يقدم الكاتب قراءة تفكيكية ونقدية لمعادلة الشرق والغرب، مفنداً الرؤى الأيديولوجية والجغرافية المغلقة التي تقسم العالم إلى كيانات حضارية متصارعة. ويتناول المقال بالتحليل أطروحة صدام الحضارات لصمويل هنتنغتون، مستعيناً بالرؤى التاريخية لإيان موريس والمفاهيم المادية لكارل ماركس، ليخلص إلى صياغة رؤية فلسفية حضارية تقوم على مفهوم وحدة المراكمة الحضارية وتكامل روافدها...
اعتدنا أن نتستخدم مصطلحي «الشرق» و«الغرب» كما لو أنهما حقيقتان جغرافيتان وحضاريتان ثابتتان منذ بداية التاريخ: أوروبا هي الغرب، والعالم الإسلامي والشرق الأوسط هما الشرق، وبينهما حدود حضارية عميقة وتاريخ طويل من الاختلاف والصراع. وقد ترسخت هذه الصورة إلى درجة أننا قلما نسأل عن الأساس الذي يجعل العراق أو مصر أو بلاد الشام «شرقًا»، بينما يجعل اليونان وإيطاليا وإسبانيا «غربًا»، مع أن نظرة بعيدة المدى إلى التاريخ تكشف عن آلاف السنين من التفاعل والتداخل والانتقال بين هذه المناطق.
والمشكلة ليست لغوية، وإنما تتعلق بالطريقة التي نرسم بها خريطة الحضارة الإنسانية ونفهم بها تاريخها. فإذا انتقلنا من الجغرافيا السياسية المعاصرة إلى التاريخ الحضاري الطويل، فقد نكتشف أن الخريطة مختلفة، وأن الشرق الأوسط وأوروبا أقرب إلى فضاء حضاري تاريخي كبير متعدد الفروع منهما إلى حضارتين منفصلتين، وأن «الشرق» الحضاري بالمعنى الأوضح يمكن البحث عنه في المجال الصيني والياباني وشرق آسيا، مع بقاء الهند حالة حضارية كبيرة تستحق موقعًا خاصًا في هذه الخريطة.
خريطة هنتنغتون
من أشهر المحاولات المعاصرة لرسم العالم وفق خطوط حضارية محاولة عالم السياسة الأمريكي صمويل هنتنغتون. ففي صيف عام 1993 نشر في مجلة Foreign Affairs مقالته الشهيرة The Clash of Civilizations?، ولا ينبغي إغفال علامة الاستفهام التي كانت موجودة في عنوان المقال الأصلي. وبعد الجدل العالمي الواسع الذي أثارته المقالة، وسّع هنتنغتون أطروحته وطوّرها في كتاب The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order، الصادر عام 1996. وقد انتقل بذلك من طرح السؤال في المقال إلى بناء نموذج متكامل نسبيًا لفهم النظام العالمي بعد الحرب الباردة.
قسّم هنتنغتون العالم إلى حضارات كبرى، من بينها الغربية والإسلامية والصينية أو السينية واليابانية والهندوسية والأرثوذكسية، مع وضع أقل حسمًا لأمريكا اللاتينية وأفريقيا. وكانت أطروحته الأساسية أن انتهاء الحرب الباردة سيقلل من مركزية الصراعات الأيديولوجية، بينما ستزداد أهمية الهويات الثقافية والحضارية، وأن أخطر الصراعات يمكن أن تقع على خطوط التماس بين الحضارات. وفي الكتاب ذهب أبعد، معتبرًا الصدامات بين الحضارات خطرًا رئيسيًا على السلام العالمي.
لا ينبغي التقليل من أهمية ما التقطه هنتنغتون. فالثقافة والدين والذاكرة التاريخية والهوية عوامل حقيقية في التاريخ والسياسة، ولا يمكن اختزال حركة المجتمعات في الاقتصاد والقوة المادية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة إلى خريطة لكيانات حضارية شبه مغلقة، ثم تصبح الحدود بينها وحدات تفسير للصراع العالمي. فهل الحضارات فعلًا كيانات منفصلة بهذه الصورة؟
هل الشرق الأوسط شرق فعلًا؟
يقدم إيان موريس مدخلًا مختلفًا لهذه المسألة في كتابه Why the West Rules—For Now: The Patterns of History, and What They Reveal About the Future، الصادر للمرة الأولى سنة 2010. فحين يعود موريس بالتاريخ آلاف السنين إلى الوراء، لا يبدأ «الغرب» من لندن أو باريس أو روما، وإنما يعيد نواته التاريخية الأولى إلى المجتمعات الزراعية التي ظهرت في جنوب غرب آسيا، ثم يتابع انتقال مركز الثقل الحضاري عبر البحر المتوسط وصولًا إلى أوروبا، في مقابل مركز شرقي تبلور أساسًا في الصين وشرق آسيا.
