَّهُ هَذَّ الشِّعرِ، قِفُوا عندَ عَجائبِهِ، حَرِّكُوا بهِ القُلوبَ، ولا يَكُن هَمُّ أحَدِكُم آخِرَ السُّورَةِ" (15).

ونفيد من هذه الرِّواية عن منهج متكامل في القراءة المطلوبة، يقوم على التَّوقف عند الآيات التي تثير الدَّهشة الفكريَّة، بحيث تتحوَّل القراءة إلى عمليَّة تفاعل مع النَّص. فالقرآن الكريم، وفق هذا المنهج، لا يُقرأ بوصفه نصًا يُراد الانتهاء من ألفاظه بسرعة؛ وإنَّما بوصفه خطابًا إلهيًّا يستَّحق التَّفكير في آيات الله (تعالى). ولذلك حذَّر النَّبيُّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) من القراءة السَّريعة التي تشبه نثر النَّبات أو إلقاء الشِّعر من دون التفات إلى المعنى؛ لأنَّ مثل هذه القراءة تفرغ التلاوة من بعد الهداية.

وأمَّا الكيفيَّة التي يمكن بسببها ممارسة التَّدبر في القرآن الكريم، فإنَّها تقوم على جملة من القواعد المنهجيَّة التي تنظِّم عمليَّة التَّأمل في النَّص القرآني، وتمنع الانحراف إلى الفهم غير المنضبط؛ ومنها:

القاعدة الأولى: ينصبُّ محور التَّدبر ابتداءً على الآيات المحكمة، وهي الآيات الواضحة الدلالة التي لا تحتمل تعدُّدًا واسعًا في المعنى، وتشكِّل هذه الآيات الأساس الذي تُبنى عليه عمليَّة الفهم القرآني. أمَّا الآيات التي يتعذَّر إدراك معانيها على نحو مباشر، والتي يُطلق عليها في علوم القرآن اسم (المتشابه)، فإنَّ التَّعامل معها يحتاج إلى الرُّجوع إلى المرجعيَّة العلميَّة التي بيَّنها القرآن الكريم نفسه. فالإنسان قد يواجه أثناء قراءته للقرآن نصوصًا تتجاوز طاقته التفسيريَّة أو تحتاج إلى بيان أعمق من ظاهر اللفظ، وفي مثل هذه الحالات يكون الرُّجوع إلى أهل العلم بالكتاب هو الطَّريق السَّليم لفهمها.

وقد دلَّ القرآن الكريم على هذه المرجعيَّة حين أشار إلى النُّخبة التي اصطفاها الله (سبحانه) لحفظ معاني الوحي وبيان حقائقه، فقال (عزَّ وجلَّ): (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (16)، وقد جاءت النُّصوص الشَّريفة لتعريف أهل الذِّكر، وأنَّهم النَّبي الأكرم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، الذين جسَّدوا الامتداد العلمي والعملي لرسالة القرآن، فصاروا المرجع لفهم معانيه وكشف مقاصده.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "نَحْنُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ" (17).

وعَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ :عَنْ أَحَدِهِمَا (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) فِي قَوْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ): "فَرَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَفْضَلُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، قَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنْزِيلِ وَالتَّأْوِيلِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يُعَلِّمْهُ تَأْوِيلَهُ، وَأَوْصِيَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ يَعْلَمُونَهُ كُلَّهُ... وَالْقُرْآنُ خَاصٌّ وَعَامٌّ، وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ، وَنَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ، فَالرَّاسِخُونُ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَهُ" (18).

وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ" (19).

ومن هنا فإنَّ الرُّجوع إلى الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وإلى أهل بيته (عليهم السلام) يشكِّل قاعدة أساسيَّة في فهم الآيات التي يكتنفها الغموض أو تحتاج إلى تفسير بياني أعمق؛ لأنَّهم حملوا علم الكتاب وبيَّنوا للنَّاس ما نزل إليهم. كما يدخل في هذا الإطار العلماء الذين ساروا على نهجهم، والتزموا بمنهجهم في تفسير القرآن بعيدًا عن الأهواء الشخصيَّة والاتِّجاهات الفكريَّة المنفصلة عن روح النَّص.

