عندما تلقى مكالمة هاتفية لإجراء حوار متلفز حول بعض القضايا المتعلقة بتطوير الإقتصاد ومناقشة أزماته ومشكلاته، لم يكن يعلم بأنَّ فخّاً طائفياً تكفيرياً كان بانتظاره؛ للإنتقاص من شأنه وقيمته في المجتمع كونه (شيعي) أو (متشيع).

بدأت الحلقة التي كان فيها ضيف آخر سرعان ماحرف مسار الحلقة عن عنوانها الرئيس ليجعل الصراع المذهبي عنواناً لها، وحاول استفزاز الضيف الجالس قبالته والذي كان متفاجئاً بهذه الخدعة غير المهنية، وغير الأخلاقية بطبيعة الحال.

ليس هذا استهلال لقصة قصيرة، بل حدث واقعي جرى قبل فترة وجيزة في مصر، عندما استضافت إحدى القنوات التلفزيونية كاتباً ومفكراً بقصد الإنتقاص من قيمته وإحراجه لا لشيء إلا لكونه يتبنى عقائد لاتنسجم مع المزاج الطائفي المتحكم بالعقلية (الرسمية الفقهية) في مصر.

وبعد استفزازات كثيرة لم تصمد أمام منطق وعقلانية الضيف (الشيعي)؛ ولأن اللقاء كان مباشراً وعلى الهواء، تفاجأ المشاهدون باتصال متشنج من مالكة هذه القناة طالبت فيه بطرد الضيف وأعلنت عن قرار بعدم السماح لأي (شيعي وملحد) بدخول القناة، فأوقعت مقدم البرنامج في حرج شديد؛ لأن إدارة القناة هي من اتصلت بهذا الشخص طالبة منه لقاء تلفزيونياً!.

على المستوى النظري والعلمي، نعتقد أن من أولويات العمل الصحفي هي المصداقية واحترام كل الآراء، والوقوف في منطقة الحياد في حال مناقشة الأفكار المختلفة.

هذه الحادثة أشعلت جدلاً كبيراً في الرأي العام ووسائل التواصل..حول هذه الأولويات التي ضربتها القناة المصرية بعرض الجدار.

إلى هنا سننهي الكلام عن هذه الحادثة من زاويتها الصحفية، وننتقل لمناقشتها من جانب آخر يتعلق باستخدام القضايا الفكرية بهدف تجديد منهج إقصائي تمارسه المؤسسات الفقهية المرتبطة عادة بالسلطات والأنظمة السياسية، والتي أنتجت في مصانعها التكفيرية آلاف المتطرفين والدمويين الذين مارسوا القتل والرعب بحق ملايين الأبرياء.

وعلى مايبدو، نرى أن هزيمة المنهج الإقصائي المتطرف على الصعيد العسكري في مناطق الصراع والتوتر ومن جهة، وانحساره على الصعيد المجتمعي، ونفور الإنسانية منه ومن سلوكيات أفراده ومتبنياتهم ومرجعياتهم من جهة أخرى، جعل الحرب تأخذ طابعاً إعلامياً مكثفاً، بعد أن كان دوره وحتى وقت قريب يقتصر على تقديم الإسناد للفكر المتطرف، فصار يلعب أدواراً أكبر بعد نفاد الخيارات الأخرى وثبات لاجدواها.

لكن الذي لم يكن في الحسبان هو ردة فعل الرأي العام تجاه هذه القضية، ليتلقى المنهج الإقصائي ضربة قوية تضاف لسلسلة الضربات التي جعلت التطرف متقهقراً.

جزيرة الإنحراف المعياري

وبالتزامن مع حادثة المحطة المصرية، أكدت محطة فضائية أخرى -أكثر شهرة وانتشاراً - السعي في هذه الحرب غير الأخلاقية، مستخدمة تأثيرها ونفوذها الإعلامي، فبثت برنامجاً وثائقياً مليئاً بالمغالطات والخلط بين ماهو شخصي وسياسي وعقائدي؛ وذلك من أجل تسقيط جهة محددة لها حضورها الروحي، فكانت محاولتها مكشوفة بأبعادها الطائفية التي تستهدف إثارة الفوضى عبر صاحبة الجلالة.