وهذه الرؤية تثير سؤالًا بالغ الأهمية: إذا كانت بلاد الرافدين والشام والأناضول ومصر وشرق المتوسط حلقات مركزية في السلسلة التاريخية الطويلة التي ستنشأ داخلها لاحقًا أوروبا الحديثة، فبأي معنى حضاري عميق نجعل هذه المناطق «شرقًا» مقابل «الغرب»؟
ليست المسألة ادعاء أن الشرق الأوسط وأوروبا كانا حضارة واحدة متجانسة؛ فهذا غير صحيح تاريخيًا. لقد نشأت داخلهما لغات وأديان ودول وثقافات شديدة التنوع. لكن التنوع شيء والانفصال الحضاري شيء آخر.
فمن وادي الرافدين ومصر إلى اليونان وروما، ومن اليهودية والمسيحية إلى الإسلام، ومن الفلسفة اليونانية إلى حركة الترجمة العربية الإسلامية، ومن العلوم التي تطورت في المجال الإسلامي إلى انتقالها وتطويرها في أوروبا، ظل هذا الفضاء في حالة تفاعل مستمر: تجارة وهجرة وترجمة واقتباس وصراع وتزاوج معرفي وانتقال للتكنولوجيا والمؤسسات والأفكار.
ولهذا أميل إلى القول إن أوروبا والشرق الأوسط يمثلان، في المدى الحضاري الطويل، فضاءً حضاريًا تاريخيًا متشابكًا أكثر مما يمثلان عالمين غريبين أحدهما عن الآخر.
الحروب الإسلامية المسيحية: صدام حضارات أم حروب أهلية عالمية؟
إذا صح هذا التصور، فإنه يقود إلى نتيجة قد تبدو صادمة: يمكن النظر إلى جانب كبير من الحروب التاريخية بين القوى الإسلامية والمسيحية بوصفها، من زاوية التاريخ الحضاري الطويل، نوعًا من الحروب الأهلية على الصعيد الحضاري العالمي.
لا أقصد بالحرب الأهلية هنا معناها القانوني أو السياسي؛ فلم تكن هناك دولة عالمية واحدة انقسم مواطنوها على أنفسهم. المقصود أنها صراعات وقعت بين فروع شديدة التشابك داخل فضاء حضاري واسع.
وهذا يطرح مشكلة أمام خريطة هنتنغتون. فإذا كانت الحروب الصليبية أو العثمانية الأوروبية دليلًا على «صدام الحضارتين» الإسلامية والغربية، فكيف نفسر الحروب الأوروبية الداخلية التي استمرت قرونًا؟ وكيف نفسر الحروب الكاثوليكية البروتستانتية؟ وكيف نفسر حربين عالميتين كان مركزهما الأساسي داخل ما يصنفه هنتنغتون حضارة غربية واحدة؟
الحرب، إذن، لا تصلح وحدها لرسم الحدود بين الحضارات.
كما أن التحالف لا يحترم دائمًا هذه الحدود. فقد عرف التاريخ تحالفات بين قوى مسيحية وإسلامية ضد قوى مسيحية أو إسلامية أخرى. وهذا يعني أن الدين والثقافة عنصران في التاريخ، لكنهما ليسا المفتاح الوحيد لفهمه.
المشكلة الأعمق في صدام الحضارات
المشكلة الأساسية في نظرية هنتنغتون، من منظور الفلسفة الحضارية، أنها تبدأ من تعدد الحضارات باعتبارها وحدات، بينما يمكن البدء من مستوى أعمق: وحدة المراكمة الحضارية مع تعدد روافدها.
