تذكر النظرية الاقتصادية ان ثمة دورة اقتصادية يمر بها اقتصاد اي دولة، وتتباين هذه الدورة مابين رواج وانتعاش وركود وكساد، الا ان أسوأ مايمكن أن يمر الاقتصاد هو الأزمة، ويكاد لايمر عام من دون حدوث أزمات مالية عالمية، وتعرف هي الانخفاض المفاجئ في أسعار نوع أو أكثر من الأصول، والأصول إما رأس مال مادي يستخدم في العملية الإنتاجية مثل الآلات والمعدات والأبنية، وإما أصول مالية، هي حقوق ملكية لرأس المال المادي أو للمخزون السلعي، مثل الأسهم وحسابات الادخار مثلاً، أو أنها حقوق ملكية للأصول المالية، وهذه تسمى مشتقات مالية، ومنها العقود المستقبلية (للنفط أو للعملات الأجنبية مثلا)، فعلى سبيل المثال واجهت المكسيك أزمة مالية في العام 1994، التي كشفت عن ضعف اقتصاديات الدول النامية والأسواق الناشئة في الصمود والتكيف مع الصدمات التي تحدثها العولمة المالية بسبب التحرير المالي والاقتصادي وتحول هذه الدول إلى اقتصاد السوق.

ثم سرعان مالحقتها بعد ذلك الازمة الاسيوية في العام 1997، والتي كانت بدايتها في تايلاند في تموز عام 1997 عندما تراجعت عملتها البات على نحو عنيف وغير متوقع لينتشر الفزع إلى الدول الأسيوية المجاورة لينتج عن هذا تراجع باقي العملات الأسيوية مثل الروبية الاندونيسية والوون الكوري الجنوبي بجانب الرينغيت ساك الماليزي ليؤدي هذا إلى انهيار أسواق المال الأسيوية وتأخذ الأزمة شكلا عالميا انهار على أثرها سعر برميل النفط ليصل إلى 8 دولار في نهايات عام 1998 وهو ما أدى إلى حدوث أزمة أخرى بين الدول المصدرة للنفط في منظمة أوبك، ثم تبع ذلك مجموعة من الازمات المالية كأنهيار الاقتصاد الاجنتيني عام 2002، وأخرها الازمة المالية في العام 2008.

ففي كثير من الاسواق المالية العالمية تنتقل الاموال بسرعة من دولة لاخرى، وفي بعض الاحيان لاتتوافق السياسات الاقتصادية مع التطورات السياسية والاقتصادية في الدولة، بحيث يكون من الصعب المحافظة على سعر صرف ثابت في مثل هكذا اجواء، فضلاً عن ذلك، فأنه غالباً مايكون تدفق الاموال كبيراً للغاية مما يجعل الفشل المالي يضرب التجارة الدولية والتبادل التجاري. مع كل ماذكر فأن السؤال يكون او هو: مالسياسات الواجب اتباعها لتفادي حدوث الازمات او كيفية الحد من آثارها؟.

آليات مواجهة الأزمات المالية

يعتقد الاقتصادي جوزيف ستغيلتيز الحائز على جائزة نوبل، أن مجمل الازمة المالية الاسيوية يعد نموذجاً لرد الفعل المبالغ، اذ كان من الممكن تجنبها من خلال اجراءات أكثر صرامة وشدة من المنظمات المالية والدول المتقدمة. وان من الجدير بالذكر هو ان امكانية حدوث الانهيار تبقى قائمة، حتى مع اتخاذ الدولة خطوات ممنهجة لتثبيت عملتها.

