ترسم جولتا الزيدي إلى واشنطن وطهران محاولة عراقية لبناء توازن دقيق بين الشراكة الاقتصادية مع الغرب وطمأنة إيران. يربط المقال هذا الحراك بإنهاء الوجود العسكري، وحصر السلاح، واحتواء ملف الفصائل، وتحويل طريق التنمية إلى رافعة إقليمية، معتبرًا أن اختبار العراق الحقيقي يكمن في تنفيذ الاتفاقيات وتحويل الوساطة إلى استقرار...

يقف العراق اليوم أمام انعطافة تاريخية في مسار سياسته الخارجية، حيث لم تعد بغداد مجرد ساحة لتصفية الحسابات أو صندوق بريد لتلقي الرسائل المتفجرة، بل تحولت، في ظل حراك رئيس الوزراء علي الزيدي، إلى قناة حوار فاعلة ومركز ثقل استراتيجي يسعى لفرض توازن دقيق بين قطبي الصراع الإقليمي والدولي: واشنطن وطهران. إن الجولتين اللتين أجراهما الزيدي مؤخرًا، والنتائج التي تمخضت عنهما، ترسمان ملامح عقيدة عراقية جديدة تقوم على تغليب المصالح الاقتصادية والأمن الوطني على سياسة المحاور.

من واشنطن: بناء الشراكة الاستراتيجية

بدأ الزيدي حراكه من البيت الأبيض، حاملًا معه رؤية العراق المنتج والمستقر. لم تكن الزيارة بروتوكولية، بل كانت زيارة أرقام واتفاقات، حيث تم توقيع أكثر من خمسين اتفاقية اقتصادية واستثمارية تجاوزت قيمتها 60 مليار دولار. هذا التحول من الشراكة العسكرية إلى الشراكة التنموية الشاملة يعكس رغبة بغداد في التحرر من عباءة الاعتماد الكلي على الأمن، والذهاب نحو إصلاح القطاع المصرفي ودمج العراق في المنظومة المالية العالمية. وكان الحديث عن جدول زمني لإنهاء الوجود العسكري بحلول عام 2029 رسالة طمأنة للداخل والخارج بأن السيادة العراقية تسير نحو الاكتمال، شريطة ضبط السلاح وحصر استخدامه بيد الدولة.

إلى طهران: طمأنة الجار واحتواء التوتر

مباشرة من واشنطن، توجه الزيدي إلى طهران، في خطوة دبلوماسية ذكية تهدف إلى امتصاص أي غضب أو سوء فهم قد تثيره الاتفاقات مع الجانب الأمريكي. هنا، واجه الزيدي مهمة معقدة؛ فبينما كانت الأصوات في طهران، مثل مستشار المرشد علي أكبر ولايتي، تنتقد الانفتاح على واشنطن، كان الزيدي يحمل رسائل تسكين أزمات.

أكد الزيدي للقيادة الإيرانية أن الانفتاح الاقتصادي على الغرب ليس خيانة للعلاقات التاريخية مع طهران، بل هو ضرورة لاستقرار العراق الذي يمثل عمقًا استراتيجيًا لإيران نفسها. وكشفت المصادر عن رسائل غير معلنة حملها الزيدي، تتضمن تأكيدات أمريكية بأن واشنطن لا تسعى لإسقاط النظام الإيراني، بل تهدف إلى التهدئة. وفي المقابل، وضع الزيدي النقاط على الحروف فيما يخص مضيق هرمز، محذرًا من أن أي إغلاق للممر الملاحي سيخنق الاقتصاد العراقي ويمنح مبررات لبقاء القوات الأمريكية، وهو ما لا ترفضه طهران فحسب، بل تخشاه.

تحدي السلاح ووحدة الساحات

لعل التحدي الأبرز الذي واجهه الزيدي في طهران هو ملف الفصائل المسلحة. فقد سعى رئيس الوزراء إلى إقناع الجانب الإيراني بضرورة فك الارتباط بمبدأ وحدة الساحات، الذي يهدد بجر العراق إلى صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. إن الرؤية العراقية الجديدة تطرح دمج الفصائل ضمن القوة الوطنية الرسمية مقابل ضمانات أمنية بعدم استخدام الأراضي العراقية منطلقًا لأي عدوان على إيران. هذه المقايضة الاستراتيجية تهدف إلى جعل بغداد عاصمة رابعة للحوار بين واشنطن وطهران، جنبًا إلى جنب مع مسقط والدوحة وإسلام آباد.

ما وراء الجولتين: طريق التنمية والتوازن الإقليمي

إن نجاح الزيدي في تثبيت دور العراق كوسيط موثوق لا يتوقف عند واشنطن وطهران، بل يمتد ليشمل أنقرة ودمشق. فالعراق اليوم يطرح طريق التنمية كمشروع قاري يربط الشرق بالغرب، وهو مشروع يتطلب استقرارًا حدوديًا مع تركيا وتنسيقًا أمنيًا عاليًا مع سوريا لمنع عودة الإرهاب.

الخاتمة: هل يصدّق العالم العراق؟

إن الاختبار الحقيقي لسياسة الزيدي لا يكمن في عدد الاتفاقيات الموقعة أو حفاوة الاستقبال في العواصم، بل في القدرة على التنفيذ. فالمجتمع الدولي يراقب: هل تستطيع بغداد فعليًا حصر السلاح بيد الدولة؟ وهل سيسمح النفوذ الإيراني للعراق بأن ينمو اقتصاديًا بالشراكة مع الغرب؟

لقد أثبتت جولة الزيدي أن العراق يمتلك إرادة التوازن، وأنه نجح في تحويل موقعه الجغرافي من نقمة الصراع إلى نعمة الربط التجاري. إن اتفاق الجنتلمان الذي يسعى إليه الزيدي بين واشنطن وطهران، بضمانة عراقية، قد يكون طوق النجاة للمنطقة بأسرها من منزلق الحرب الشاملة. وبذلك، يخرج العراق من دور الضحية ليكون المهندس لاتفاقيات السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

اضف تعليق