فالكتابة عندما ظهرت لم تبق ملكًا لمن ابتكرها. والأرقام والرياضيات انتقلت بين الشعوب. والورق والبوصلة والطباعة انتقلت. والفلسفة اليونانية لم تبق يونانية. والمسلمون لم يكتفوا بحفظها، بل ناقشوها وطوروها، ثم انتقلت أجزاء من هذا التراث المعرفي إلى أوروبا. والثورة العلمية والصناعية الأوروبية لم تبق أوروبية، بل أصبحت ملكًا للبشرية. والحاسوب والإنترنت والذكاء الاصطناعي، مهما كان المكان الذي شهد انطلاقتها، تدخل سريعًا في الرصيد الحضاري الإنساني.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة أساسية:
الحضارة الإنسانية واحدة من حيث المراكمة، متعددة من حيث مراكز الإبداع والمساهمة.
ليست الحضارات قطارات تسير على سكك متوازية ثم تصطدم عندما تتقاطع مساراتها. إنها أقرب إلى روافد تصب باستمرار في نهر إنساني متراكم، وإن احتفظ كل رافد بخصائصه الثقافية والتاريخية.
ماركس وموريس: القدرة ليست الحضارة كلها
كان كارل ماركس من أبرز الذين لفتوا النظر إلى الدور العميق لقوى الإنتاج والشروط المادية في التاريخ. وقد ظهرت البذور الناضجة لهذا التصور مع فريدريك إنجلز في مخطوط The German Ideology، المكتوب بين 1845 و1846، وإن لم يُنشر كاملًا إلا سنة 1932. وهذه حالة توثيقية تستوجب التفريق بين تاريخ الكتابة وتاريخ النشر الأول.
تكمن أهمية ماركس في أنه جعلنا نرى أن التاريخ لا تصنعه الأفكار المجردة وحدها، وأن طريقة إنتاج الإنسان لحياته المادية تؤثر عميقًا في المجتمع ومؤسساته وعلاقاته. لكن الفلسفة الحضارية لا تستطيع اختزال الإنسان في هذه العلاقة؛ فالإنسان ليس كائنًا اقتصاديًا فقط، والمحتوى الداخلي للإنسان لا يتكون من شروط الإنتاج وحدها، وإنما من الفكر والإرادة، ويتحرك الإنسان داخل شبكة من القيم والمصالح والمؤسسات والشروط الموضوعية.
أما موريس فقد حاول بناء مؤشر للتطور الاجتماعي يقوم على عناصر مثل القدرة على التقاط الطاقة واستخدامها، والتنظيم، ومعالجة المعلومات، والقدرة الحربية. وهو بهذا يقدم أدوات مهمة لقياس مقدار ما أصبح المجتمع قادرًا على فعله.
لكن القدرة ليست القيمة.
يمكن لمجتمع أن يمتلك طاقة هائلة، ومعلومات هائلة، وتنظيمًا هائلًا، وسلاحًا هائلًا، ثم يستخدمها في التدمير. ومن هنا تضيف الفلسفة الحضارية سؤالًا آخر إلى سؤال القدرة:
ماذا يفعل الإنسان بما أصبح قادرًا على فعله؟
من القدرة إلى القيمة
هنا يظهر معيار تعظيم القيمة وتقليل الهدر. فالإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل تشكل إمكانات الفعل الحضاري، لكن مجرد امتلاكها لا يكفي. السؤال هو مقدار ما يستطيع المجتمع إنتاجه من خلالها من علم وعدالة وحرية وكرامة وصحة وإنتاج وجمال ونظام وثقة وتعاون وسلام وارتقاء روحي وأخلاقي، ومقدار ما يقلله في المقابل من هدر الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل والموارد.
وبهذا لا تأتي الفلسفة الحضارية لإدانة الحضارة الحديثة أو إعلان فشلها. إنها، على العكس، تنطلق من الإيمان بالتطور والمراكمة.
نحن ورثة الثورة العلمية والصناعية، وورثة الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، وورثة الطب الحديث والاتصالات والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، مثلما أن هذه المنجزات نفسها مدينة بطبقات حضارية أقدم سبقتها.
الفلسفة الحضارية لا تريد هدم هذا البناء لكي تبدأ من جديد، وإنما تريد إضافة طبقة جديدة إليه.
