اما ان نرى، مثلا، ان عدد قراء المقالات الهابطة من النوع الذي تبحث عن الاثارات الطائفية والعنصرية او تهدف الى الفضائح واثارة المشاكل والنعرات والازمات، عددها كبير فيما لا يقرأ المقالات الرزينة إلا العدد القليل، فان ذلك مؤشر على تدني المستوى المعرفي والوعي العام عند القراء، كما انه يؤشر الى انهم الراي العام غير مسؤول ولذلك يميل الى كل قلم غير مسؤول. لذا علينا ان نتحدث عن فرص تحول مواقعنا ووكالاتنا الالكترونية الى مصدر عالمي للأخبار.

لقد منحتنا التكنولوجيا اليوم الكثير من الفرص للوصول الى المتلقين وفي اية بقعة من العالم، اذ لم يعد نتاجنا الخبري او الفكري والثقافي محصورا على فئة دون اخرى من المتلقين، او على شريحة دون اخرى منهم، لا في الزمان ولا في المكان، اذا ان فرصة الوصول الى المتلقين في اقصى الارض باتت بين ايدينا فهي متاحة بلا رقيب.

ولعل ظاهرة انتشار المواقع ووكالات الانباء الاليكترونية دليل واضح على هذه الحقيقة.

واذا ارادت هذه المواقع ان تحقق التميز، او ان ترتفع بواقعها لتصل الى المستوى العالمي، فان عليها ان تلتزم بشرطين اساسيين:

الاول: هو ان تفصل بين الخبر والراي، لتتيح للمتلقي حرية التفكير وبالتالي اختيار الانسب من الآراء والافكار بشان اي خبر او نبأ ينشر فيها.

ونحن نعرف جيدا بان امام المتلقي اليوم الكثير جدا من الخيارات عندما يقرر ان يقرا خبرا او رايا، ولذلك فهو غير مجبر على اختيار وكالة انباء بعينها اذا ما اراد ان يطلع على الانباء، ولهذا السبب فاذا احس هذا المتلقي بان هذا الموقع او تلك الوكالة الاليكترونية تحاول فرض صيغة معينة لخبر ما فانه سوف لن يرجع اليها مرة اخرى ويقاطعها، وان المتلقي يشعر بذلك عندما يعرف بان الموقع يسعى لدس الراي او الموقف بين سطور الخبر.

يجب ان نتعامل مع الخبر كمادة اولية، نقدمه للمتلقي بلا توابل وآراء، ثم ندعه يفكر بما وراء الخبر، او يختار ما يراه صحيحا من الآراء والتحليلات.

علينا ان نترك المتلقي ليختار بحرية فيبحث فيفكر ليقرر، فان ذلك اقرب الى المساهمة في نشر الوعي من الفرض والاكراه او التضليل كما تفعل وسائل الاعلام الطائفية.

ان الوكالة التي تريد ان تستقطب اكبر عدد من المتلقين عليها ان تفرد صفحات خاصة للاخبار، واخرى للرأي ، الاولى التي يجب ان تتميز بالدقة والصدق وكذلك بالحيادية والمهنية الى جانب الجدة، اي ان لا يكون الخبر مكررا ومنشورا، وهي الظاهرة التي تنتشر اليوم في جل المواقع، ما يفقدها التميز عن قريناتها من المواقع الاخرى، والثانية، صفحات الراي، التي يجب ان تتحلى بما يلي؛

الف: الجدية والرزانة، بعيدا عن الاسفاف والانشاء والتكرار والاستنساخ.

باء: ان تبتعد عن التساقط والتسافل من خلال الابتعاد عن المهاترات (الاعلامية) والتورط بالنفس الطائفي والعنصري، وكذلك الابتعاد عن بث روح اليأس.

جيم: ان تكون اما تحليلا لخبر او نقدا ايجابيا بناءا لظاهرة سيئة او حلا حقيقيا وواقعيا لمشكلة او قراءة استشرافية لمستقبل.

دال: ان تكون بعيدة عن التهجم ضد الخصم او المنافس، او اطراءا ومدحا لمن نحب او نهوى، وبعبارة اخرى، ان يكون الراي واقعيا بعيدا عن المثالية.

هاء: ان يكون في اطار حاجة الواقع وليس تغريدا خارج السرب، كما يقولون، او بطرا بعيدا عن الحاجة.

الثالث: هو ان يحترم الموقع نفسه وقراءه والاقلام التي تنشر فيه، من خلال عدم خلط الاقلام مع بعضها، فنشر نتاجات اقلام ساقطة او متهافتة او ساذجة الى جانب نتاجات اقلام موزونة ولها قيمتها المعرفية المشهود لها عند المتلقين، يعتبر تسافلا وتساقطا واستخفافا من قبل الموقع بقرائه وبكتابه المحترمين.

وان مثل هذا التسافل يخسر بسببه الموقع الكثير من المتلقين، ولذلك تسمى اليوم بعضها بالمواقع القذرة لكثرة ما تنشر من نتاجات لا يصح حتى اطلاق كلمة (نتاج) عليها، لما تحمل من سباب وتسقيط وهجوم غير اخلاقي على الاخر وحقدا طائفيا وعنصريا، فهي مواقع لنشر كل ما من شانه ان يثير الحقد والبغضاء والكراهية والتكفير.

