يُعرف المختصون والباحثون العمل المؤسسي بأنه ذلك التجمع المنظم حسب لوائح، حيث يتم توزيع العمل فيه على الإدارات المتخصصة بهدف تحسين الأداء وبلوغ الأهداف التي من أجلها أنشئت هذه المنظمات والمؤسسات.

ونعتقد بما لاشك فيه، أن التحديات التي تواجه الإنسان اليوم، والإنسان المسلم على وجه الخصوص كفيلة بأن تجعل التكاتف في الجهود ضرورة ملحة؛ لتأصيل مبدأ مهم من مبادئ ومقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء، وهو مبدأ التعاون والعمل الجماعي ما يضمن استقراراً عملياً بعيداً عن أي ضعف يتعرض له دائماً العمل القائم على نحو فردي، والذي دائماً ما يكون عرضة للتغيير والخلخلة وعدم الإستقرار فضلاً عن أن العمل الجماعي ضمن الإطار المؤسسي يضمن اجتهاد إدارته في اختيار المناسب من الموارد البشرية والتي تساهم بدورها في تحقيق التنمية المنشودة والوصول بالمؤسسة وأهدافها إلى شاطئ الأمان.

ولو استعرضنا الدراسات والكتابات التي ركزت على أهمية العمل الجماعي المؤسساتي لخرجنا بحصيلة علمية وفكرية غزيرة من خلال التجوال والسياحة بين مضامين الأفكار التي لخصتها هذه الدراسات لكبار العلماء والمفكرين الذين وفدوا ساحة الفكر الإنساني بعميق رؤاهم وتصوراتهم وتحليلاتهم، ومنهم العالم والمفكر الإسلامي الكبير المجدد الثاني السيد محمد الحسيني الشيرازي صاحب المشاريع المتفردة الرؤية والعميقة المضامين لنهضة المجتمع الإسلامي والإرتقاء بواقعه للمديات التي تبعده عن النمطية والجمود، بل تعمل على تحريك ساكنه، ذلك الساكن الذي صار أشبه بالأرق المزمن في الأمة الإسلامية.

وصار المشروع النهضوي للإمام الشيرازي الراحل بصمة فكرية رائدة وقف و يتوقف عندها الكثير من طالبي المعرفة مسلمين كانوا أو غير مسلمين؛ وذلك للوعي الكبير الذي زخر به مشروعه حتى صار أنموذجاً يُحتفى به ويشار إليه ببنان الإعجاب والتقدير، وقد تحدث عنه السيد صادق الحسيني الشيرازي (حفظه الله ) قائلاً: " إن الإمام الشيرازي كان نبراساً وهاجاً يستضيء به كل المؤمنين وكل الفئات والطبقات".

يرى المجدد الشيرازي الثاني في قضية العمل الذي يتسم بالطابع المؤسسي ضرورة أن يهتم الباحثون بشؤون الإصلاح بإنشاء مؤسسة عالمية كبيرة تمنع انتاج الأسلحة التي تسعى لتدمير البشرية وإبادتها من أجل تحقيق المصالح الضيقة للدول الكبرى والتي لاهم لها سوى تعزيز نفوذها وهيمنتها على العالم وإذكاء الفتن وتعزيز كل الجهود التي تعمل على إبقاء الإنسانية ساحة صراع وتوتر وحروب دائمة تنتعش من خلالها عمليات انتاج وبيع هذه الأسلحة الفتاكة.

فكرة الإمام الشيرازي هنا تعكس رؤية جديرة بالبحث والتأمل ؛ كونها انطلقت من اتجاهاته الإسلامية المؤكدة دائماً على إحلال السلام في ربوع العالم وعدم اللجوء إلى العنف والعنف المضاد، فإنشاء مثل هذه المنظمات والمؤسسات من شأنه أن ينعش الأمل الإنساني بالسلم العالمي. ولا بأس أن تعاضد هذه الهيئات والمنظمات مؤسسات أخرى تتبنى اللاعنف كهدف رئيس لها فتتوحد جهود المؤسستين من أجل بلوغ الهدف الأسمى في السلام و الحفاظ على البشرية من الإبادة.

