تؤدي المصالح القومية العليا للدولة غرضها الأساس في توجيه سلوك الدول الخارجي، ولأن حماية المصالح القومية تعد غاية أساسية ترنو الدول للحفاظ والدفاع عنها، فقد جاءت الكثير من سلوكيات الدول في إطار ذلك، فأصبح من السهولة بمكان عندما تتحرك اي قوة اقليمية او دولية ان تبرر تحركها وسلوكها من خلال مدخل المصالح القومية.

ولأن الدول لا يمكن لها ان تتحرك في إطار فعلها الخارجي الا في إطار مواردها المتاحة والكامنة فان افعال الدول يمكن ملاحظتها ورصدها في اطار ذلك، فالموارد كما هو معروف تحدد طبيعة السلوك ومدياته واثاره فضلا عن مصداقيته ودرجات تأثيره.

واذ ما حاولنا اسقاط هذه الاطر النظرية على السلوك السياسي الخارجي التركي، فان الاخيرة قد لا تخرج في فعلها الخارجي خارج اطار عباءة تأثير الموارد والقدرات التي تمتلكها فضلاً عن تحالفاتها الاقليمية والدولية، فهي رسمت سياساتها الخارجية وعلى مدى عقود في اطار حماية الامن القومي التركي ومحاربة حزب العمال الكردستاني، فضلا عن سلوكها المتكرر في استعراض القوة العسكرية التي تمتلكها منذ انضمامها الى حلف شمال الاطلسي عام 1952 ومشاركتها في الحرب الكورية 1953-1955 واجتياحها قبرص 1974 وتدخلاتها المتكررة في شمال العراق في تسعينيات القرن الماضي ومشاركتها في حرب افغانستان 2001، اذ كانت تهدف من ذلك تحقيق مصالح عليا ربطتها تركيا بالمصالح والامن القومي التركي.

ووصولا الى احداث سوريا عام 2011 والتي تصاعدت نتيجة تقاطع مصالح القوى الاقليمية والدولية وتحولت من احداث داخلية الى صراع اقليمي–دولي، اطرافه قوى اقليمية ودولية تمتلك مقومات قوة وقدرة كبيرة، بعضها اتفق على تغيير نظام الحكم وطرف اخر تمسك ببقاء نظام الحكم الحالي، فقد كانت تركيا احد اهم هذه الاطراف الاقليمية والتي ترى في سوريا مصلحة ستراتيجية عليا وانها تمثل مجالاً حيوياً لها، وقد بان ذلك من خلال الاهتمام المتصاعد من قبل المسئولين الاتراك وتركيزهم على ضرورة تغيير النظام السياسي واقامة نظام سياسي جديد يضمن مصالح تركيا القديمة والمتمثلة بالمصالح الاقتصادية والأمنية فضلا عن السياسية.

حاولت تركيا بالاعتماد على قدراتها الذاتية وقدرات حلفائها ان تعيد ترتيب الاوضاع في سوريا، اذ دعى المسئولون الاتراك مراراً الى التدخل العسكري وعلى ضرورة اقامة مناطق حظر جوي فوق اجزاء من الاراضي السورية، لكي تكون بداية لتدخل عسكري مباشر، من اجل تخفيف الاعباء التي تتحملها تركيا من خلال اعادة توطين اللاجئين السوريين في مناطق الحظر الجوي والمتواجدين في الاراضي التركية الذين يشكلون عبئأ كبيراً على تركيا.

ان الدعوات التركية في ضرورة التدخل العسكري في سوريا لا تقف عند حدود الاسباب المباشرة السابقة فقط، وإنما يقف وراءها ايضا اسباب اخرى تسعى تركيا الى تحقيقها تتمثل بـــ:

1. تحقيق الهيمنة على دول الجوار، فبعد ان كبلت تركيا دول الجوار الجغرافي بأدوات ضغط تمثلت باستخدام المياه كورقة ضغط، فانها تحاول ان تتمدد خارج حدودها الاقليمية استنادا الى مبدأ فائض القوة المقترن بالدعم من حلفاء تركيا الإقليمين.

2. ادارة شؤون القرى التركمانية المنتشرة قرب الحدود التركية، فقد قدمت تركيا الدعم المتكرر، فهي تحاول ان تدير شؤون هذه المناطق مستغلة الترابط القومي والعرقي بينها وبين التركمان المنتشرين في الاراضي السورية، وهي تسعى من كل ذلك الى استغلال ما تمتلكه هذه الاراضي من موارد.

3. تحقيق اكبر قدر من التأثير في عملية ادارة الوضع في سوريا، فهي ترى ان استبعادها عن سوريا سوف يؤدي بالنتيجة الى تراجع دورها، كما حصل في العراق لصالح قوى اقليمية ودولية اخرى.

4. ان الدعوات التركية المتصاعدة في موضوع التدخل العسكري ازدادت بعد ما حققته الفصائل المسلحة الكردية في سوريا من مكاسب وما حصلت عليه من معدات واسلحة من قبل الولايات المتحدة الامريكية وغيرها من الدول الاخرى، فهي تسعى من خلال ذلك الى تدمير هذه الفصائل، لانها تمثل خطراً كبيراً على الامن القومي التركي، فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان اعتبر ولأكثر من مره ان لا فرق بين داعش ووحدات حماية الشعب الكردي او PKK.