والملفت للنظر، وللاسف الشديد، هو ميل مساحات واسعة من الرأي العام لمثل هذه المواقع، وذلك سببه هبوط المستوى الثقافي والمعرفي لدى هذه الشريحة، الى جانب عدم جديتها في التعامل مع الاخبار والآراء بشكل ينم عن عدم تحليها بروح المسؤولية، فهي انما تتابع للتشفي مثلا او الاستهزاء او لاشباع ميلا روحيا في نفوسها كالميل الى العنصرية مثلا او الطائفية او ما اشبه.

ولذلك، فكما ان المواقع واصحاب الاقلام مطالبين باحترام انفسهم ومتلقيهم، كذلك فان على المتلقين ان يساهموا في اشاعة هذا الاحترام من خلال اختيار كل ما هو موزون من الاقلام للتواصل معها بعيدا عن الاستخفاف بالعقول.

اما ان نرى، مصلا، ان عدد قراء المقالات الهابطة من النوع الذي تبحث عن الاثارات الطائفية والعنصرية او تهدف الى الفضائح واثارة المشاكل والنعرات والازمات، عددها كبير فيما لا يقرأ المقالات الرزينة إلا العدد القليل، فان ذلك مؤشر على تدني المستوى المعرفي والوعي العام عند القراء، كما انه يؤشر الى انهم الراي العام غير مسؤول ولذلك يميل الى كل قلم غير مسؤول.

بقي ان نتحدث عن فرص تحول مواقعنا ووكالاتنا الالكترونية الى مصدر عالمي للاخبار.

في البدء يجب ان ننوه الى ان بعض وكالاتنا قد تحولت بالفعل الى مصدر مهم من مصادر الاخبار لوسائل الاعلام العالمية.

وبرايي، فان الفرصة متاحة لكل المواقع والوكالات الاليكترونية لان تتحول الى مصدر عالمي للاخبار، اذا ما حققت شرطين اساسيين:

الشرط الاول؛ هو ان تكون اخبارها ذات مصداقية عالية جدا، وفي نفس الوقت ذات مهنية عالية جدا.

وللاسف الشديد فان الكثير من هذه المواقع والوكالات لازالت غير مهنية على هذا الصعيد، فعندما تحلل الخبر، مثلا، لا تجد فيه اي من عناصر الخبر السليمة، ما يقلل من اهميته ويضعف من مصداقيته وان كان الخبر صحيحا ومهما، وقديما قيل (الكذب المرتب خير من الصدق المبعثر) من دون ان يعني ذلك دعوة مبطنة للكذب في صناعة الاخبار، ابدا، الا ان هذه هي الحقيقة، فكم من خبر صحيح ومهم ضاع في مزابل الاخبار بسبب عدم صياغته بشكل سليم او بسبب عدم السعي لتسويقه بشكل سليم؟ والعكس هو الصحيح.

الشرط الثاني: هو ان تتعاون مؤسساتنا الرسمية، وكذلك القوى السياسية المعارضة في بلداننا، مع هذه المواقع والوكالات لمساعدتها على التميز بنشر الاخبار الخاصة، من خلال تغذيتها باخبارها الخاصة ليتسنى لها شيئا فشيئا ان تجد مكانها اللائق بين الوكالات العالمية.ان الخبر الخاص يلعب دورا مهما ومفصليا في الارتفاع بوكالات الانباء الى المستويات المتقدمة، فكم من خبر خاص انفردت بنشره وكالة مطمورة وغير معروفة، ساعدها على الارتفاع بمستواها العالمي؟. ولذلك ترى الغربيين اذا ما قرروا رفع وكالة او قناة خبرية ما ودفعها الى الامام، يمنحونها هذه الفرصة من خلال خصها باخبار مهمة لتنشرها دون الاخرين لتراها شيئا فشيئا في الصدارة عن بقية الوكالات او القنوات الفضائية.

اما نحن، فان الظاهرة السيئة المعروفة عندنا هي ان المسؤول اذا اراد ان يدلي بخبر او راي او حوار متلفز يبحث عن المصدر المعروف، حتى اذا كان معاديا، فهو لم يفكر بمقدار قلامة اظفر في ان يخص موقعه الوطني او قناته او وكالته الوطنية هذا الخبر او الراي او الحوار الخاص ليساعدها على التميز وليأخذ بها لتقف في الصدارة، ما يجعلنا دائما اسرى المصادر المعادية، فترى المسؤولين يغذونه باخبارهم، ويسبونه اذا ما غير او حرف، ثم نتوقع من مواقعنا الاليكترونية مثلا ان تتميز بين هذا الكم الهائل من وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.

ان التميز مسؤولية تشاركية، يساهم فيها الموقع والاقلام التي تكتب فيها والمؤسسات والجهات المسؤولة، اما ان نترك المواقع لوحدها قائلين لها اذهبي انت وربك وقاتلي كل هذا الكم الهائل من الاعلام المعادي، ثم ننتظر منها التميز، فان ذلك ليس من الانصاف في شيء، كما انه ليس من الاخلاق الوطنية في شيء.

ان على كل المعنيين بإعلامنا ان يتحملوا مسؤولياتهم ازاء هذا الامر المهم، فنجاح الاعلام نجاح لنا جميعا، فإلى متى نظل اسرى الاعلام المعادي، وتحت تأثيره السلبي؟.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0