الالاف الشباب العاطل عن العمل خرجوا في تظاهرات غاضبة وسط تونس، مهد الربيع العربي أواخر عام 2010، فبعد خمس سنوات من حرق "البوعزيزي" نفسه احتجاجا على سياسيات "زين العابدين بن علي" الاقتصادية التي اثرت النخبة على حساب عامة الشعب، لم تحقق الحكومات التي تلت نظام "بن علي" أي تقدم اقتصادي يذكر، وهو السبب الذي دعا شاب اخر عاطل عن العمل، "رضا اليحياوي"، للانتحار في مكان عام بعد رفض إعطائه وظيفة حكومية في محافظة القصرين وسط البلاد.

وبحسب خبراء الاقتصاد، فقد "ارتفع معدل البطالة في تونس إلى 15.3 بالمئة في عام 2015 مقارنة مع 12 بالمئة في 2010 بسبب ضعف النمو وتراجع الاستثمارات إلى جانب ارتفاع أعداد خريجي الجامعات الذين يشكلون ثلث العاطلين في تونس"، وربما لا تتحمل الدولة او النظام في تونس كل أعباء الإخفاق في تحقيق الانتعاش الاقتصادي في ظل فوضى كبير تعم المنطقة باسرها وسط مشاكل امنية واجتماعية وسياسية كبيرة.

وطالما نظر المراقبين لتونس باعتبارها النموذج الأكثر اتزانا من بين دول العالم العربي التي مرت عليها احداث "الربيع"، والتي لا يمكن باي حال من الأحوال، مقارنتها بربيع مصر او اليمن او السعودية او ليبيا... ومع ذلك فان تونس في حقيقية الامر تعاني الكثير من الفراغ الاجتماعي او بمعنى اخر "عقدة التهميش".

صحيفة "لوبوان" الفرنسية اشارت الى هذه الحقيقة بالقول "إن ما تشهده القصرين من تحركات احتجاجية عنيفة هو نتيجة حتمية لتواصل سياسة التهميش، وغياب التوازن في التنمية بين الجهات الداخلية وجهات الساحل والشمال المحظوظة، وقد تفاقمت هذه السياسة بعد الثورة، حيث واصلت الدولة في سياستها المركزية واستئثار جهة الساحل والعاصمة التونسية بأغلب الاستثمارات العمومية، مقابل تهميش الجهات الداخلية للبلاد".

واضافت الصحيفة "أن الاستثمارات في البنية التحتية والاقتصادية في جهة الساحل التونسي، جعلت منه أبرز قطب اقتصادي وتنموي للبلاد، بينما لا زالت جهات الشمال الغربي، والجنوب والوسط الغربي، تعاني من مشكلات الفقر والبطالة"، وتعتقد الصحيفة ان كل هذا "التهميش" جعل الأهالي "يفقدون شعورهم بالانتماء الوطني".

ويبدو ان هذا الامر لا ينطبق على تونس فحسب، فاغلب بلدان العالم العربي في شمال افريقيا او الشرق الأوسط، مرشحة لتحذو حذو تونس في تنامي وتيرة الاحتجاجات والتظاهرات الغاضبة ضد التخبط الحكومي وضياع الانصاف والعدل الاجتماعي، فغالبا على الحكومات، إذا ما ارادت النجاح في مهماتها، ضمان ثلاث مسائل حساسة:

- الامن

- الاقتصاد

- العدالة الاجتماعية

ويعني فقدان الامل لدى المواطن في أي بلد ما بتحقيق تقدم يذكر، او انجاز في احدى هذه النواحي او جميعها من قبل الدولة ومؤسساتها، الوصول الى نقطة حرجة قد تؤدي في نهاية المطاف الى "الانفجار" الشعبي بصورة ما شاهدناه أيام الربيع العربي، بعد ان استبدت الأنظمة الدكتاتورية بصورة مطلقة بالدولة ومؤسساتها وتحكمت بمصير الشعب واحتكرت جميع المنافع على نخبة مقربة من الحاكم.

ما يحدث في تونس هو نموذج مصغر لما يمكن ان يحدث في جميع الأماكن التي فقدت الشعور بالأمل في تحسين أوضاعها في المستقبل القريب، ودورة الاحتجاجات والغضب الشعبي يمكن ان تعاود الظهور مجددا في أكثر من عاصمة عربية لذات الأسباب، قد يقمع بعضها تحت تهديد السلاح او الحيل السياسية او الأموال، لكنها لن تستطيع ايقافها الى الابد... والسبب في ذلك بسيط، لان معظم الأنظمة والحكومات التي حكمت لم تحاول ان تعالج المشاكل التي يعاني منها المواطن بشكل "جذري" وانما اعتمدت على المعالجة "التجميلية".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1