تعتبر فكرة اليوم الموعود الذي تتخلص فيه الإنسانية من كل أشكال الاضطهاد والظلامات سياقاً مشتركاً للبشرية الموجودة على الأرض حتى مع الاختلاف الديني والمذهبي والفكري بحيث صارت إلهاماً فطرياً يغازل الفكر الإنساني الذي يطمح أن يكون بمستوى القيمة الحقيقية التي أرادها الله تعالى له بوصفه القيمة العليا المفضلة والمكرمة على سائر مخلوقاته، القيمة التي تظهر المغزى الحقيقي والعظيم لرسالات السماء وأهدافها السامية.

هذه الفكرة، ترسم أملاً يواصل اخضرار هواجسه الرامية لاستقرار الإنسان وتساعد في طمأنينته بعد كل ما لاقاه من تعب وعناء طيلة. المسيرة البشرية، ولم يقتصر الشعور بأهمية اليوم المنتظر على المؤمنين المعتقدين بالأفكار الغيبية، بل أنه حضر حتى مع الأفكار السائرة باتجاه معاكس، فهناك مسارات فكرية مخالفة للعقائد الدينية الغيبية تؤمن بفكرة خلاص البشرية من كل التناقضات، وبالتالي صارت فكرة هذا اليوم تجربة نفسية شعورية فريدة.

ولأن الدين - بطبيعة الحال- وجد من أجل اطمئنان النفس، كان لابد أن تدعم الأديان هذه الفكرة وهذه المشاعر الإنسانية وتبشر باليوم الذي تملأ الأرض فيه قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، هذا الدعم الديني المهم سيمنح الشعور زخماً إيمانياً يجعل منه سلاحاً قوياً لمواجهة ما يعتري العالم الإنساني من مشاكل وصعوبات ، ويحول اليأس المعتم في النفس البشرية إلى ثيمة ضوئية تجدد الطموحات والآمال بالغد الواعد بكل ما هو جميل وعادل بعد أن يحسم الصراع الأزلي بين الخير والشر بانتصار الأول وهو انتصار حتمي يغذيه ويديمه الإيمان بفكرة اليوم المنتظر.

والدين الإسلامي الحنيف بوصفه آخر الأديان السماوية وخاتمة رسالات السماء ومستقبل الإنسانية، فصّل هذه الفكرة ومنح المعذبين والمضطهدين في الأرض أحاسيسَ انتظار اليوم الذي سيظهر فيه قائم آل محمد صلوات الله عليهم ليملأ الأرض بالعدل والمساواة، يقول الله تعالى في كتابه العظيم: "ونريدُ أن نمنَّ على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين / القصص5".

فالإسلام نقل الفكرة وحولها إلى واقع ملموس، فلم تعد القضية المهدوية مجرد نبوءة أو فكر تنتظر اكتمال سياقاتها التنظيرية، بل صارت حقيقة وواقعاً قائماً شاءت الإرادة الإلهية أن تؤجل دوره، فالمهدوية تتجسد في الإمام المهدي الغائب المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، والإيمان بقضية الإمام الغائب لن يكون صعباً أو متعسراً خصوصاً وأنّ دوره هو إحقاق الحق وهو ذات الدور الذي نفذه جده وآباؤه عليهم السلام خلال حقب ومراحل زمنية ، وهو كذلك نفس نفس الدور الذي يتماهى مع كل منطق رافض للشر والإستغلال والعبودية فضلاً عن أن الكثير من الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تؤكد على أهمية انتظار الفرج من أجل تأصيل وإدامة الرابط الروحي والشعوري المؤمن بمهدي آل محمد عليهم السلام وبقيمته وعظمة الدور الذي سيؤديه، وهذا الشعور لا يمكن له أن يتقدم ويتطور مالم يكن شعوراً لانتظار شخص موجود فعلاً بشرت به الروايات والأدبيات، روى الصدوق عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: "سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: لما أنشدت مولاي الرضا عليه السلام قصيدتي التي أولها:

مدارسُ آياتٍ خلت من تلاوةٍ/ ومنزلُ وحيٍ مقفرُ العرصاتِ

فلما انتهيتُ إلى قولي:

