تاريخيا وحاضرا استمر الجدال وبقوة بين مؤيدي الرأسمالية ومعارضيها حول قضية اللامساواة. الغرض من هذا المقال ليس لإضافة حجة جديدة وانما لجعل حجج كل جانب من طرفي النقاش واضحة للآخر. نأمل من مؤيدي الكاتب الروسي الامريكي Any Rand ان يفهموا موقف المناصرين لكارل ماركس وبالعكس.

مقارنة بين قريتين

لو افترضنا وجود قريتين زراعيتين هما قرية حسان وقرية راشد. كل قرية منهما تضم عشر عوائل وعشر قطع من الاراضي. في كلا القريتين تشغل كل عائلة ما لديها من قطعة ارض بشكل عشوائي. في قرية حسان توجد تسع قطع من الاراضي تنتج من الطعام عند مستوى الكفاف، بصرف النظر عن مدى مشقة العمل الذي يبذله مالكو الاراضي. اما القطعة المتبقية فهي تنتج محصول وفير من الطعام، ايضا بصرف النظر عما اذا كان المُزارع يعمل بمشقة او بدونها.

في قرية راشد، جميع قطع الاراضي متشابهة. الانتاج في كل قطعة يعتمد على مدى الجهد الذي يعمل به المزارعون. العوائل الجادة والمثابرة ستحصل على محصول اكبر مما تحصل عليه العوائل الكسولة.

يمكن القول ان اي شخص تقريبا يوافق بانه لو عشنا في قرية حسان سيكون من الملائم للمزارع الغني تقاسم المحصول مع اي شخص اخر. حتى التحرريون سيعترفون بان المزارع الغني يجب ان يتقاسم المحصول.

نعتقد ان كل شخص يقبل الرأي باننا لو عشنا في قرية راشد فان التقاسم سيكون غير ملائم وذو نتائج سلبية. انصار المساواة الراديكاليين هم ايضا يعترفون ان التقاسم سيقلل حوافز ارباب العمل نحو العمل وذلك عبر خلق مشكلة "الشخص المنتفع مجانا" free rider. انه من المعقول القول بان تقاسم المحصول في قرية راشد سيجعل كل شخص اسوأ حالا.

هذه التجربة حول المواقف من تقاسم المردود جرى تأكيدها باستبيان قامت به السايكولوجية التطورية ليدا كوزمس Leda cosmides اثناء فريق نقاش في معهد كاتو في سبتمبر 2016. عندما سُئل الناس عن آرائهم حول اعادة التوزيع، كانت اجاباتهم تعتمد على ما اذا كان السؤال صيغ بطريقة تصف الموقف اقرب الى قرية حسان ام الى قرية راشد. لسوء الحظ، المدافعون عن الرأسمالية عادة يأخذون القضية كأننا نعيش في قرية راشد، وهم يعاملون معارضي الرأسمالية كما لو انهم لا يفهمون النتائج العكسية للتقاسم في قرية راشد. وبنفس المقدار، معارضو الرأسمالية عادة يأخذون القضية كأننا نعيش في قرية حسان، وهم يعاملون المدافعين عن الرأسمالية كما لو انهم لا يفهمون عدالة التقاسم في قرية حسان.

الجدال الاكثر عقلانية سيركز على الكيفية التي تشير بها الظاهرة المُلاحظة الى مدى قرب وتشابه العالم الواقعي من قرية معينة او اخرى. في ادب الرأسمالية واللامساواة، نجد الناس يعطون اهمية للحديث عن هذه القضية، لكن الحجج القاسية والمتعجرفة تميل للسيطرة على النقاش.

الرابحون والخاسرون

كل من المؤيدين والمعارضين للرأسمالية يتفقون بانها تتسم بالمنافسة التي تقود الى رابحين وخاسرين. هم ايضا يوافقون بانه كلما كان الرابحون اكثر من الخاسرين، كلما كان الدفاع عن الرأسمالية سهلا.