وعلى هذا المبنى، فإنَّ التَّدبر المنهجي يبدأ بفهم الآيات المحكمة واستيعاب دلالاتها الواضحة؛ لأنَّ هذه الآيات تمثِّل المفتاح الأوَّل الذي يفتح أمام القارئ أبواب المعاني القرآنيَّة الأخرى. وكلَّما ازداد الإنسان إحاطةً بالآيات المحكمة واتَّسعت قدرته على إدراك مقاصدها، أصبح أكثر استعدادًا لفهم بقيَّة الآيات. وبذلك يتحوَّل التَّدبر في القرآن إلى مسار معرفي متدرج، يبدأ من الوضوح الدلالي وينتقل تدريجيًّا إلى آفاق أعمق من الفهم، في إطار منظومة تفسيريَّة تستند إلى هدي وتعاليم المعصومين (عليهم السلام)، بما يحفظ للنَّص القرآني معانيه الأصيلة، ويصون عمليَّة التَّدبر من الانحراف أو التَّفسير القائم على الرَّأي المجرَّد.

القاعدة الثَّانية: التَّأمل في شبكة العلاقات التي تربط الآيات القرآنيَّة بعضها ببعض. فالقرآن الكريم هو منظومة متكاملة من المعاني تتآزر فيها الآيات لتشكِّل بناءً معرفيًّا وتربويًّا متماسكًا. ومن هنا فإنَّ التَّدبر الحقيقي يقتضي ملاحظة الرَّوابط التي تجمع الآيات، سواء كانت روابط معرفيَّة أو تربويَّة؛ لأن هذه الرَّوابط تكشف عن الأصول الدقيقة للخطاب القرآني، وتوضِّح كيفيَّة تفاعل مفاهيمه ضمن نسق واحد.

وتتَّخذ هذه العلاقات صورًا متعدِّدة؛ فمنها ما يمكن تسميته بالعلاقات المعرفيَّة أو العلميَّة؛ وفيها تتكامل الآيات في بيان حقيقة معيَّنة، فيكون بعضها ممهِّدًا للبعض الآخر أو كاشفًا عن سببٍ يفضي إلى نتيجة، أو يشترك أكثر من عنصر في إنتاج أثرٍ واحد. ومن هذه العلاقات يظهر التَّرابط للنَّص القرآني، بحيث تتكامل الآيات في بناء تصور واضح حول قضية محدَّدة.

كما تظهر في القرآن الكريم علاقات تربويَّة، ترتبط بعض المفاهيم بغيرها ارتباطًا يبيِّن شروط تحققها أو نتائجها. وفي هذه الحالة يصبح تدبر الآيات وسيلة لاكتشاف هذا المنهج الذي يقدِّمه القرآن في بناء شخصيَّة الإنسان. فالآيات تطرح القيم وتعرضها ضمن سياق يوضح الطَّريق الذي ينبغي سلوكه للوصول إلى تلك القيم، وبذلك تتشكَّل من مجموع الآيات رؤية متكاملة تسعى إلى تهذيب النَّفس وتوجيهها نحو الكمال. ويمكن توضيح هذا النَّوع من العلاقات في ضوء قوله (تعالى): (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (20). ففي هذه الآية يظهر ترتيب واضح لمراحل البناء الرِّسالي الذي قاده النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) في المجتمع الأوَّل. فقد ابتدأت الآية بتلاوة الآيات، ثمَّ ذكرت التَّزكية، وبعدها التَّعليم، وهو ترتيب يكشف عن منهج تربوي واضح في إعداد الإنسان.

إنَّ تقديم التَّزكية في هذا الاتِّجاه يدل على أنَّ إصلاح النَّفس يمثِّل مرحلة أساسيَّة في عمليَّة بناء المعرفة. فالقلب الذي لم يتحرَّر من رواسب الجاهليَّة ومن نزعات الهوى قد يعجز عن استيعاب العلم في صورته الصَّحيحة، أو قد يستخدم المعرفة في اتِّجاهات منحرفة. ولذلك، يظهر أنَّ عمليَّة التَّعليم في المنظور القرآني لا تنفصل عن تهذيب النَّفس؛ لأنَّ العلم عندما ينفصل عن الأخلاق قد يتحوَّل إلى أداة توظَّف في غير ما خُلق له.

القاعدة الثَّالثة: إسقاط المعاني القرآنيَّة على الواقع العملي للإنسان، ولا سيَّما على مستوى السُّلوك الشَّخصي. فالقرآن نزل ليكون مرشدًا للحياة في مختلف أبعادها. والتَّدبر الحقيقي لا يكتمل ما لم ينتقل القارئ من مرحلة فهم المعنى إلى مرحلة اختبار حضوره في واقعه اليومي، بحيث تصبح الآيات القرآنيَّة مرجعًا في تقييم الأفعال وتوجيه القرارات.