فقد كان لتدخل صندوق النقد الدولي بإنقاذ الاقتصاديات الأسيوية شروطا بشأن إعادة الهيكلة المالية في البلاد، هذه الشروط التي رفضتها بعض الدول الأسيوية مثل ماليزيا كما هناك العديد من المحللين الذين يعتقدون أن صندوق النقد الدولي كان أحد الأسباب التي تسببت في هذه الأزمة منذ تشجيعه للتحول السريع إلى الرأسمالية في الاقتصاديات الأسيوية مما أدى إلى تقليص القيود الحكومية على تدفق رؤوس الأموال، اذ قام صندوق النقد الدولي بتزويد تايلاند بدعم نقدي بقيمة 17 بليون دولار في 11 من آب عام 1997 بجانب خلق قيود وإرشادات للبنوك في تايلاند لاتباعها، وبعد ذلك بتسعة أيام قام الصندوق بتقديم خطة جديدة بقيمة 3.9 بليون دولار .

وبهذا فأن جميع دول العالم اليوم تبحث عن مجموعة من القواعد التي يمكن الاعتماد عليها وكذلك الآليات المؤسسية التي تمكنها من تجنب وتحجيم الأزمات المالية، ومن الناحية التاريخية لعب صندوق النقد الدولي دوراً محورياً في مساعدة الدول التي تعاني من صعوبات مالية، وان كان الكثير من الاقتصاديين يتحفظ على هذا الدور وأهميته في المعالجة، بل ويرى أن الصندوق كان في الكثير من الاوقات هو المسبب والمفتعل للأزمات التي مرت بها الدول.

أن تطوير المؤسسات المالية والنقدية الدولية بما يسمح لها بأداء الوظائف المشار إليها أعلاه أصبح أمرا ضرورياً وحتميا لتجنب تكرار الأزمات المالية، وعلاوة على ذلك فإن الأمر يستدعى تعديل نظام التصويت في كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وبالإضافة إلى ما سبق فإن تطوير النظام المالي العالمي يستدعى وضع قواعد جديدة للرقابة تلتزم بها مؤسسات التصنيف الدولية بهدف ضمان حيادية ما تصدره من تقارير أو تصنيفات سواء للدول أو البنوك أو الشركات ولاسيما أن مؤسسات التصنيف الدولية تتقاضى رسوما من هذه الدول أو البنوك أو الشركات.

وأخيرا فمن الضرورى التوجه نحو فكر رقابى جديد فيما يتعلق بالأسواق المالية، ويتلخص هذا الفكر في توحيد الأجهزة الرقابية التي تخضع لها المؤسسات المالية غير المصرفية في جهاز واحد لضمان التنسيق، مع تدعيم القدرات المالية لهذا الجهاز من حيث الموارد، أو الخبرات والكفاءات او الادوات الرقابية في حد ذاتها، اي ان يكون جهاز الرقابة على الاسواق المالية غير المصرفية في أى دولة يجب أن يكون - على الأقل – على نفس المستوى من حيث التجهيز والإستعداد والكفاءة التي تتميز بها المؤسسات التي يراقبها.

اما على المستوى العربي فيجب ان تقوم كل دولة عربية بزيادة الإنفاق العام وبصفة خاصة الإنفاق العام الاستثماري ولاسيما في مشروعات البنية الأساسية لتنشيط الطلب الفعلي والخروج من حالة الكساد وتعويض الفقد في الوظائف، كما يجب على الدول العربية أن تسارع بتقوية بنوكها المركزية وإعطائها الإستقلال حتى تتمكن من فرض رقابة شديدة على جميع البنوك ولاسيما فيما يتعلق بمنح الإئتمان.

وعلى الدول العربية كذلك أن تعيد النظر في العلاقات التجارية والاقتصادية مع الخارج والتوجه نحو الإستفادة من الأسواق الآمنة الجديدة في العالم ولا سيما تلك التي لم تتأثر نسبيا بالأزمة العالمية كما هو الحال مثلا في الصين و الهند والبرازيل ...إلخ، وعلى الدول العربية أيضاً أن تستفيد من هذه الأزمة وتعيد نظرتها إلى التعاون الاقتصادي العربى ولا سيما في مجال الاستثمار والتجارة الخارجية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1