بالنسبة لمعارضي الرأسمالية، يثيرون عبارة "الواحد بالمائة" التي تعني ان هناك القليل من الرابحين نسبيا والعديد من الخاسرين. مع ذلك، مؤيدو الرأسمالية هم من غير المحتمل ان يجدوا هذا مقنعا.

في الحقيقة، مؤيدو الرأسمالية سيستمرون بالجدال بانه حتى الناس الذين هم دون خط الفقر في الولايات المتحدة قياسا بدول العالم هم رابحون وليس خاسرون. مؤيدو الراسمالية لا يرغبون بتصنيف الناس كرابحين او خاسرين في ظل الرأسمالية بمقارنة ثرواتهم، وانما هم يصرّون على ضرورة تصنيف الرابحين والخاسرين في ظل الرأسمالية وذلك بمقارنة رفاهية صنف معين من الناس في مجتمع رأسمالي بما سيكون عليه في ظل الاشتراكية (او اي نظام رفاهية لدولة اكثر سخاءا).

من بين الحجج التي لم تؤخذ بالاعتبار في تفضيل الرأسمالية هي ان اجيال المستقبل يجب اعتبارها اجيال رابحة. اي، بغض النظر عن نسبة الرابحين والخاسرين من الرأسمالية في امريكا قل، في عام 1800، فان النمو الاقتصادي منذ ذلك الوقت صنع رابحين من بين الامريكيين المعاصرين. ومع تطلّع الديناميكية الرأسمالية لعدة اجيال الى الامام، فان نسبة الرابحين من النمو الاقتصادي تقترب من 100%، ونسبة الخاسرين تقترب من الصفر. ذلك لأن النمو الاقتصادي يجعل كل شخص افضل حالا لعدة اجيال من الآن مقارنة بما سيكون عليه الحال بدون نمو.

هذه الديناميكية ذاتها تفرز بوضوح ما يجب ان يعترف به مؤيدو الرأسمالية من خاسرين. الناس الذين تضطرب حياتهم بفعل الابتكارات سيكونون أفضل حالا، على الاقل في المدى القصير وضمن نظام اقل ديناميكية. عامل التصنيع الذي يفقد عمله بسبب العولمة او الابتكارات التقنية هو خاسر في الأجل القصير.

النزيهون والمخادعون

اختلاف حسي آخر بين مؤيدي الرأسمالية ومعارضيها يتعلق بالمدى الذي يلعب به الرابحون في المجتمع الرأسمالي بطريقة نزيهة. الرأسمالية في موقف دفاع قوي لو ان الرابحين نزيهون في سلوكهم حين يتصرفون وفق القواعد وليس كالمخادعين الذين يستغلون الآخرين من خلال الغش والخداع والاحتكار. المؤيدون يميلون للإشارة الى امثلة عن النزيهين، والمعارضون يميلون للإشارة الى امثلة عن المخادعين. لو كل رابح بالضرورة حقق نجاحا بواسطة الخداع عندئذ هناك سبب كاف للاستيلاء على ارباحهم. مؤيدو الراسمالية يؤكدون على اننا يجب ان لا نخلط بين قضية اللامساواة وقضية الخداع. في كتابهما "المساواة غير العادلة" يكتب المؤلفان Don Watkins and Yaron Brook:

نحن لا نُعجب بالمبادرين الابتكاريين لأنهم يخلقون "لامساواة جيدة" ونحن لا نكره المحتالين واللصوص وجماعات اللوبي لانهم يخلقون "لامساواة سيئة". ما هو ملائم هو طبيعة افعالهم، وليس ما اذا كانت حصيلة تلك الافعال تجعل الناس اكثر او اقل مساواة.

المؤيدون يجادلون اننا يجب ان نعاقب الغش بدلا من معاقبة الارباح. بالطبع، اذا انت تعاقب الرابحين فانت ربما بشكل غير مباشر تعاقب بعض المخادعين.

السلع النادرة ذات الرمزية الاجتماعية positional goods

ما يهم في السلعة النادرة هو موقعك فيها قياسا بالآخرين. فمثلا، جائزة الفائز بسباق اليخت الامريكي هي سلعة رمزية خاصة. في مثل هذا السباق، هناك فقط رابح واحد. هذا في تضاد مع النمو الاقتصادي الذي في النهاية يجعل غالبية الناس رابحين.