وعندما يتعامل الإنسان مع القرآن بهذه الطريقة، يتحوَّل النَّص القرآني إلى مرآة يراجع من خلالها ذاته وسلوكه، فيقارن بين ما تقرره الآيات من قيم ومبادئ وبين ما يعيشه في حياته العمليَّة. وهذا النَّمط من القراءة يجعل العلاقة مع القرآن علاقة فاعلة ومستمرة؛ فالقارئ يسعى إلى اكتشاف موقعه الشَّخصي من الخطاب القرآني، وهل هو مندرج ضمن النَّماذج التي مدحها القرآن أو ضمن النَّماذج التي حذَّر منها.

وقد أشارت الرِّوايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذا المنهج في التَّعامل مع القرآن، حيث نُقل عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام) قوله: "عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ آيَةً نَجَا بِهَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا وَجَدْتُمُوهُ مِمَّا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَاجْتَنِبُوهُ"(21). ويبيِّن هذا التَّوجيه عن منهج عملي في قراءة القرآن، يقوم على استحضار التَّجارب التي عرضها القرآن، سواء تلك التي قادت أصحابها إلى النَّجاة أو تلك التي انتهت بهم إلى الهلاك.

والغاية من عرض هذه النَّماذج تقديم دروس يمكن للإنسان أن يهتدي بها في حياته. وعندما يتأمل القارئ هذه النَّماذج، فإنَّه يصبح مدعوًا إلى أن يسأل نفسه عن موقعه من هذه المسارات: هل يسلك الطَّريق الذي قاد الأمم الصَّالحة إلى النَّجاة، أم أنَّه يقترب من المسالك التي أدَّت بغيرهم إلى السُّقوط؟

ومن هنا فإنَّ التَّدبر الذي يربط بين النَّص القرآني والواقع الشَّخصي يجعل القرآن حاضرًا في حياة الإنسان بصورة دائمة. فالآيات التي تتحدَّث عن الصِّدق أو العدل أو الصَّبر أو التَّقوى تتحوَّل إلى معايير يراجع بها الإنسان سلوكه في مواقف الحياة المختلفة. كما أنَّ الآيات التي تذم الظُّلم أو الكبر أو الغفلة تصبح إشارات تحذيريَّة تدفع القارئ إلى مراجعة نفسه وتصحيح مساره.

وبهذا المعنى يصبح القرآن منهجًا عمليًّا لتقويم الذَّات؛ إذ يجد الإنسان في آياته ميزانًا يزن به أفعاله، فيقترب من القيم التي أثنى عليها القرآن، ويبتعد عن الأعمال التي ذمَّها. وعندما تتكرَّر هذه المراجعة في حياة القارئ، يصبح التَّدبر وسيلة لبناء شخصيَّة أكثر وعيًا وانضباطًا؛ لأنَّ العلاقة مع القرآن أصبحت علاقة هداية متواصلة تنعكس آثارها في الفكر والعمل معًا.

القاعدة الرَّابعة: التَّعامل مع النص القرآني بروحٍ من التَّجرد والإنصاف، بحيث لا يجعل من القرآن أداة لتبرير ميوله أو تأييد رغباته الشَّخصيَّة. فالخطر الذي قد يواجه عمليَّة التَّدبر يتمثَّل في أن يحاول الإنسان إسقاط فهمٍ انتقائي على الآيات بما ينسجم مع أهوائه أو مصالحه، فيحوّل النَّص القرآني من مصدرٍ للهداية إلى وسيلة لتأكيد ما يرغب فيه سلفًا.

إنَّ التَّدبر الصَّائب يقتضي أن يقف الإنسان أمام القرآن بوصفه مرجعًا يوجِّه الفكر والعمل، لا بوصفه نصًّا يُعاد تشكيل معانيه وفق الرَّغبات الفرديَّة. ولذلك ينبغي للقارئ أن يتحلَّى بدرجة عالية من الصِّدق مع نفسه، وأن يكون مستعدًا لتقبّل ما يطرحه القرآن من توجيهات حتَّى لو خالفت ما اعتاده أو ما تميل إليه نفسه. فالهداية القرآنيَّة تتحقَّق عندما يسمح للنَّص أن يصحِّح مساره العلمي والعملي.