خروجُ إمامٍ لامحالةَ خارجٌ/ يقومُ على اسم الله بالبركاتِ

يُميّزُ فينا كلَّ حقٍّ وباطلٍ/ ويجزي على النعماء والنقماتِ

بكى الإمام الرضا عليه السلام بكاءً شديداً، ثم رفع رأسه إليّ فقال لي: يا خزاعيّ، نطق روح القدس على لسانك في هذين البيتين فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم؟ فقلت: لا يا مولاي، إلا أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملؤها عدلاً كما ملئت جورا… فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمد إبني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا… وأما (متى) فإخبار عن الوقت، فقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه عليهم السلام أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قيل له : يارسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مثله مثل الساعة التي (لا يجلّيها لوقتها إلّا هو ثقلت في السماوات والأرض ولاتأتيكم إلّا بغتة).

في كتابه (لماذا الغيبة)، يستعرض آية الله الفقيه الشهيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره)، منطلقات الحاجة للمنقذ والإيمان بحتمية وجوده وتأكيد دوره العظيم؛ لإيصال قارئه لخلاصة مهمة جداً تتلخص بعدم الفصل بين السياق العقائدي والإيماني لفكرة الغيبة وبين الهاجس الإنساني والطموح بوجود منقذ البشرية، كما يقدم إجابات مرتكزة على منطق علمي ومعرفي على التساؤلات الكثيرة عن أسباب هذه الغيبة التي يراها الفقيه السيد الشيرازي إختباراً إلهياً حقيقياً للإنسان بهدف بنائه على المستوى النفسي، وتحضيره ذهنياً وسلوكياً لظهور الإمام الغائب عليه السلام.

قدم الفقيه محمد رضا الشيرازي (قدس سره) لقارئه لغة تزاوج بين السهل الممتنع البعيد عن كل ما يرهق القارئ وبين عمق معرفي وعلمي يتكامل مع سهله الممتنع؛ ليضمن للقارئ عدم الدوار في دوامات الغموض لانتائج ملموسة لها، ويمكن أن نلمس هذا عبر تقسيمه كتابه لعناوين تناولها بعمق ومعاصرة نادرتين.

وبدراية العرفين، يؤشر الفقيه الشيرازي إلى حالة الخلط الغريبة في بعض المفاهيم المرتبطة بقضية الغيبة كالبطون والظهور والتجلي والاختفاء والغيبة والحضور التي قد تثير في الأذهان بعض الإشكاليات ومنها سؤال:

هل أن الله تعالى قبل الآخرة غيب أم شهود؟

يجيب السيد محمد رضا الشيرازي عن هذا التساؤل بقوله: "إنَّ الله تعالى غيب وشهود في آن واحد فهو سبحانه غيب من جانب ويمتحن العباد بهذا الغيب، وهو حقاً امتحان مهم ، ومن جانب آخر شهود (عميت عين لاتراك)؛ لأنَّ الله تعالى متجل بقدرته في كل ورقة شجرة "1.

كما يستعرض عوامل نجاح الغيبة، ويؤكد أنها تهيء الأجواء العامة للنجاح من خلال النجاح بـ (منطق المعادلات الغيبية) وكذلك النجاح بـ (منطق المعادلات المادية)، ويعتبر ان نجاح المعادلات الغيبية بمنطقها هو مضمون الحركة فيقول: "إذا كان المؤمن حاكماً على الكرة الأرضية فهذا نجاح له، وإذا كان مبضعاً تحت سنابك الخيول فهذا نجاح له أيضاً ، مادام سائراً في خط الله، إذاً فلا يتطرق الفشل للحركة الإلهية بمنطق المعادلات الغيبية أبداً "2.

كما يشير إلى أهمية البعد المادي الملموس والظاهري حين يشرح وبعمق أبعاد نجاح منطق المعادلات المادية أو ما يسمى بـ (النجاح الظاهري)، بحيث يتكامل البعدان الغيبي والمادي لنجاح الحركة وهو ذاته التكامل بين العقيدة المهدوية عند المؤمنين والطموح الإنساني بظهور المصلح المنتظر.

1/ الفقيه الشهيد محمد رضا الشيرازي ، لماذا الغيبة : ص44

2/ نفس المصدر السابق : ص56

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1