مكانك في سباق اليخت يتقرر عندما تنتهي قياسا بالمتسابقين الآخرين. في السلع المادية العادية، اهتمامنا معظمه ينصب على المقدار المطلق الذي نستطيع التمتع به وليس حول الكيفية التي نقارن بها حصتنا مع حصة شخص آخر. في السلع العادية، من الممكن لكل شخص رفع مستوى معيشتنا. اما في السلع النادرة، عندما ينطلق شخص ما الى الامام، لابد من ابقاء شخص ما الى الخلف.

احدى الحجج ضد لامساواة الدخل والثروة هو انها تسمح للغني بالسيطرة على ميدان السلع النادرة. فمثلا، نتذكر عام 1977 سباق الكأس الامريكي الذي فاز به الاعلامي التلفزيوني البارز تيد تورنر. ربما من المعقول انه في سباق اليخت، يكون الناس الاثرياء في موقف جيد.

التغذية الدائرية بين الثروة والسلطة

ان السلطة السياسية هي سلعة نادرة ومزعجة خصيصا. معظم الناس يعتقدون انه من غير العدل ان الناس الاغنياء يستطيعون بدرجة ما استخدام ثروتهم للحصول على سلطة سياسية على حساب الآخرين. انها عملية مثيرة للاستياء خاصة عندما نرى التغذية الدائرية التي فيها تسمح ثروة الناس لهم بتعزيز قوتهم السياسية، والتي بدورها تسمح لهم بتعزيز ثروتهم. المعارضون للرأسمالية يريدون كبح التغذية الدائرية بين الثروة والسلطة وذلك عبر تقييد قدرات الناس الاثرياء. هذا يعني فرض مزيد من الضرائب على الاغنياء واستعمال القوانين واللوائح لكبح قدرتهم على توظيف ثرواتهم في العملية السياسية.

مؤيدو الرأسمالية يريدون مقارعة التغذية الدائرية بين الثروة والسلطة عبر تقييد مقدرة الحكومة. اذا كانت الحكومة اقل نشاطا، عندئذ هي سوف لن تميل الى لعب دور في مجالات لمصلحة الاثرياء، والاثرياء ستكون لديهم القليل من الحوافز لمحاولة التأثير على سياسة الحكومة.

يجب ملاحظة ان التغذية بين الثروة والسلطة ليست بالضرورة غائبة في ظل الاشتراكية. فمثلا، في شهر اغسطس من عام 2015 اشارت التقارير الى ان ثروة احدى بنات الرئيس الاشتراكي الفنزويلي السابق هوغو شافيز بلغت اكثر من اربعة بلايين دولار، بينما بقية الشعب في البلاد تعيش في فقر مدقع.

تحسين الرأسمالية؟

نعتقد ان الدينامية الرأسمالية بالفعل تنتج خاسرين في المدى القصير، وان بعض الرابحين هم مجرد افراد محظوظين. نعتقد ان بعض الرابحين اكتسبوا المزيد من الثروة عبر خداع النظام. ان الثروة تمكّن الأغنياء من الحصول على أكثر من حصتهم من السلع الرمزية النادرة. حلقة التغذية الدائرية بين الثروة والسلطة هي شائكة ومعقدة.

لاشك ان الرأسمالية ليست تامة. غير ان السؤال الاكثر اهمية يتعلق بكيفية تحسينها. هناك الكثير من الوسائل المرنة والمترابطة حول كيفية تفسير الفشل المتكرر للاشتراكية بالإضافة الى فشل اشكال التدخل الحكومي الأقل بشاعة. بالنسبة لمعارضي الرأسمالية، هذا الفشل يشير للحاجة الى العمل الجاد والشاق لتطبيق الاصلاحات بشكل صحيح. مؤيدو الرأسمالية يرون ان هذا الفشل يشير الى ضرورة انسحاب الاصلاحيين من العملية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3