وهنا تظهر ضرورة الحذر من إخضاع القرآن لمقاييس الهوى الشَّخصي أو للمصالح الآنيَّة؛ لأنَّ مثل هذا التَّعامل يفقد التَّدبر قيمته ومحتواه. فبعض النَّاس قد يميل أحيانًا إلى اختيار الآيات التي توافق موقفه، وتجاهل الآيات التي تدعوه إلى مراجعة ذاته، وهذا الأسلوب يتعارض مع الغاية التي نزل القرآن من أجلها، وهي إرشاد الإنسان إلى الطَّريق القويم.

الصُّورة الثَّالثة: الهجر بالتَّقليل من شأن القرآن الكريم

 تتمثَّل هذه الصُّورة في التَّعامل مع القرآن الكريم بغير جدِّية أو بتهاون، بحيث يُنظر إليه بوصفه كتابًا عاديًّا أو مادة أدبيَّة أو تاريخيَّة لا تتطلَّب الالتزام أو التَّقدير. ويشمل هذا النَّمط من الهجر التَّقليل من أهميَّة النُّصوص القرآنيَّة أو الأحكام الشَّرعيَّة المستنبطة منها، وإظهار ازدراء ظاهر أو ضمني للآيات، أو الاستخفاف بما تحمله من قيم ومعانٍ سامية. كما يمتد هذا السلوك إلى تبني أفكار مغلوطة حول القرآن، مثل الشَّك في مصداقيته أو الادعاء بتحريفه، أو عدم الاعتراف بمقامه الرَّفيع، وهو ما يُعدّ تجاوزًا صارخًا للحقوق الإلهيَّة التي خصَّ الله (تعالى) بها كتابه الكريم.

 وقد جاء في القرآن الكريم بيان واضح لعلو شأن القرآن وثباته أمام كلِّ الشُّبهات؛ فقال (سبحانه وتعالى): (إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ* لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (22). وتشير هذه الآيتانِ إلى أنَّ القرآن متين ومصون من كلِّ تحريف أو تدخل باطل، وأنَّ مكانته فوق أيِّ محاولة للتَّشكيك أو الاستهانة.

ويدخل ضمن هذه الصُّورة أيضًا ما يتعلَّق بالتَّقصير في تعظيم القرآن الكريم واحترامه؛ إذ إنَّ للقرآن حرمةً خاصَّة ومكانةً سامية تفرض على الإنسان أن يتعامل معه بأقصى درجات الأدب والتَّوقير. ومن مظاهر الإخلال بهذه الحرمة وضع المصحف الشَّريف في أماكن غير لائقة بمقامه، أو التَّعامل معه تعاملًا لا ينسجم مع قدسيته، كالكتابة على صفحاته أو استعماله استعمالًا لا يليق بكتاب الله (سبحانه). كما يدخل في ذلك تركه في أيدي الأطفال من دون توجيهٍ أو إشرافٍ يحفظ له هيبته.

 وهذه السلوكات وإن بدت عند بعض النَّاس أمورًا بسيطة أو عفويَّة، إلَّا أنَّها في حقيقتها تمثِّل صورة من صور عدم التَّعظيم، وبعض مظاهر سوء الأدب مع القرآن يبلغ حدَّ الحرمة الشَّرعيَّة إذا تضمَّن امتهانًا للمصحف أو استخفافًا بحرمته. 

الصُّورة الرَّابعة: الهجر العملي

تتجلَّى هذه الصُّورة في الابتعاد عن تطبيق الأحكام والتَّوجيهات التي جاء بها القرآن الكريم في تنظيم شؤون الحياة المختلفة، سواء على مستوى السُّلوك الفردي أو في نطاق العلاقات الاجتماعيَّة والأنظمة العامَّة التي تحكم حياة المجتمعات. ويظهر هذا النَّوع من الهجر عندما يبقى القرآن حاضرًا في التلاوة أو الخطاب الدِّيني، في حين يغيب تأثيره عن ميدان العمل والممارسة، فتُدار حياة الإنسان وفق تصورات أو نظم بشريَّة لا تنسجم مع التَّشريعات الإلهيَّة التي تضمَّنها الكتاب الكريم.

