في العراق، لم تعد الشهادة الجامعية مرآةً للمهنة، ولا الاختصاص بوابةً طبيعيةً لسوق العمل؛ مشهدٌ يومي يتكرر: صيدليات يديرها أشخاص لا يمتّون بصلة لعلم الصيدلة، وأطباء أسنان يتجهون لمجالات التجميل، ومهندسون في غير مواقعهم، ومدرسون خارج اختصاصاتهم، في ظاهرة باتت أقرب إلى القاعدة في سوق عمل مضطرب...
في العراق، لم تعد الشهادة الجامعية مرآةً للمهنة، ولا الاختصاص بوابةً طبيعيةً لسوق العمل. مشهدٌ يومي يتكرر أمام أعين الناس: صيدليات يديرها أو يعمل فيها أشخاص لا يمتّون بصلة إلى علم الصيدلة، وأطباء أسنان يتركون عياداتهم ليتجهوا إلى مجالات التجميل، بحثًا عن فرصٍ أسرع وربحٍ أعلى. هذه الظاهرة لم تعد استثناءً، بل باتت أقرب إلى القاعدة في سوق عمل مضطرب.
في القطاع الصحي، يفترض أن تكون الصيدلية مساحةً علمية دقيقة، تُصرف فيها الأدوية وفق تشخيصات مدروسة وإرشادات مهنية صارمة. لكن الواقع يشير إلى أن نسبة كبيرة ممن يعملون داخل هذه الصيدليات ليسوا من خريجي الصيدلة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول سلامة الممارسة الصحية ومستوى الرقابة. أما في مجال طب الأسنان، فقد اتجه عدد غير قليل من الأطباء إلى العمل في التجميل، في تحولٍ يعكس خللًا في توزيع الفرص، وربما غيابًا للتخطيط الصحي السليم.
وعند الانتقال إلى قطاع الهندسة، تتضح صورة أخرى من فوضى الاختصاص. مهندس معماري يعمل في موقع كهربائي، ومهندس كهرباء يتجه إلى تصميم واجهات المباني، فيما يعمل المهندس المدني كمسّاح، ويؤدي مهندس المساحة دور مشرف البناء. هذا التداخل لا يعكس مرونةً مهنية بقدر ما يشير إلى غياب المعايير الواضحة، وضعف الالتزام بالتخصصات الدقيقة التي بُنيت عليها هذه العلوم.
أما في قطاع التعليم، فالقضية أكثر حساسية، لأنها تمسّ أساس بناء الأجيال. تجارب عديدة تشير إلى أن الطلبة في مراحلهم الدراسية المختلفة لم يتلقوا تعليمهم على يد مختصين حقيقيين؛ فمدرس التربية الإسلامية يدرّس الرياضيات، ومدرس الرياضيات يدرّس القراءة، في مشهدٍ يختزل أزمة عميقة في إدارة الموارد التعليمية. وحتى في الجامعات، لا يزال بعض الطلبة يتلقون معارفهم على يد تدريسيين بعيدين عن صلب اختصاصاتهم، ما يضعف جودة المخرجات العلمية ويؤثر في كفاءة الخريجين.
وعلى مستوى الإدارة الحكومية، تتجلى المفارقة بشكلٍ أوضح. حقائب وزارية تُسند أحيانًا إلى شخصيات لا تنسجم خلفياتها العلمية مع طبيعة المنصب؛ فترى وزيرًا للصحة من خلفية قانونية، أو وزيرًا للعدل من خلفية طبية، أو وزيرًا للنقل من تخصص تربوي، ووزيرًا للتربية من خلفية زراعية.
قد يبرر البعض ذلك بالخبرة الإدارية، لكن غياب الانسجام بين الاختصاص والمنصب يطرح تساؤلات حول فعالية الأداء وصواب القرارات.
هذه الظواهر مجتمعة لا يمكن قراءتها بمعزل عن أسبابها العميقة: بطالة تدفع الشباب للبحث عن أي فرصة، ضعف الرقابة المؤسسية، غياب التخطيط الاستراتيجي لسوق العمل، وتراجع قيمة التخصص في ثقافة المجتمع. كما أن المحاصصة والاعتبارات غير المهنية في التعيين تسهم في تعميق هذه الفجوة.
إن إعادة الاعتبار للاختصاص لم تعد ترفًا، بل ضرورة وطنية. فالمجتمعات لا تُبنى بالصدفة، بل بالكفاءة والتخصص والالتزام المهني. المطلوب اليوم هو تفعيل الرقابة على المهن، ربط التعيينات بالمؤهلات الحقيقية، تطوير المناهج التعليمية، وضمان أن يكون كل شخص في المكان الذي يتقنه. عندها فقط يمكن أن نستعيد الثقة بالمؤسسات، ونؤسس لمستقبلٍ أكثر استقرارًا وكفاءة.



اضف تعليق