الازمة السياسية العراقية التي مزقت التحالف الوطني (الشيعي) وسحقت اتحاد القوى (السنية)، وصلت عواصفها الى إقليم كردستان العراق والذي كان يكابر على ازماته خشية شماتة خصومه (وما اقلهم فالإقليم ملجأ الهاربين مدانين او متهمين)، لكن ضعف الحكومة المركزية وعدم سيطرتها على الأوضاع في بغداد، اثار مخاوف الأحزاب الكردية المناوئة للحزب الديمقراطي الكردستاني من زيادة سلطات رئيس الإقليم مسعود البرزاني "منتهي الصلاحية". لا سيما تودده لمشاعر الكرد الانفصاليين عن طريق حديث الاستقلال.

حركة التغيير المعارضة بزعامة نشروان مصطفى والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، وقعا على اتفاق على شراكة دائمة بين الطرفين وتتضمن أهم بنود الاتفاق بين حركة التغيير والاتحاد الوطني الكردستاني التي وقعها الحزبان في 17 أيار الحالي، العمل المشترك في برلماني الإقليم والمركز في بغداد والمشاركة بقائمة واحدة في الانتخابات المقبلة، فضلا عن انتخاب رئيس للإقليم من داخل برلمان كردستان. فيما شدد الاتفاق على انه "لا يجوز لأي من أطرافه عقد تحالف أو اتفاق مع طرف سياسي آخر إذا تعارض ذلك مع بنود وفقرات هذا الاتفاق".

الاتفاق الذي احتوى على أربعة وعشرين فقرة كان موجها ضد مسعود البرزاني على وجه التحديد خوفا من استئثاره بالسلطة مستغلا ضعف الحكومة المركزية في بغداد، واهم ما ذكره الاتفاق هي نقطتين مهمتين موجهتين ضد حزب رئيس الإقليم المنتهية ولايته مسعود البرزاني:

الأولى: التأكيد ‎على "ضرورة وجود نظام برلماني في كردستان ويعتبران هذا النظام انسب نظام للمرحلة الراهنة، ووفقاً لهذا النظام ينتخب رئيس الإقليم من قبل البرلمان ويكون رئيس الحكومة المسؤول المباشر على السلطة التنفيذية".

الثانية: تشكيل لجنة عليا مشتركة وتعقد اللجنة اجتماعات شهرية وتتحمل مسؤولية اعداد البروتوكولات والملاحق وتشكل لجان مؤقتة خاصة إذا تطلب الامر. كما ‎لا يجوز لأي طرف من أطراف هذا الاتفاق، أن يعقد تحالفاً أو اتفاقاً مع طرف سياسي آخر إذا تعارض ذلك الاتفاق أو التحالف مع بنود وفقرات هذا الاتفاق.

ومن خلال قراءة فقرات الاتفاق نجده ينطلق من توجه واحد ازاء ازمة الاقليم الحالية الخاصة برئاسته وتفضيلهم للنظام البرلماني على النظام الرئاسي، واصرارهما على تقليص سلطات رئيس الإقليم لتكون مهامه بروتوكولية كما هو الحال في حكومة بغداد المركزية، وزيادة سلطات رئيس الوزراء باعتباره المسؤول التنفيذي الأول، فضلا عن المطالبة بالنظام اللامركزي في الإقليم، وهو ما يبين مخاوف الحزبين الكرديين من سطوة أي مسؤول اعلى في كردستان وتشبثه بالمنصب كما هو حال الرئيس المنتهية ولايته مسعود البرزاني.

هذا الاتفاق كشف نار الخلافات المخبئة تحت رماد مشاكل الحكومة المركزية، فالحزب الديمقراطي الكردستاني لم ينتظر طويلا للرد على الاتفاق معتبرا إياه تصعيدا للازمات في الإقليم، كما انه تحدث بلغة مبهمة فيها نوع من التهديد بالعودة الى الصراع الدموي السابق بينه وبين الاتحاد الوطني الكردستاني اذ قال أن “الاتفاق هو محاولة لتصعيد الخلافات الداخلية والتي لا تخدم حل القضايا، بل ستجرنا إلى وضع سابق غير مرغوب به”، فـ"الوضع السابق" الذي أشار اليه يفهم على انه تهديد بالعودة الى ساحات القتال بين الطرفين وما يدعم هذا التفسير هو تعامل حزب البرزاني مع أي قضية بمنطق السلاح سواء في مشاكله مع حكومة بغداد او في قمعه للاحتجاجات التي قادتها حركة التغيير ضده.

لكن تهديدات البرزاني قد لا تجدي نفعا فموقفه بات ضعيفا في برلمان الإقليم، بعد ان أصبح التغيير والاتحاد الكردستاني أكبر كتلة برلمانية، وفي الوقت الذي تمتلك فيه حركة التغيير ثقلا سياسيا أكبر من حليفها الاتحاد الكردستاني والذي يملك قوة عسكرية في البيشمركة؛ يبدو ان هذا الاتفاق سيمثل منعطفا في المستقبل السياسي لإقليم كردستان. وتشير بعض التحليلات الى ان هذا الاتفاق رسم خارطة سياسية جديدة في اقليم كردستان، متمثلة بالاستعداد لمواجهة حزب البارزاني وعائلته، باستراتيجية سياسية جديدة قادرة على اخلال التوازن الحالي وتغييره بشكل يصب بصالح التغيير والاتحاد الكردستانيين.

وفي المقابل من الممكن ان تستفيد حكومة بغداد من هذا الاتفاق لحل بعض المشاكل العالقة بين المركز والاقليم لا سيما وان التكتل الكردي الجديد أكثر مرونة في التعامل مع الحكومة المركزية ويدعو لحل الخلافات بالحوار البناء، وليس هذا فحسب بل يمكن الاستفادة من هذا الاتفاق لزيادة الضغط على الإقليم من خلال المناورة السياسية بين تكتل البرزاني والحلف الجديد بين التغيير والاتحاد الكردستاني.

وتبقى مسالة الاستقلال التي ذكرها اتفاق التغير والاتحاد الكردستاني بعيدة المنال ولا تتعدى حدود الاستهلال المحلي وكسب الأصوات الانتخابية، فالأوضاع الإقليمية وتشابك المصالح بين الدول لا ترجح فرضية الاستقلال الكردي. وقد يكون من الجيد للأكراد ان يطالبوا بالكونفدرالية في ظل الرفض "التركي-الإيراني-السوري" لفكرة الدولة الكردية.

الصراع السابق حول السلطة بين حزب البرزاني وطالباني تم الحد من اثاره بعد ان وضعت الحرب اوزراها، وانتهت بتوقيع "بارزاني وطالباني في سبتمبر من عام 1998 اتفاقية واشنطن بوساطة أمريكية لتأسس معاهدة سلام رسمية"، وتم الاتفاق على تقسيم السلطة بين بارزاني وطالباني بأشراف الولايات المتحدة الامريكية. وهذه الاتفاقية بين التغيير والاتحاد الكردستاني ستأسس لتاريخ جديد يمهد لأنهاء الحقبة البرزانية.

وكردستان العراق مقبل على صيف ساخن في خضم صراعين داخلي من اجل زعامة الإقليم وخارجي يتمثل بمواجهة داعش وحل المشاكل مع حكومة بغداد المركزية، فضلا عن مشاكل اقتصادية سببها انخفاض أسعار النفط.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1