إنَّ القرآن نزل ليشكِّل مرجعًا شاملًا في توجيه الحياة وبناء منظومتها القيميَّة والتشريعيَّة. ولذلك فإنَّ العلاقة الحقيقيَّة مع القرآن لا تتحقق بمجرَّد القراءة أو المعرفة النَّظريَّة؛ وإنَّما تتجسَّد في تحويل توجيهاته إلى سلوك عملي ينعكس في القرارات اليوميَّة وفي أساليب التَّعامل داخل المجتمع. ولذلك، فإنَّ إهمال العمل بأحكام القرآن يمثِّل أحد أخطر أشكال الهجر؛ لأنَّه يؤدِّي إلى فصل النَّص الإلهي عن دوره في توجيه الواقع.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله (تعالى): (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (23)؛ وتكشف هذه الآية عن أنَّ التلاوة الحقيقيَّة للكتاب تشمل فهم المعاني والالتزام بما تتضمَّنه من أوامر وتوجيهات. وقد فسَّر الإمام الصَّادق (عليه السلام) هذا المفهوم ببيان أبعاده العمليَّة، فقال: "يُرَتِّلُونَ آياتِهِ، ويَتَفَهَّمونَ مَعانِيَهُ، ويَعمَلُونَ بأحكامِهِ، ويَرجُونَ وَعدَهُ، ويَخشَونَ عَذابَهُ، ويَتَمَثَّلُونَ قصَصَهُ، ويَعتَبِرُونَ أمثالَهُ، ويَأتُونَ أوامِرَهُ ويَجتَنِبونَ نَواهِيَهُ..." (24).

ويبيِّن هذا التَّفسير أنَّ التلاوة الكاملة للقرآن تتحقَّق عندما تتكامل القراءة مع الفهم والعمل، بحيث تتحوَّل الآيات إلى إطار مرجعي يوجِّه السلوك. وقد أكَّدت السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هذا المعنى في خطبتها الشَّهيرة التي ألقتها بحضور المهاجرين والأنصار، حين خاطبتهم قائلة: "وَكِتابُ اللّه بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظاهِرَةٌ، وَأَحْكامُهُ زاهِرَةٌ، وَأَعْلامُهُ باهِرَةٌ، وَزَواجِرُهُ لائِحَةٌ، وَأوامِرُهُ واضِحَةٌ، قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، أرَغَبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ، أمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ، (بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً)" (25). ويعلن هذا النَّص عن موقف نقدي واضح من ظاهرة إقصاء القرآن عن موقعه الطَّبيعي في توجيه حياة الأمَّة، مع أنَّ تعاليمه وأحكامه كانت واضحة المعالم بين أيديهم.

ومن المؤسف أنَّ هذا الواقع يتكرَّر في كثير من البيئات الإسلاميَّة، حيث يحظى القرآن بمكانة رمزيَّة كبيرة في الوجدان، غير أنَّ حضوره في ميدان العمل يبقى محدودًا. وهذا التَّناقض بين التَّقديس النَّظري للقرآن وبين إهمال تطبيق أحكامه ينتهي إلى تعطيل الأحكام والسُّنن التي أرادها الله (تعالى) طريقًا لنهضة الإنسان وتكامله. وبذلك يتحوَّل هجر القرآن من مجرَّد ظاهرة إلى عامل ينعكس أثره في مختلف جوانب الحياة؛ فالابتعاد عن هدي القرآن الكريم يعني الابتعاد عن المنهج الذي يرشد الإنسان إلى طريق النَّجاح والسَّعادة والاستقرار.

الصُّورة الخامسة: الهجر بالابتعاد عن الإمام المعصوم (عليه السلام) 

 تتجسَّد هذه الصُّورة في الانقطاع عن ولاية الإمام المعصوم (عليه السلام) وطاعته، وهو ما يفضي إلى فقدان الفهم الصَّحيح للقرآن الكريم، وعدم القدرة على تطبيق أحكامه بدقَّة وسلامة. فالارتباط بالإمام المعصوم (عليه السلام) يمثِّل الضَّمان الذي يحفظ النَّص القرآني من التَّأويل الخاطئ أو الانحراف في التَّفسير، ويتيح للإنسان الانتفاع الكامل بالهداية العمليَّة التي يحتويها الكتاب الكريم، وبدون هذا الصِّلة، تصبح معاني القرآن مجرَّد نصوص نظريَّة، ولا تتحوَّل إلى مشروع حياة متكامل، فيفقد القارئ الفهم المتكامل الذي يربط بين المعرفة والالتزام والعمل.

 وقد عبَّر الإمام عليٌّ (عليه السلام) عن خطورة هذا الهجر بصورة بليغة حين قال: "فَأَنَا الذِّكْرُ الَّذِي عَنْهُ ضَلَّ، وَالسَّبِيلُ الَّذِي عَنْهُ مَالَ، وَالْإِيمَانُ الَّذِي بِهِ كَفَرَ، وَالْقُرْآنُ الَّذِي إِيَّاهُ هَجَرَ..." (26).

