يناقش المقال مفهوم السيادة العراقية في ظل استمرار الضغوط الخارجية والتباين بين الشعارات الرسمية والواقع السياسي، ويرى أن السيادة الحقيقية تقوم على استقلال القرار الوطني واحترام الدستور وإرادة الشعب. كما يميز بين الالتزام الدولي الطوعي والإذعان القسري، ويدعو إلى مصارحة المواطنين بحدود القدرة الواقعية للدولة، وتعزيز النزاهة والمؤسسات...
في الأيام القادمة، ستقوم الحكومة والفعاليات السياسية برفع شعارات السيادة، وتبادل التهاني، وسيظهر الجميع ببيان فضله ودوره في تحقيق هذا المكسب، باعتباره اليوم الموعود والمنشود. والحكومة أعلنت منذ أيام، عبر القنوات التلفزيونية الرسمية وغيرها، بأنها اعتبرت يوم 30 من أيلول الحالي يومًا للسيادة، وعلى وفق زعمهم أنه يوم انسحاب القوات الأمريكية من العراق، مع أن القوات الأمريكية سوف تبقى في العراق تحت عناوين أخرى، منها وجود المستشارين، أو قوات الحماية للدبلوماسيين، أو تحت أي ذريعة.
وما يؤكد هذا القول تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين عبر وسائل الإعلام، وهذه التصريحات تتناقض مع الشعارات حول السيادة، حيث تؤكد التصريحات الأمريكية أن الوجود العسكري الأمريكي سيستمر بشكل أو بآخر.
هذا يضع الحكومة، ومن يقف خلفها ومعها من الفعاليات السياسية، أمام مفارقة بين الشعار السياسي المعلن والواقع العملي الذي يكشف عن استمرار النفوذ الأمريكي، ولو بصيغ مختلفة. وحيث إن الواقع يختلف تمامًا عن الشعارات التي تُرفع في العلن، نجد أن القرار الوطني، في كثير من الأحيان، يُدار تحت ضغط خارجي وإكراه سياسي واقتصادي، وهو ما يتعارض مع جوهر السيادة التي نص عليها الدستور العراقي.
وحيث إن السيادة ليست كلمة عابرة في النصوص، بل هي أساس استقلال الدولة وكرامتها، ودستور العراق لعام 2005 نص بوضوح في المادة (1) على أن «العراق دولة مستقلة ذات سيادة كاملة»، وهذا يعني أن القرار الوطني يجب أن يصدر من مؤسسات عراقية، لا أن يُفرض من الخارج.
وكما تشير الدراسات الأكاديمية في فقه القانون الدستوري، فإن فكرة السيادة قديمة ولها أصل في الفكر السياسي الروماني، وأنها في بداية أمرها وُضعت من أجل إحاطة السلطة الحاكمة (الملوك، والقياصرة، والأباطرة) بهالة من شأنها تسهيل طاعة أوامرها، وكان هؤلاء الملوك يعلنون أنهم هم السيادة عينها ويستمدونها من الله. (نقلًا عن الدكتور منذر الشاوي ـ نظرية السيادة ـ منشورات مكتبة العدالة في بغداد، عام 2002 ـ ص100).
ويرى أحد الكتّاب أن مفهوم السيادة في تراجع دائم، لتزايد التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول من جهات خارجية، وتعددت وتنوعت مسوغات التدخل الأجنبي، ومن أهم صور التدخل اللعب بالورقة الاقتصادية عبر فرض العقوبات. (نقلًا عن الدكتور زياد فواز ضاهر ـ تفكك الدول ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ طبعة عام 2025 ـ ص79).
لذلك، وعند النظر في الواقع الراهن للعراق، كثيرًا ما نجد أن الحكومات وجميع السلطات الأخرى أمام ضغوط خارجية.
وهذا ليس وليد اليوم، بل في الماضي القريب، ومن جراء المغامرات والحماقات التي ارتكبها النظام السابق، ومن آثارها إجباره على ترسيم الحدود مع الكويت وهو في أضعف حالاته، وتحت الإكراه وفقدان الإرادة، وهو ما يجعل تلك الاتفاقيات محل جدل فقهي وقانوني حول مشروعيتها وفقًا لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تقرر بطلان أي التزام يُبرم تحت الإكراه.