ومن المناسب هنا - لتدعيم هذه الفكرة - استعراض رؤى المجدد الشيرازي الثاني في قضية اللاعنف التي تفرد بطرحها كنظرية معرفية مقدماً السبل و الآليات لمكافحتها حيث يقول في تعريف للاعنف: "أن يعالج الإنسان الأشياء سواء كان بناء أو هدماً بكل لين ورفق ؛ حتى لايتأذى أحد من العلاج ، فهو بمثابة البلسم الذي يوضع على الجسم المتألم حتى يطيب "1.

عند هذا المقطع يتوقف الكاتب حسن آل حمادة فيقول : " ولذا فالواجب على التيار الإسلامي والدولة الإسلامية اختيار اللاعنف في الوصول إلى مآربهما وهي إقامة الدولة الإسلامية بالنسبة إلى التيار وإبقاؤها بالنسبة إلى الدولة القائمة حتى تتسع وتطّرد في بعدي الكم والكيف "2.

ما يهمنا في هذا الإستعراض السريع هو إمكانية تطبيق نظرية اللاعنف عبر العمل الجماعي والمؤسساتي بالآليات التي حددها المجدد الشيرازي الثاني من أجل تطبيب الجسد الإنساني المتألم.

المبادئ المنحرفة

يعتقد الإمام الشيرازي بضرورة إنشاء مؤسسات تأخذ على عاتقها إيقاف المبادئ والسلوكيات التي تعمل بأجندات منظمة على النخر في جسد الدول الإسلامية حيث يقول: " لقد امتلأت الدول الإسلامية بالمبادئ الباطلة سواء منها المبادئ الإلحادية، أم المنحرفة الدينية، أم المنحرفة الحزبية، ولا يكفي في كفاح هذه المبادئ وعظ الخطباء وكتب المؤلفين ومكافحة الحكومات المخالفة لها ، بل اللازم أن تنظم منظمات شأنها تتبع المبدأ، وإيقافه عند حده أولاً ،بمختلف الوسائل "3.

ولابد لنا أن نتوقف عند هذه اللزومية في قول السيد الشيرازي (اللازم أن تنظم منظمات شأنها تتبع المبدأ)، فمن المؤكد أن أساليب التصدي للمظاهر السلوكية المنحرفة في أيامنا اليوم لم تعد تقتصر على خطيب واعظ يرتقي منبره لساعة أو ساعتين، أو سطور لمؤلف في كتاب يتناول شأناً معيناً أو قضية معينة، أو تقتصر على إجراءات حكومية تتسم بالشدة والصرامة ... وهو ما قد يولد ردات فعل غاضبة وسلبية تأتي بنتائج عكسية، فالمجدد الشيرازي الثاني هنا يدعو إلى ثورة ثقافية مجتمعية عبر انشاء منظمات تحذر من خطورة هذه السلوكيات والمبادئ المنحرفة، ولا تكتفي بدورها التحذيري فقط بل تنفتح على عدة أساليب لمكافحتها والتصدي لها ومنها الأساليب القانونية، بحيث لا يسمح بانتشار مظاهر الانحراف حتى وإن جاءت تحت يافطة فضفاضة مثل يافطة العولمة أو القرية الصغيرة وغيرها من العناوين التي تفهم بأحادية لن تنتج غير السيء واللا معقول من الأخلاقيات.

والعمل المؤسسي في ظل زمن تتحكم فيه العولمة من البعد السلبي لها لابد أن يخضع لآليات واشتراطات تحافظ على النسيج المجتمعي وكيانه الأخلاقي، نعم لا بأس من إنشاء المؤسسات التي تتعاطى مع كل ماهو جديد على صعيد الميديا والإلكترونيات لكن ليس على طريقة الآخر المختلف الذي يصادر محورية الإنسان في هذا الوجود بنظرة مادية فقط.

