لا شيء في عالم اليوم يبنى على المصالح أكثر من العلاقات الدولية، فعبارة "نتعامل مع بعضنا وفق مصالح بلدينا" هي من أكثر العبارات استخدام في اللقاءات التي تعقد بين مسؤولي الدول المختلفة، فالايدلوجيا والانحيازات الاخرى لم تعد موجودة في القاموس الدبلوماسي الدولي.

في منطقة الشرق الاوسط حيث يحارب الكل ضد الكل، تتحرك العلاقات الدولية على ارضية سائلة، فعدو الامس يصبح صديقا حميميا والعكس صحيح، وهذا لا ينفي وجود شواذ يتشبثون في كل شيء ورثوه عن الاجداد حتى وان كان ذلك التشبث بإسقاط رئيس دولة تقف دول نووية بجانبه.

إيران وروسيا أصبحتا حديث العالم باسره بسبب فعالية تحالفهما المعلن على الميدان، ونجاحهما الواضح في ادارة الحرب السورية وفشل خصومهما بالمقابل، في مشهد يؤكد مراقبون انه جاء نتيجة نجاعة التخطيط الايراني الروسي وفهمه لقواعد الصراع الجديدة في الشرق الاوسط، ومثلما لم يتوقع اكثر العارفين بالشان السوري تدخل روسيا الى هذا الحد؛ تفاجئ العالم بانطلاق القاذفات الروسية الاستراتيجية من مطار همدان الايراني لضرب الجماعات المسلحة في سوريا. حيث قال بيان لوزارة الدفاع الروسية ان "طائرات قاذفة بعيدة المدى من طراز "تو-22 إم3"، وقاذفات من طراز "سو - 34" أقلعت الأحد 16 أغسطس/آب، من مطار همدان الإيراني ووجهت ضربات مكثفة إلى مواقع تنظيمي "داعش" و"جبهة النصرة" الإرهابيين في محافظات حلب ودير الزور وإدلب في سوريا".

هذه الخطوة تحمل الكثير من الدلالات اهمها ان الحلف الروسي الايراني وصل الى مرحلة متقدمة ما يؤدي بشكل عملي الى تكذيب كل الأحاديث التي تطرقت الى وجود خلافات في طريقة معالجة الازمة السورية، ففتح القواعد الجوية الايرانية للقاذفات الروسية يعني ان هذا التحالف المؤقت في طريقه ليكون تحالفا استراتيجيا طويل المدى يمهد الطريق لولادة قطب عالمي يتحكم في أكثر مناطق العالم اهمية.

وإذا ما اخذنا في الحسبان دخول الاتراك على سكة الحلف الايراني الروسي يتضح أكثر مدى الدور الذي سيلعبه هذا المثلث الكبير وامكانية تحكمه في الكثير من القضايا، وقد تحدثت صحيفة "التايمز" البريطانية عن هذه القضية مشيرةً إلى أنّه إذا تعاونت تركيا وروسيا معا فسيكون بوسعهما إعادة تغيير قواعد الحرب في الشرق الأوسط والإخلال بنظام ما بعد الحرب في أوروبا، ووصفت عناق بوتين واردوغان الحار بانه مقلق للغرب.

يرى العراقيون هذه الاحداث امامهم وهم ينظرون بعين الحرقة والالم كون الدول الاخرى استطاعت التقدم للأمام فيما يتراجع العراق وسط زحمة الاحداث، نتيجة اعتماده على سياسة أيدلوجية اكل الدهر عليها وشرب، فمن غير الممكن ان يكون لنا عدو دائم او صديق دائم لنتلقى الطعنة تلو الأخرى في الظهر والقلب والراس دون ان نحرك ساكنا كون هذه الدولة التي تطعنا هي دولة صديقة ومن غير الممكن ان تبقى علاقاتنا متوترة مع دول يمكن ان نستفيد منها في حال فتح القنوات الدبلوماسية معها، وما تؤكده قواعد العلاقات الدولية هو ضرورة البحث عن افضل الحلفاء لتحقيق مصالح الدولة بغض النظر عن الايدلوجيا التي يتبناها الطرف الاخر.

تركيا التي فتحت قاعدة انجرليك لحلف الناتو لم تنتظر احدا ليعطيها الاوامر وعندما عادت لفتح صفحة جديدة مع روسيا لم تنتظر التعليمات من احد وينطبق الحال على ايران التي فتحت قواعدها العسكرية للروس، انها الوسيلة الناجحة للحفاظ على قوة وكيان الدولة من خلال استثمار حاجة الدول العظمى لبعض المميزات التي توفرها الدول الاصغر منها، وهذه القاعدة يطلق عليها في العلاقات الدولية باسم توازن الضعف من خلال استثمار الدولة لضعف دولة اخرى من سد ضعف اخر لديها، فايران على سبيل المثال التي فتحت قواعدها لروسيا اصبحت اكثر امنا على اراضيها من اي هجوم قد تحاول تنفيذه امريكا او اسرائيل، وفي المقابل فان روسيا اصبحت لديها ورقة جديدة ضد خصومها وحصلت على موطئ قدم اخر في المياه الدافئة، وليس مستبعدا ان تكون هي الحارس على بوابة مضيق هرمز الذي سيكون في حينها اكثر ضيقا على الامريكان وحلفائهم.

العراق الذي يعاني من ازماته المتراكمة يملك الكثير من مفاتيح الحل التي استطاعت توظيفها كل من ايران وروسيا ودول شرق أوسطية اخرى لو تعامل قادته بنوع من البراغماتية مع مختلف القضايا وخاصة توسيع العلاقات الدولية لتكون أداة فعالة للارتقاء بقيمة العراق كدولة فاعلة في الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال يمكن ان يكون النفط والمواد الخام عاملا مهما في زيادة افاق التعاون مع مختلف دول العالم وخاصة دول الشرق الأوسط، مع الاخذ بالحسبان كيف استطاع العامل الاقتصادي ان يحافظ على الحد الأدنى من العلاقات بين دول كادت ان تنسف بعض الازمات علاقاتها الدبلوماسية، لكن الحفاظ على العلاقات الاقتصادية هو الذي اسهم فيما بعد بعودة تلك العلاقات الى مستواها الطبيعي وتركيا وايران تمثل احدث الأمثلة على ذلك من حيث اختلافهما الجوهري حول الازمة السورية وإبقاء الاقتصاد، ومع مجيء الفرصة السانحة عادت علاقاتهما الى مستواها الطبيعي.

مهما كانت الدولة ضعيفة وغير مستعدة لمواجهة الأعداء فإنها تملك من وسائل الضغط على الدول العظمى بحيث تستطيع ان تمثل رقما صعبا في المعادلات الإقليمية والدولية، من خلال استثمار التقاطعات بين الدول الكبرى، والمثال المصري واضح هنا رغم الضعف الاقتصادي والأزمات الداخلية التي تواجه الحكومة.

اليست هذه هي ابسط ابجديات العلاقات الدولية، وهل يمكن للعراق ان يتعامل مع جميع الدول وفق هذا المنطق، والذي أطلقنا عليه توازن الضعف، وهل يمكن للعراق ان يبني قراراته دون ان تظهر منها رائحة الخلطات الدولية والتوافقات الاقليمية. لكن الواقع يؤكد ان هذا الكلام غير قابل للتطبيق في ظل الوضع السياسي القائم، فاذا لم تغير الاحزاب الحاكمة طريقتها في الحكم لا يمكن الوصول الى مستوى الدولة المنشودة، والتي يحلم العراقيون ان تكون عضوا فاعلا في الميدان الإقليمي وحتى الدولي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1