5. تحاول تركيا ان تقدم نفسها للعالم الغربي بانها دولة محورية وانها دولة مركز تستطيع ان تحسم الصراعات المشتعلة في منطقة الشرق الاوسط، وان مسألة التخلي عنها وعدم ضمها الى الاتحاد الاوروبي سوف ينعكس بالسلب على الدول الاوروبية، وكان ذلك واضحا من خلال التدفق المتزايد للمهاجرين عن طريق تركيا الى دول الاتحاد الاوربي، الامر الذي دفع بدول الاتحاد الى اعادة التفكير في مسألة تأخر انضمام تركيا الى الاتحاد الاوربي، فقد جرت مفاوضات مباشرة في بروكسل بين رئيس الوزراء التركي احمد داواود اوغلو والمسئولين الأوربيين، بعد زيارة سابقة للمستشارة الالمانية انجيلا ميركل الى تركيا. فالسياسة التركية في موضوع تدفق اللاجئين القائمة على غض الطرف، كان جزء أساسي منها هو الضغط على دول الاتحاد الأوروبي ومساومتها بين استمرارية تدفق اللاجئين وبين دعم الفصائل المسلحة الكردية.

ان احتمالات التدخل العكسري التركي في سوريا كانت تصاعدت بشكل تدريجي، اذ ان تركيا رأت في مسألة التدخل هو الحل المناسب والأسرع في حسم الاوضاع، وابدى المسئولين الاتراك استعدادهم في المشاركة بحملة كبرى لمحاربة الارهاب وصولاً الى تغيير نظام الحكم في سوريا، الا ان التغييرات الدراماتيكية التي حصلت بعد اعلان روسيا رسميا استخدام القوة الجوية في سوريا في 30 ايلول عام 2015 قد غيرت المعادلة على الارض، فقد تحركت روسيا وفقأ لمبدأ المصالح القومية العليا في سوريا، فالمحاولات القائمة لتغيير نظام الحكم في سوريا بالضرورة سوف يفقد روسيا قاعدة عسكرية متقدمة.

ان التحرك الروسي جاء نتيجة العجز الامريكي، فبالرغم من دعوات واستعداد تركيا ودول الخليج على القيام بعمل عسكري بري، فقد كانت ردة الفعل لإدارة اوباما غارقة في عقدة الحرب على العراق، فالعجز الأمريكي هذا يمكن تفسيره من خلال رأيين، الاول: يرى بان الولايات المتحدة الامريكية في عهد الرئيس باراك اوباما تفتقد الى رؤية استراتيجية واضحة للتعامل مع التطورات والاحداث في المنطقة، اما الاتجاه الثاني: يرى بان ادارة اوباما اتبعت ما يمكن تسميته باستراتيجية اللاستراتيجية لتوريط روسيا في صراع دامي شبيه بما حصل في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، كمحالة لإضعاف روسيا وكبح جماح رئيسها فلاديمير بوتن.

ان التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا اضعف احتمالات التدخل العسكري التركي في سوريا، فالتوتر بين روسيا وتركيا بعد اسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا افقد الأخيرة ميزة كانت تتمتع بها سابقاً، اذ منعت تركيا من التحليق فوق الاراضي السورية بطلب امريكي خوفأ من تصاعد الموقف، فروسيا استغلت هذه الحادثة وعملت على اخراج تركيا من معادلة التأثير في سوريا، ومع السلوك الروسي هذا تضاءلت درجة التأثير التركي في سوريا.

ان احتمالات التدخل العسكري التركي في سوريا يمكن تحليله في اطار احتمالين وهما:

الاحتمال الاول: التدخل العسكري التركي–الخليجي في سوريا: وهذا الاحتمال ظهرت ملامحه قبل مده زمنية بعد التقارب التركي–السعودي، فالسعي التركي لتشكيل تحالف عسكري تتلائم غاياته بين اطرافه كان واضحاً، ولكن بالرغم من اتفاق اطرافه على اهدافه الاساسية، الا انه يصطدم بمعوقين اساسيين وهما، الاول: عدم الرغبة الامريكية في خوض حرب برية جيدة في منطقة الشرق الأوسط، اما الثاني: فهو التواجد العسكري الروسي في سوريا وعدم قدرة الاطراف مواجهته بدون الغطاء والدعم الامريكي، لهذا فان احتمالات التدخل العسكري في هذا الاطار تكون واردة اذ ما تمت في اطار التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية، اما تركيا والدول الخليجية فهي لا تستطيع بمفردها خوض هذه الحرب لاسيما بعد تصريحات رئيس الوزراء الروسي مدفيدف بان اي تدخل بري في سوريا سوف يؤدي الى نشوب حرب عالمية ثالثة، لهذا فان معوقات هذا الاحتمال كبيرة مما يضعف حالة تحققه.

الاحتمال الثاني: قيام تركيا بعمل عسكري محدود: وهذا الاحتمال هو الاحتمال القائم، فتركيا في الوقت الحاضر تقوم بعمليات قصف مدفعي من الشريط الحدود مع سوريا، كما ان تركيا لجأت الى دعم مجموعات سورية مسلحة، فضلا عن نشر فصائل الذئاب الرمادية في القرى التركمانية، كما انها تقوم في نفس الاطار باستضافة طائرات سعودية في قواعدها العسكرية لتقوم بعمليات عسكرية بدلاً من الطائرات التركية، وتضرب هذه الطلعات اهداف تعدها تركيا تهدد امنها القومي.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1