 وتكشف هذه الرِّواية عن التَّرابط بين اتِّباع الإمام والقرآن؛ حيث يوضح الإمام (عليه السلام) أنَّ الابتعاد عنه يؤدِّي إلى ضياع الفهم السَّليم للنَّص، وفتح المجال للتشويش على القيم، بما يجعل الهجر عملًا شاملًا يشمل فقدان الإيمان الصَّحيح والالتزام بالقيم القرآنيَّة في آنٍ واحد.

 وبذلك يتَّضح أنَّ الالتزام بولاية الإمام المعصوم (عليه السلام) هو شرط محوري في حماية العلاقة بالقرآن، وضمان وصول الإنسان إلى الهداية التي يشير إليها النَّص الإلهي. فالارتباط بالإمام (صلوات الله عليه) يتيح فهم المقاصد الحقيقيَّة للكتاب، وتمكين القارئ من تطبيق الأحكام في حياته الشَّخصيَّة والاجتماعيَّة، بما يجعل القرآن حاضرًا في كلِّ جانب من جوانب الوعي والسُّلوك، بدل أن يظلَّ مجرَّد نص يُتلى بلا أثر.

ويتَّضح ممَّا سبق أنَّ هجر القرآن الكريم يتجاوز حدود الانقطاع الظَّاهر عن القراءة أو التلاوة، ليصبح ظاهرة متعدِّدة الأبعاد تشمل الاستهانة بالنُّصوص القرآنيَّة، وتقليل شأن الأحكام الشرعيَّة المستنبطة منها، والانفصال عن المرجعيَّة العلميَّة لأهل البيت (عليهم السلام)، بالإضافة إلى التَّقصير في تطبيق توجيهات القرآن العمليَّة في مختلف مجالات الحياة. وتُشكِّل هذه المظاهر حُجُبًا تحول بين الإنسان وبين نور الهداية الإلهيَّة، فتمنعه من الارتواء من معين القرآن، وتضعف صلته بالمصدر الذي أراد الله (سبحانه) له أن يكون مصباحًا للقلوب ودليلًا للسَّائرين في دروب الحياة.

وبناءً على ذلك، يصبح الالتزام بالقرآن عمليَّة متكاملة تتطلَّب مزيجًا من المداومة على القراءة والتَّدبر المنهجي، والرُّجوع المستمر إلى المرجعيات العلميَّة الموثوقة، فضلًا عن تحويل تعاليم القرآن إلى ممارسة عمليَّة ملموسة في الحياة اليوميَّة. فالقرآن، حين يتحوَّل من نصوص تُتلى إلى منهج حياة يُمارس، يتحقَّق فيه حضور ينعكس في تغذية الرُّوح، وتوجيه الفكر، وإرشاد السُّلوك، مما يتيح للإنسان السَّير على طريق الهداية الذي رسمه الله (تعالى). وفي هذا المنحى تتحد المعرفة بالعمل، ويزدهر الفرد والمجتمع في ظلِّ العدل، والسَّكينة، والقيم الثَّابتة، لتصبح الحياة قائمة على أصولٍ قرآنيَّة متينة تعكس حكمة الشَّريعة في تنظيم الحياة.

...................................

الهوامش:

1. سورة الفرقان/ الآية: 30.

2. العين: ج3، ص387.

3. سورة النساء/ الآية: 34.

4. سورة الفرقان/ الآية: 30.

5. المفردات في غريب القرآن: ص536.

6. ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: ج3، ص19. مجمع البحرين: ج3، ص514.

7. ينظر: البضاعة المزجاة: ج1، ص319.

8. ينظر التفسير الأصفى: ج3، ص866.

9. ينظر: تقريب القرآن الى الأذهان: ج4، ص12. 

10. ينظر: البرهان في تفسير القرآن: ج4، ص132.

11. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: ج4، ص47.

12. كنز العمال: ج1، ص544.

13. الكافي: ج1، ص36.

14. سورة المزمل/ الآية: 4.

15. مستدرك الوسائل: ج4، ص242. 

16. سورة النور/ الآية: 36.

17. الكافي: ج1، ص529.

18. المصدر نفسه: ج1، ص530.

19. المصدر نفسه.

20. سورة الجمعة/ الآية: 2.

21. تفسير الصافي: ج1، ص17.

22. سورة فصلت/ الآيتان: 41-42.

23. سورة البقرة/ الآية: 121.

24. تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج2، ص555.

25. أعيان الشيعة: ج1، ص316.

26. الكافي: ج15، ص81.

اضف تعليق