واليوم، نجد أن الحكومة العراقية ليست في ظرف بأحسن من سابقتها، من حيث خضوعها لقرارات الإدارة الأمريكية، وأقرب مثال نعيشه الآن غلق المطارات أمام الرحلات الإيرانية أو الالتزام بإجراءات اقتصادية تحت عنوان «تفادي العقوبات». هذا الخضوع لا يستند إلى قرار أممي صادر عن مجلس الأمن، ولا إلى اتفاقية دولية مصدق عليها دستوريًا، بل إلى ضغط أحادي من دولة أجنبية، وعلى خلاف المزاج الشعبي الذي يُعد مصدر السلطات، التي يجب أن تعمل على وفق ما يراه الشعب، وأن تحترم إرادته التزامًا بنص المادة (5) من الدستور، التي جاء فيها: «السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية».
وبذلك، يُعد تنفيذ الحكومة العراقية لهذا القرار الجائر صورة واضحة لخرق مباشر للسيادة؛ لأنه يضع القرار الوطني تحت هيمنة خارجية دون إرادة حرة، ودون موافقة الشعب، وعلى خلاف رغبة غالبيته.
وهناك فرق بين الالتزام الأممي، الذي قد يبرره بعض السياسيين، وبين الضغط الأحادي، وهذا واضح جدًا؛ لأن الأول يستند إلى قبول جماعي وميثاق دولي ارتضته الدولة طوعًا، أما الثاني فهو إذعان قسري يفتقر إلى السند الدستوري، ويُعد انتقاصًا من استقلال الدولة وانتقاصًا لسيادتها.
لذلك، فإن السيادة ليست ورقة تفاوض، بل هي حق الشعب وكرامة الوطن. واستمرار الحكومة العراقية وسائر السلطات الأخرى في تنفيذ قرارات خارجية مفروضة بالقسر يهدد استقلاله، ويضعف مؤسساته، ويعدم وجود سيادته. ويصبح من الواجب حماية السيادة من قبل الجميع؛ لأنها مسؤولية جماعية تبدأ من وعي المواطن، وتمتد إلى النخب السياسية والقانونية، وتنتهي عند مؤسسات الدولة التي يجب أن تتمسك بالدستور كمرجع أعلى لا يسمح بتجاوزه.
ويجب ألا يكون العراق تابعًا لإرادة خارجية، بل يجب أن يكون شريكًا فاعلًا في المجتمع الدولي على أساس الاحترام المتبادل والالتزام الطوعي، حيث إن السيادة هي أساس وجود الدولة، وحمايتها واجب وطني لا يقبل التهاون. مع أننا ندرك جميعًا أن هذا الأمر تلزمه إرادة قوية تستند إلى الشعب وتملك التفويض الشرعي السليم، وأن يكون من يمثل العراق، والأشخاص القائمون على أمر قيادته من جميع السلطات، ممثلين للشعب، لا مُنصَّبين ليكونوا وكلاء عن الغير، وألا يكون وجودهم صوريًا، وألا يكونوا ملوثين بالمال الحرام وتحوم حولهم شبهات الفساد؛ فمن كان نزيهًا فإننا سنجد فيه القوة والغلبة لصالح سيادة البلد، وهذا ما نأمله فيمن يقوم على إدارة البلاد حاليًا.
ولغرض أن يكون الأمر واقعيًا وليس سرياليًا، فإن السياسة الواقعية قد تفرض على العراق الخضوع لضغوط الولايات المتحدة؛ لأنه لا يملك مقومات المواجهة أو القدرة على تحمل تبعات العقوبات. لكن اتباع هذه الواقعية يقتضي من الحكومة أن تقر بوضوح بأنها لا تملك السيادة الكاملة على قرارها، وتصارح الشعب بأنها مضطرة للتنازل تحت الإكراه، لا أن ترفع شعارات غير واقعية عن «يوم السيادة» بينما الواقع يكشف العكس؛ لأن الاعتراف بالحقيقة هو عين الواقعية، أما التمسك بالشعارات الفارغة فهو تضليل للرأي العام وإضعاف للثقة بالدستور ومؤسسات الدولة.



اضف تعليق