الوسطية الحقة ليست شعارا تتغنى به المدنيات المعاصرة لذرالرماد في العيون لبلوغ اطماعها او يافطة اعلامية حضارية يتخفى بها لتسويق مكرها ومكائدها..

وليست الوسطية والاعتدال في الاعتقاد بين متبعي الخرافات الذين يسرفون في الاعتقاد وتصديقه، من غير دليل ولا برهان، وبين الماديّين الذين ينكرون كلّ ما وراء الحس ولا يسمعون إلى العقل، والصحيح من يدعو الى الإيمان والاعتقاد، بشرط أن يكون هناك الدليل القطعيّ في كلّ شيء.

والوسطية ليست مجرد موقف بين الانحلال والتشديد، بل تعتبر موقفاً أخلاقياً وسلوكياً ومنهجاً فكرياً.

مصطلح الوسطية شيوع نظرية وانعدام مصداقية

الوسطية: مصطلح تنظير شائع، وذو قوة في دوائر بحث المؤسسات المدنية والدينية، وتبثها وتروجها وسائل الإعلام المعاصر، ولا جدل حول أهمية الوسطية والإقرار بها كمبدأ انساني حضاري، وقد خصها الذكر الحكيم وحظ عليها وانتهجتها السنة الشريفة وبذلك هي محل اتفاق عند عموم المسلمين. ولكن من الناحية العملية والتطبيقية وكمنهج نادرا ماتظفر بها كممارسة في عصر السماوات المفتوحة والقيم الحضارية..!!

والبرهان ان إعصار بوصلة العصرنة والمبادئ الديمقراطية بمنع مواطنيها وشعوب من دخولها لا يزال في مراحله الأولية جدًا لم نر منه شيئا بعد، ولكن المؤشرات الأساسية ظهرت؛ رأس النظام ليس مهتمًا بل ساحقا لأي قاعدة قديمة ولاغيا لأي نهج تقليدي، فهو ليس لديه أي شيء يخسره أبدًا، ويريد أن يضع بصمته الشخصية على فترة رئاسته بأسلوبه وبنهجه مهما كلف ذلك الأمر سياسيًا...!!!.

وكل يدَّعي وصلاً بليلى.... وليلى لا تقر لهم بذاكا

جذور الوسطية ومفهوم الحرية

بنى الانسان على ظهر هذا الكوكب ومنذ فجر التاريخ فقد بزغت الرسالات وظهرة الحضارات وانتشرت ديانات ونشأة مذاهب واطلت فلسفات وحكم وعلوم وفنون. وفي ثناياها تصورات عن الكون والخلق وما بينهما من تنافر او تمازج او من اتصال او انفصال...

وقد برز ذلك واضحا في الديانة الزرادشتية (الفارسية) القديمة من اتخاذ الاهين اثنين احدهما يرمز الى (الخير) والاخر يرمز الى (الشر)

وجائت الفلسفة اليونانية كامتداد لحكمة الشرق السالفة في النظرة الى الكون والانسان وهي نظرة تتسم بمحاولة الجمع بين الاضداد في وحدة مثلا كقول الفيلسوف (هرقليطس): (بان حقيقة الكون اضداد تتعادل: الحياه والموت والسلم والحرب واليقظة والنوم والشبع والجوع والبارد والحار والشتاء والصيف والنهار والليل والرطب واليابس).

ثم اقوال الفيلسوف اليوناني (انباذقليس) في المحبة والكراهية في التجاذب والتنافر اللذين يعلل بهما هذه الحركة الدائبة في الكون من اتصال وانفصال يسببان كون الاشياء وفسادها.

او مبدأ (الوسط الذهبي) الذي يتوسط بين طرفي الافراط والتفريط المتطرفات فيكون الوسط هو الفضيلة والحكمة انها سياحة تطوف في كل المعارف الميتافيزيقية والاخلاق والجمال والاجتماع والسياسة والاقتصاد وغيرها من فروع العلم والمعرفة.

وهذه المسائل التي ملئت الدنيا و شغلت بال الانسان دهورا طويلة وتتلخص في الجانب الميتافيزيقي في سؤالين:

الاول: عن الانسان ان كان في هذا الكون وحيدا؟

الثاني: عن حرية الانسان في هذا الكون اهو مخير ام مسير؟

فقد اجاب الانسان في هذا العصر بجواب هو السائد في الفلسفة المادية الدنيوية المعاصرة (بان الانسان وحده لا شريك له في هذا الكون وانه اله هذا الوجود وانه حر في تمتعه بالحرية) وهذا الجواب قضى على تعاليم الأديان.

