لقد أسهمت صور الدولة المقترحة في عالمنا من (قومية واشتراكية وجماهيرية وعلمانية وقطرية وملكية عشائرية) في زيادة حالة الاغتراب المتبادل بين الدولة والمجتمع، فقد تعددت تلك الصور واختلفت بناءاً على مصادرها الأيديولوجية وتراوحها بين أيديولوجيات متضادة ومتحاربة فكرياً وسياسياً، وقد استهلكت المحاججات النظرية والسجالية الكثير من طاقاتنا المعرفية والثقافية، وانهمكنا بعيداً عن واقعنا أو متطلبات هذا الواقع المتراكمة عبر فشل نموذجنا في الدولة المتكرر في القرن العشرين، حتى عادت بعض التفسيرات العربية الى تصور مفاده ان الدولة في اللغة عند العرب مشتقة من مصدرها المعجمي من (دال) أي تغير، فهي تفتقد الثبات، وافتقادها الثبات وفق مصدرها المعجمي يفسر اختفاءها الجدلي وغيابها مفهوماً وسلوكاً وتصوراً عقلانياً حديثاً في حياتنا العربية.

وهو تفسير يفتقر الى الحس التاريخي في تتبع جذور الدولة مفهوماً حديثاً استثنائياً في تاريخ البشر لم تكن تعهده مجتمعاتنا حتى على مستوى تسمية (دولة)، فقد استخدمت مؤلفات المسلمين التاريخية الأولى والمصدرية في المعرفة والتاريخ الاسلامي أسم او تسمية (الدولة) بشكل ثانوي ومتأخر يصل الى حد الإهمال في وصف تنظيمات المجتمع الاسلامي الاول السياسية والادارية والقانونية التي كان يهيمن عليها مفهوم الخلافة، باستثناء المؤرخ الاجتماعي ابن خلدون. فقد ظهرت تسمية الدولة بقوة او باهتمام بالغ في تفسيره الاجتماعي للعمران وعلاقته بنشأة الدول او عوامل نشأة الدولة العربية الاسلامية، لكن الدولة الخلدونية هي دولة العصبة والقوة، وهو جوهر او مفهوم الدولة القديمة التي انكفأت كل صور الدولة المقترحة والمطبقة في عالمنا العربي تحت يافطة أو أداء هذه الدولة القديمة في المعنى الحقيقي والجوهري لها والممارسة العملية.

وأصبح النموذج المملوكي عند بعض المحللين والمثقفين التاريخيين والسياسيين العرب الحداثويين هو الذي يفسر الواقع السياسي الراهن ونظمه السياسية في المنطقة العربية، حيث تتطور السلطة باتجاه مطلق في تحكمها واستبدادها والطابع الشخصي في التعبير عن السيادة فيها، أي سيادة الشخص الحاكم وتسويغها عبر التوظيف السيء للنصوص الدينية وامتثال قادتها او حكامها للشخصية العسكرية وكون الرئيس هو القائد العام للقوات المسلحة -المحنة العربية الدولة ضد الأمة، برهان غليون، ص114-

لقد اصبحت القوة بعد ان تخلت عن مفهوم العصبة في الدول الحديثة هي الرهين المنهجي في تعريف الدولة باحتكارها المشروع او الشرعي للقوة في منطقة جغرافية معينة وفق عالم الاجتماع الالماني ماكس فيبر –علم السياسة، استيفن دي تانسي، ترجمة رشا جمال، ص66– وتمارس الدولة الحديثة تبرير هذا الاحتكار بطريقة تأويلية تمارسها نحو ذاتها وباتجاه المجتمع، فهي تستنتج ذلك بناءاً على ارادة مخولة لها من قبل الأمة أو الشعب، ويبقى ذلك التخويل مثله مثل الإرادة العامة ذو صيغة تجريدية غير مادية لكنها تتحول الى شيء ملموس بفعل التطبيق او التجسيد لها عملياً ومادياً، فالتخويل هو الذي يسمح لها باستخدام القوة في تطبيق القانون وحصر القوة والتطبيق بمؤسساتها وهيئاتها، لكن القوة المنجزة في دولتنا القديمة والحاضرة في عصرنا هي قوة السلطة التي انتهت في كل دولنا في التاريخ الحديث بالتماهي بينها وبين الدولة، وهي بادرة اختفاء الدولة في حياتنا.

ثم إن السلطة هي التي سيرت شؤون الدولة والحكم في دولنا، وكان التبرير الاجتماعي في القبول بمبدأ القوة الممارسة من قبل السلطة هو النظرة الابوية التي تهيمن على وعينا الاجتماعي بانتقال مسؤولية الأبوة من رب الأسرة ومن رب العشيرة الى رئيس الدولة الذي كانت توصف دولته في هذا الوعي بأنها رب ثان كما كنا نسمعه في اوساطنا الاجتماعية العراقية في أجيال عاشت تأسيسات الدولة العراقية منذ بدايتها وهنا اتذكر وصف رئيس مصر الأسبق أنور السادات نفسه بأنه (رب العيلة).

وهكذا انتقل مضمون العرف الاجتماعي غير المدون الى تأسيسات وبناء الدولة في وعينا، وكان بذلك يغتصب المكان الطبيعي للقانون في تأسيس وبناء الدولة الحديثة في الوعي الحديث، فاختفاء الدولة في حياتنا ناتج عن ذلك الاغتصاب الذي تمارسه السلطة الأبوية للمكان الطبيعي للقانون في الدولة التي تجد ذاتها أكثر وضوحاً في تعريفها بأنها (دولة القانون) من بين تعريفها المتعدد الصور والأشكال كدولة حديثة، وهو الذي يمنحها مشروعية احتكار القوة وضرورة الخضوع اليها.

لكن الخضوع الاجتماعي للقوة، الخضوع تجاه الدولة، لم يكن عن قناعة باحتكار الدولة للقوة باعتبارها تجسد ارادة أمة او تعبر عن سلطة الشعب كونها مشترك معنوي مجرد بين أفراد المجتمع، وعليه يترتب أن كل فرد او مواطن يمارس جزء من هذه القوة من خلال الدولة مما يقتضي وعياً بهذا المبدأ من أجل فهم العلاقة بالدولة من ناحية، وتفسير مبدأ احتكار القوة تفسيراً عقلانياً تحتاجه الدولة الحديثة لغرض منهجة الخضوع لها وطاعتها بعيداً عن النزعة الأبوية في قبول خضوع الذات الاجتماعية الى الدولة وما تورثه تلك الطاعة من تراتبيات هرمية اجتماعية ووظيفية تفتقد فيها المساواة والحرية، وتمهد اكثر تلك التراتبيات الاجتماعية الى اختفاء الدولة.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0