يقول الباحث في الانثربولوجيا الدكتور حميد الهاشمي : " يلجأ لأسلوب التسقيط عادة الأشخاص الذين لايملكون سلاحاً فعالاً، ودليلاً حقيقياً ضد خصومهم؛ لذلك نجدهم يلجئون إلى هذه الأساليب. وهي على قدر كونها سلمية لكنها سلاح مؤثر خاصة في المجتمعات ذات السمة الشعبية. والخلاصة فالتسقيط ظاهرة اجتماعية تمثل نوعاً من (الحرب الباردة).. وبالتالي فهي نوع من الصراع (السلمي)، ويمكن لوسائل الضبط الإجتماعي (القانون والدين والعرف)، أو المؤسسات العلمية والتعليمية، بالإضافة إلى وسائل الإعلام (المسؤولة) أن تمارس دوراً كبيراً في عقلنة هذا الصراع وضبطه؛ من أجل ألا تمتد آثاره السلبية إلى المجتمع عامة فتطيح بالسلم الأهلي، خاصة إذا ماكانت من النوع الذي يطال جهات حساسة مثل الشخصيات التأريخية والرمزية والإعتبارية ".

تُلحظ من سياق كلام الدكتور الهاشمي أهمية الدور الإعلامي في تقليص مساحات الخلاف، بشرط تحليها بالمسؤولية والوعي، لكن ماذا لو حصل العكس ؟ وهل الواقع يقول بحيادية الوسائل الإعلامية، وعدم تبنيها لإيديولوجيات معينة ؟ لايمكن أن نشيح ببصرنا عن الواقع الذي يؤكد أن الصراع بين الأفكار او المعتقدات اشتعل في الساحات الإعلامية، غير أن إدارة هذا الصراع تتم بشكل لايمت للمعايير المهنية بأية صلة. فبدلاً من تقليص المساحة العنفية في ظل حق الإختلاف، صار الهدف إيجاد مساحات أخرى يتنفس فيها العنف من النافذة الإعلامية، وكل ذلك طبعاً خاضع لآليات ومنهجية وضعت بدقة؛ لنسف كل أمل بحوار صحيح، وهو الأمر الذي لن يحدث مالم تعد الأمور (سياسياً) منسجمة مع المزاج الذي تتحرك وفق رؤاه تلك المؤسسات الإعلامية التي وجدت نفسها بصورة مباشرة او غير مباشرة في جزيرة انحراف حقيقي عن المعايير.

صراحة العداء المذهبي

وبعد أن تكسرت الأقنعة، وتبين الوجه الحقيقي للمقصد الإعلامي الموجه سلبياً، صارت عملية إظهار العداء المذهبي صريحة تدل على إفلاس كبير من الموضوعية، وهستيريا من غرق المقاصد الطائفية البغيضة في بحار الحقيقة.

صراحة العداء المذهبي اعتمدت إطلاق كذبة او شائعة تخص الملايين القادمين لإحياء شعائر زيارة أربعينية استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي الزيارة التي تتكاثر ملايينها مسببة الأرق المزمن للأنظمة الطائفية التي تحرك وسائلها الإعلامية؛ للنيل من ممارسة تفرز تنوعاً إنسانياً على صعيد المعتقدات والجنسيات في كرنفال إنساني تتلاشى فيه المسميات الفرعية، فيكون الرمز الذي تقام لأجله تلك الشعائر هوية إنسانية جامعة.

وفعلاً ارتفع منسوب الهيستيريا لدرجة أن جريدة كجريدة (الشرق الأوسط) تطلق شائعة تنم عن عوز أخلاقي في منهجها، وفي شائعتها من القبح ما يجعلنا نترفع عن النزول لمستوى تفاصيلها، خصوصاً بعد أن قامت الجهة التي ادعت الجريدة انها استندت في خبرها على تقرير لها بتكذيب الخبر ونفي التقرير ونفي صدوره عنها لتتعرى الجريدة ويثبت كذبها وسقوط مقصدها ذي الإرادات التخريبية، بعد أن ظنت أنها ستلحق الأذى النفسي بمن يشاركون في إحياء أقدس الشعائر الدينية. لقد انقلب سحر الجريدة على مالكيها ومموليها الذين كانوا يمنون النفس بتراجع الملايين إلى الآلاف ثم المئات وأنّى لهم ذلك، وسيشاهدون نتائج حقدهم المتصل بأزمنة خلت على شعائر لن تنطفئ جذوتها الفكرية والعاطفية في القادم من الأيام، "قُلِ انتظروا إنّا مُنتظرون".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5