فالإنسانية تتطور منذ آلاف السنين بإضافة طبقات جديدة من القدرة والمعرفة والتنظيم والقيم. وكل نجاح حضاري يوسع دائرة الممكن، واتساع الممكن يولد أسئلة ومسؤوليات جديدة، فتظهر الحاجة إلى طبقة أخرى من التطور.
ولهذا فليس التاريخ مسيرة صاعدة بصورة حتمية. فهناك نكسات وانهيارات وحروب، لأن السنن الحضارية ليست كلها حتمية؛ منها السنن الحتمية، ومنها الشرطية، ومنها ما يعمل بوصفه اتجاهات عامة. وتظل الإرادة الإنسانية حاضرة داخل هذه الحركة.
من صدام الحضارات إلى تكامل الروافد الحضارية
بهذا المعنى تختلف خريطة الفلسفة الحضارية عن خريطة هنتنغتون من نقطة البداية. هنتنغتون يرى عالمًا متعدد الحضارات ويسأل عن كيفية إدارة العلاقات والصراعات بينها. أما الفلسفة الحضارية فترى، تحت هذا التعدد الحقيقي، عملية حضارية إنسانية واحدة طويلة المدى، ذات روافد ومراكز متعددة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إذابة الثقافات في ثقافة عالمية واحدة. فالصين لا تحتاج إلى أن تصبح أوروبا، وأوروبا لا تحتاج إلى أن تصبح الصين، والعالم الإسلامي لا يحتاج إلى التخلي عن شخصيته لكي يشارك في الحضارة الإنسانية. بل إن التنوع نفسه يمكن أن يكون مصدرًا للمراكمة؛ لأن كل تجربة حضارية تستطيع أن تضيف شيئًا لا تملكه التجارب الأخرى.
وهكذا نستطيع الانتقال من مفهوم صدام الحضارات إلى مفهوم تكامل الروافد الحضارية.
وهذا الانتقال ليس أمنية أخلاقية، بل امتداد لمنطق التاريخ نفسه. فالبشرية مارست التكامل الحضاري طوال تاريخها حتى وهي تتحارب. كانت الجيوش تتقاتل، وفي الوقت نفسه كانت الكتب والأرقام والأطعمة والأدوية والأفكار والتقنيات تنتقل عبر الحدود. والتحدي الحضاري المقبل هو أن يصبح الإنسان واعيًا بالعملية التي كان يمارسها تاريخيًا بصورة عفوية.
السلام العالمي بوصفه تطورًا حضاريًا
عند هذه النقطة يصبح السلام العالمي أكثر من شعار أخلاقي. إذا كانت الحضارة الإنسانية واحدة من حيث المراكمة، وإذا كانت الشعوب المختلفة شركاء في إنتاجها، فإن الانتقال من الصراع على ملكية الحضارة إلى التعاون في تطويرها يمكن أن يمثل مرحلة أعلى من مراحل التطور الإنساني.
وليس السلام إلغاءً للاختلاف أو المصالح أو التنافس. وإنما هو بناء مؤسسات وقيم وآليات تجعل الاختلاف والتنافس قادرين على إنتاج قيمة بدل إنتاج الدمار.
وحينئذ يتغير السؤال الكبير من: من سينتصر، الشرق أم الغرب؟ إلى: ماذا يستطيع كل مجتمع وكل مركز حضاري أن يضيف إلى الرصيد الإنساني المشترك؟
وربما نكتشف عندئذ أن السؤال القديم عن الشرق والغرب كان أصغر من الحقيقة التي يكشفها التاريخ. فالحضارة التي تنازع البشر طويلًا على نسبتها إلى هذه الأمة أو تلك لم يصنعها شعب واحد، ولم تبدأ في مكان واحد، ولن تنتهي عند مركز واحد.
لقد صنعها الإنسان بالتراكم.
وقد يكون أحد أرقى أشكال الوعي الحضاري المقبل أن يدرك البشر أن تنوعهم لا ينفي وحدتهم، وأن اختلاف روافدهم لا يمنع اجتماعها، وأن التاريخ الذي قرأناه طويلًا بوصفه تاريخ صدام الحضارات يمكن أن نعيد قراءته، على مستوى أعمق، بوصفه تاريخ المراكمة المشتركة لحضارة الإنسان.



اضف تعليق