أفرزت الأحداث الملتهبة على الساحة السياسية العراقية، بعد زوال نظام صدام حسين اضطرابا سُنّياً، لم تتحدد معه ملامح واضحة لشكل, والمشاركة في التجربة الجديدة التي بدت كالصاعقة المحرقة.

قبل أيام، صدر عن البرلمان العراقي قراراً يحظر نهائياً (حزب البعث العربي الإشتراكي) من المشاركة في الحياة السياسية، فضلاً عن الملاحقة القانونية لكل من يعتبر مروجاً له ولأفكاره.

وفي متابعة لردود الأفعال الصادرة بعد إقرار الحظر، وجدنا كثيرين من أبناء المكون السني اعترضوا على القرار عادين إياه استهدافاً لهم من قبل قادة الحكم (الشيعي) الجديد! مايقدح في الذهن سؤالاً عن الهوية الإيديولوجية لحزب البعث الذي حكم العراق منذ عام 1968 وحتى سقوطه في 2003، فهل كانت هويته علمانية؟ أم أن العلمانية كانت مجرد قناع يختفي وراءه ذئب مذهبي شرس؟.

لم يكن الجسد البعثي مذهبياً على المستوى الشكلي، إلا أن أحداث مابعد انهياره اثبتت أن المكون السني العراقي ربط وجوده ومستقبله السياسي بهذا الحزب الديكتاتوري، ويمكن ملاحظة المواقف الصادرة من الطبقة السياسية السُنية طيلة الثلاث عشرة سنة الماضية من عمر التجربة الجديدة، وكيف كانت تستميت في عدم إقرار أي قانون يجرم هذا الحزب حتى مع بدايات تشكيل هيئة اجتثاث البعث التي تحولت فيما بعد إلى هيئة المساءلة والعدالة.

يتساءل الكاتب (أحمد عبد السادة) عن سبب دفاع سياسي السُنّة عن حزب البعث في الوقت الذي يطرحون فيه أنفسهم كناطقين بأسماء وحقوق ومطالب المكون السُنّي؟، وهل أن مطالب البعث هي جزء من مطالب السُنّة ؟، ثم يعود ليجيب بأن حزب البعث تحول عملياً إلى حزب سُنّي ذاب في الأفكار التكفيرية للجماعات السلفية وهي (سُنّية) بحسب التصنيف المذهبي، خصوصاً بعد أن فقد البعثيون الصداميون امتيازاتهم السلطوية مادفعهم للإستعانة بشيوخ الذبح التكفيري، عسى تعيد لهم سلطتهم وإن كان الثمن شيعة العراق وبنيته التحتية.

إنصافاً، لم تكن الطبقة السياسية السُنية هي الوحيدة التي اعترضت على قرار الحظر البرلماني، بل أن فعاليات اجتماعية وثقافية تنتمي - شكلياً - للمكون السني هاجمت القرار، واعتبرت انه عملية حظر للفكر، وهو مايتعارض مع حرية الرأي والإعتقاد، ويبدو أنها نسيت أو تناست الممارسات القمعية لهذا الحزب طيلة فترة حكمه الاستبدادي..قبل أن يلتحق قادته بالتنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش.

ويبدو للمتابع للأحداث، أن قضية الإعتراض على حظر الحزب البعثي لم تكن سوى فقرة من فقرات كثيرة كان السُنّة يصرون من خلالها على إظهار حالة المعارضة بمناسبة أو بدونها، بل أن هويتهم الوطنية بدت مرتبكة في السنوات الأخيرة، فكلنا يتذكر كيف رفع المتظاهرون في تلك المناطق صوراً لملك السعودية والرئيس التركي، وكيف تمايلوا طرباً مع الأناشيد التي كانت تُطلق ومن أبرزها ( إحنا تنظيم واسمنا القاعدة….. نقطع الروس ونقيم الحدود ) من على منصات وقف عليها سياسيون مشاركون في العملية السياسية، ورجال دين تم تصنيفهم قضائياً على أنهم إرهابيون مطلوبون للقضاء، وأن تلك التظاهرات كانت تدار بأموال سعودية وقطرية وبأجندة حرص حزب البعث على تنفيذها بالشكل الأمثل.

كما أن قادة من هذا المكون، شغلوا مناصب رفيعة في الحكومة، تمت إدانتهم بقضايا تتعلق بدعم الإرهاب، كل هذه الأحداث جعلت من السؤال حول مستقبل المكون السُني في العراق تتكرر في الذهنية السياسية والمجتمعية العراقية.

ولعل الاحتفال السياسي / الشعبي السُنّي، بفشل الإنقلاب العسكري على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مصداق آخر على تزعزع الذهنية الوطنية، وكأن أردوغان صار إمام المدافعين عن الوجود السُنّي، ففي الوقت الذي اشتعلت فيه مواقع التواصل الاجتماعي بصور نحر الذبائح والإبتهالات شكراً لله بزوال الخطر عن ( الخليفة أردوغان )، كانت شاشات القنوات الفضائية تلتهب بتصريحات الساسة السُنّة المنددة بالإنقلاب على الشرعية الأردوغانية، وراحت تحذر من الكوارث الإلهية والطبيعية التي ستصيب الوجود البشري في حالة زوال من يمثل عرّاب داعش وداعمه في حربه ضد (الرافضة المجوس) في العراق وسوريا، أي أن مصير البشرية صار مرهوناً بالحفاظ على الكيان ( الإخواني الداعشي ).

وعندما نحاول عقد مقارنة بسيطة بين التمردين الشيعي والكردي على نظام صدام حسين وحزب البعث من جهة، والمعارضة السُنية لتجربة مابعد 2003، نجد أن البون شاسع ؛ لأن فصائل المعارضة الشيعية والكردية لم تكن تستهدف مواطني المكون السُني، على العكس من جهة الطرف الآخر، إذ أن كثيراً من الأعمال التي استهدفت الشيعة العُزَّل انطلقت من مناطق مثلت حواضن آمنة لتنظيمات القتل والذبح وليس هذا خافياً على أحد، والشواهد عديدة، كما في التفجيرات في أسواق مناطق مدينة الصدر والكاظمية والشعب، فضلاً عن محافظات بابل وكربلاء، وآخرها التفجير العنيف في مدينة الكرادة الشرقية.

ومما لاشك فيه، أن بصمات الإرهاب الداعشي واضحة على هذه العمليات، لكن كيف تم الوصول إلى عمق المناطق الشيعية مالم تكن هناك حواضن اجتماعية ودعم سياسي يمثل التوجه الفكري والعقائدي للتنظيمات المتطرفة؟.

إنَّ الحديث عن الحواضن الاجتماعية والدعم السياسي لا يعني بالضرورة أن كل أبناء السُنّة إرهابيون، فكثير منهم اكتوى بنار الإرهاب المستعرة، لكننا أمام شواهد وأحداث لابد من الوقوف عندها نقداً وتحليلاً لمفصل مهم من مفاصل التأريخ السياسي العراقي، والذي كان لحزب البعث الجزء الأكبر من أحداثه وتداعياته، وصار - بعد انهيار الحقبة التي حكم فيها نهائياً - رأساً على جسد إرهابي.

ذكرت صحيفة (نيويورك تايمز): إنَّ مؤلفات وهابية وكتب سلفية اختلطت مع كتب بعثية عثر عليها في مقرات داعش بالفلوجة بعد تحريرها.

ولا نعلم مالذي ستكون عليه ملامح هذا المكون بعد حظر حزب راهن عليه أغلبهم في التجربة السياسية الحالية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1