وقد أولى السيد الشيرازي هذا الموضوع اهتماماً بالغاً حيث قارن بين العولمة الغربية والإسلامية بقوله: "ترى العولمة التي يريدها الغرب أن التنمية و النمو الاقتصادي للبعض فقط هو كل شيء حتى وإن كان ذلك على حساب سعادة الإنسان بل و حياته أيضاً ، فكانت عولمته ناقصة، فيها النمو والإزدهار الاقتصادي في الجملة للبعض على حساب الآخرين ... وليس فيها العدل والأخلاق في الجانب الإنساني. إن عولمة الإسلام الناظرة إلى الجانب الروحي والمادي معاً، والمراعية للمعنويات أيضاً والمهتمة بالإنسان كمحور أساسي جاءت كاملة شاملة تجمع بين النمو والإزدهار الاقتصادي وبين العدل و الأخلاق في الجانب الإنساني ، فهي وحدها الصالحة لإصلاح العالم والسعادة العالمين "3.

وطبقاً لهذه المقارنة المعمقة، ما الذي يمنع من انشاء مؤسسات تأخذ على عاتقها العمل بالنظرة الإسلامية للعولمة من جانبين روحي ومادي لتحقيق تكاملية إنسانية وتكون عولمة بمعنويات لا من دونها؟، لاشك أن المؤسسات التي تنشأ على نظرية العولمة الغربية سيكون جل أهدافها الهيمنة بشكل مطلق على المجال الذي تعمل فيه ، وستصنع لهذه الهيمنة أجنحة تخالف العقل والفطرة؛ لذلك فإنَّ مستقبل استمراريتها مرهون باستمرار النظرية التي تتبعها وستسقط كنتيجة حتمية وطبيعية بسقوط وانهيار النظرية التي قامت عليها ، بينما سيستمر العمل المؤسسي القائم على فكرة العولمة الروحية والمادية كما طرحها الإمام الشيرازي والتي ستساهم إلى حد كبير في التفاف الناس حول هذه المنظمات فتكون مصدر إشعاع وإمداد.

المكاتبة والمراسلة

ويلتفت المجدد الشيرازي إلى قضية غاية في الأهمية تتلخص بمطالبته بإنشاء مؤسسات تعنى بمراقبة وسائل الإعلام المختلفة سواء كانت مرئية أو مقروءة أو مسموعة أو إلكترونية، وتستطلع آراء الشخصيات العالمية والمهمة، فإن وجدت في هذه الوسائل الإعلامية أو آراء هذه الشخصيات ما يتنافى مع الخصوصية الإسلامية كتبوا لها مؤشرين على موقع الخطأ أو الإشتباه لكن بطريقة يعبر عنها السيد الشيرازي بقوله "مع كل احترام ولباقة لئلا يستثيروا فيه النخبة فتأخذه العزة بالإثم ".

وهذا مبدأ أخلاقي ينمي روح الحوار الحضاري المبتعد عن أشكال العصبية والتزمت ؛ وكذلك لإثبات أن الأمة الإسلامية هي أمة (إقرأ) و أمة (نون والقلم) وأمة (خير الناس من نفع الناس)، ولأن عالم الاتصالات شهد طفرات نوعية وملحوظة، يؤكد المجدد الثاني على ضرورة تأسيس هيئات ومؤسسات دينية تهتم بنشر الوعي الإسلامي والثقافة الإسلامية بطريقة المراسلة ولمختلف المستويات العمرية ، ويمكن أن تنفتح هذه الهيئات في عملها على غير المسلمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1/ السيد محمد الشيرازي ، الفقه، كتاب الدولة الإسلامية ، ط1 مج102 ص80 .
2/ حسن آل حمادة ، هكذا ربانا الإمام الشيرازي، دار العلوم / بيروت ، ص69
3/ محمد طالب الأديب، ألف كلمة وكلمة للمجدد الشيرازي الثاني : 227

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0