التي كانت قائمة حتى مطلع القرن التاسع عشر بين قوة العقل وقوه الروح اي بين نشاط التفكير ونشاط الايمان الذي اختل منذ ذلك الوقت بتوالي انتصارات العلم العقلي وتوسع افاق المعرفة والفنون وظهور مدارس التفكير الفلسفي المختلفة واستمرار هيمنة الخرافات والرهبنة جمود الجانب الديني الكنسي وقساوة واستبداد رجال الدين. فكان النفور والهرب من جور الكنيسة الى فضاء الحرية والاخذ بالمنهج العلماني بديلا وبالاستنارة سبيلا.

وكان لهذا الاختلال في التوازن بين العقل والقلب النتيجة الطبيعية التي لابد ان تلازم كل اختلال في التوازن.. وهو القلق والاضطراب والانحلال.

ابعاد معايير الوسطية الغربية

ماهي القيم المشتركة؟ وهل للخير الذي هو أساس القيم وجود موضوعي مطلق؟ وهل هناك خير بالمعنى العام؟ أو هو دائما نسبي تبعا لرضا فرد معين أو فئة معينة او ظرف معين؟

اختلف الفلاسفة في هذه المسألة الأساسية اختلافا شديدا وذهبوا فيها مذاهب، فكانوا طرائق قددا، ويمكن حصرهما في موقفين هما موقف من يقول بالنسبية، أي أن القيمة هي نسبية ولا توجد قيم عامة بغض النظر عن العنوان الذي يوضع ذلك تحته، ومن يقول بعموم القيم بغض النظر ن دوافعه.

إن أفضل ما يعبر عن النسبية واعتماد القيم على البيئة (لوايتهيد) في كتابه مغامرات الأفكار يقول: (وتفاصيل هذه المقاييس الخلقية تتعلق بالظروف الاجتماعية الخاصة بالمحيط المرافق للحياة في زمن معين على الجانب الخصب من الصحراء العربية، والحياة على المنحدرات السفلى من جبال الهملايا، والحياة في سهول الصين أو سهول الهند، والحياة في دلتا أي نهر عظيم).

كما أن معنى المقاييس متغير وغامض، فهناك مثلا مفاهيم الملكية والعائلة والزواج والعقل، والله، فالسلوك الذي ينتج في محيط ما وفي مرحلة ما مقياسه المناسب من الإشباع المتوافق قد يكون في محيط آخر وفي مرحلة أخرى منحطا انحطاطا مدمرا، ولكل مجتمع نمطه الخاص من الكمال وهو يحتمل صعوبات معينة حتمية في مرحلته.

وهكذا، فإن المفهوم القائل بوجود مفاهيم تنظيمية معينة مضبوطة ضبطا كافيا لإيضاح تفاصيل السلوك لكل الكائنات العاقلة على الأرض، وفي كل كوكب آخر، وفي كل مجموعة شمسية، وهو مفهوم يستحق الإهمال، فذلك هو مفهوم نمط واحد من الكمال يهدف إليه الكون كله، وهذا هو مذهب النسبية.

وإلى جانبه المذهب المطلق، وعبر عنه (هنترميد) بقوله: (يمكن التعبير عن موقف المذهب المطلق باختصار بأنه يرى أنه لا يوجد إلا معيار واحد أو في حالة الأخلاق قانون واحد هو الصحيح منذ الأزل، وهو الذي يسري على البشر أجمعين، هذا المعيار لا يسري على نحو عالمي شامل فحسب، بل إنه أيضا مستقل عن العصر، وعن الموقع الجغرافي، والتقاليد الاجتماعية المألوفة، والعرف القانوني وكل شيء آخر، والأمر الذي يشكل التزاما لي في هذا المكان والزمان هو بالمثل التزام للصيني أو الإسباني.

المعيار الإسلامي للوسطية

ان معيار الوسطية والاعتدال في الإسلام، بعدم الغلو ومجانبة الجفاء، ولا إفراط ولا تفريط، ومصداقها بين في شريعة الإسلام خاتمة الديانات والشرائع السماوية، التي أنزلها الله على الناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، وللذكر والأنثى، وللقوي والضعيف، وللغني والفقير، وللعالم والجاهل، وللصحيح والسقيم...وعمادها التعارف وحب الخير للناس كافة.

والوسط قد يكون بمعنى العدل، كقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، أي عدولاً خياراً، فهذا النص يدل على أن الوسط هو العدل الخيار غير أن هناك نصوصاً شرعية أخرى يدل سياقها على أن الوسط يقصد به التوسط بين طرفين متباعدين متنافرين.

والوسط غالباً ما يكون محفوفاً برذيلتين، كما يقول الحكماء والفلاسفة رذيلة الإفراط والمبالغة، ورذيلة التفريط والإهمال، فالوسط هو الاهتمام المقتصد المعتدل بالأشياء، سواءٌ كانت تعبدية دينية أو أخلاقية دنيوية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0