ماذا يحدث عندما يغضب الإنسان؟ لماذا تتحول بعض الخلافات الصغيرة إلى خصومات طويلة؟ ولماذا يشعر بعض الناس أن رفع الصوت يمنحهم قوة، وأن إهانة الآخر تساعدهم على الانتصار؟ وهل يمكن أن نختلف مع شخص من دون أن نجرحه؟ وأن نرفض موقفاً من دون أن نحتقر صاحبه؟ وأن ندافع عن حقنا من دون أن يتحول دفاعنا إلى رغبة في الانتقام؟..
ماذا يحدث عندما يغضب الإنسان؟ لماذا تتحول بعض الخلافات الصغيرة إلى خصومات طويلة؟ ولماذا يشعر بعض الناس أن رفع الصوت يمنحهم قوة، وأن إهانة الآخر تساعدهم على الانتصار؟ وهل يمكن أن نختلف مع شخص من دون أن نجرحه؟ وأن نرفض موقفاً من دون أن نحتقر صاحبه؟ وأن ندافع عن حقنا من دون أن يتحول دفاعنا إلى رغبة في الانتقام؟ ثم سؤال أكثر أهمية: هل اللاعنف مجرد طبيعة يولد بها الإنسان، أم أنه مهارة نفسية واجتماعية يمكن أن نتعلمها ونمارسها حتى تصبح جزءاً من شخصيتنا؟
في لحظة الخلاف، لا يظهر الإنسان دائماً كما يتمنى أن يكون، وإنما كما تدرب طويلاً على أن يتصرف. قد يبدأ الأمر بكلمة عابرة بين زوجين، أو ملاحظة من أب لابنه، أو اختلاف بين زميلين في العمل، أو تعليق على مواقع التواصل. خلال ثوانٍ يمكن أن تنتقل المحادثة من فكرة إلى شخص، ومن اختلاف إلى إهانة، ومن موقف صغير إلى خصومة طويلة. هنا تحديداً تظهر قيمة اللاعنف؛ ليس بوصفه شعاراً أخلاقياً، وإنما بوصفه قدرة عملية على منع الانفعال من أن يتحول إلى أذى.
اللاعنف في معناه الإنساني الأوسع لا يعني أن يكون الإنسان ضعيفاً أو عاجزاً عن الدفاع عن حقوقه، ولا يعني أن يتنازل عن كرامته كي يحافظ على هدوء شكلي. إنه قدرة على التعامل مع القوة والانفعال والاختلاف من دون تحويلها إلى وسيلة لإيذاء الآخر. الإنسان اللاعنفي يستطيع أن يرفض، ويحتج، ويضع الحدود، ويطالب بحقه، ويختلف مع من أمامه، لكنه لا يحتاج إلى تحطيم الشخص الآخر حتى يثبت صحة موقفه.
ومن هنا يصبح اللاعنف قريباً من مفهوم المهارات الاجتماعية. فالتواضع الحقيقي، وحسن الاستماع، والتودد، والقدرة على فهم اختلاف الناس في أعمارهم وثقافاتهم وتجاربهم، كلها ليست تفاصيل سلوكية ثانوية. إنها أدوات تمنع كثيراً من النزاعات قبل أن تبدأ. الشخص الذي يعرف كيف يخاطب طفلاً يختلف عن الشخص الذي يتعامل مع مراهق، ومن يتحدث مع شخص كبير في السن يحتاج إلى حس مختلف، والعلاقة الزوجية تحتاج إلى لغة لا تشبه لغة العمل، والحوار مع شخص مختلف فكرياً يحتاج إلى قدرة على الاستماع لا تقل أهمية عن القدرة على الكلام.
تبدأ هذه المهارات في الأسرة؛ ففيها يتعلم الإنسان للمرة الأولى كيف يختلف وكيف يطلب وكيف يرفض وكيف يعتذر وكيف يصغي. الطفل الذي لا يجد أمامه سوى الصراخ عندما يخطئ قد يتعلم أن الصوت المرتفع هو الطريق الطبيعي للحصول على ما يريد. والزوج الذي لا يرى في الخلاف سوى معركة لإثبات من الأقوى قد يحول الحياة الزوجية إلى سلسلة من الانتصارات الصغيرة التي يدفع الجميع ثمنها. أما الأسرة التي تسمح لأفرادها بالتعبير عن الغضب والخوف والاعتراض ضمن حدود الاحترام، فإنها تدرّب أبناءها على مهارة سترافقهم خارج المنزل طوال حياتهم.
والأمر نفسه ينطبق على احترام المرأة داخل الأسرة والمجتمع. الاحترام الحقيقي لا يحتاج إلى إلغاء حضورها أو مصادرة صوتها أو التعامل معها باعتبارها كائناً أدنى يحتاج دائماً إلى من يتحدث نيابة عنه. الأم، والزوجة، والأخت، والفتاة الشابة، جميعهن أشخاص لهن كرامتهن وتجاربهن وحقهن في التعبير والمشاركة. وحين يتحول الاختلاف مع المرأة إلى إذلال أو تخويف أو إسكات، فإن المشكلة لا تكون في الاختلاف نفسه، وإنما في الطريقة التي يستعمل بها الإنسان قوته داخل العلاقة.
ومن الناحية النفسية، لا تولد هذه المهارات من فراغ. وراءها قدرة على تنظيم الانفعال وتأجيل الاستجابة وفهم الدافع الداخلي قبل تحويله إلى سلوك. قد يشعر الإنسان بالغضب، وهذا أمر طبيعي، وقد يشعر بالغيرة أو الخوف أو الإحباط أو الرغبة في الانتقام، لكن الشعور لا يساوي الفعل. بين الانفعال والسلوك مساحة صغيرة جداً، وفي هذه المساحة تتشكل شخصية الإنسان. هل يصرخ؟ هل يهين؟ هل ينتقم؟ هل يصمت حتى ينفجر لاحقاً؟ أم يتوقف لحظة ليسأل نفسه: ما الذي حدث لي حتى أصبحت بهذه الدرجة من الغضب؟
لهذا تبدو عبارة «تحليل الانفعال» أكثر أهمية من مجرد محاولة كتمانه. الإنسان الذي يقمع غضبه من دون فهمه قد يحتفظ بالشحنة داخله، ثم يبحث لها عن منفذ آخر. أما الذي يحاول معرفة مصدر غضبه، وما الذي لمسه الموقف في داخله، وما إذا كان الخطر حقيقياً أم أن جرحاً قديماً استيقظ، فإنه يقترب من إدارة انفعاله بطريقة أكثر نضجاً. اللاعنف هنا لا يعني اختفاء الغضب، وإنما يعني أن الغضب لا يصبح قائداً للسلوك.
وهذه النقطة تفتح باباً مهماً في علم النفس: الطاقة الانفعالية تحتاج إلى تنظيم وتصريف. عندما يعجز الإنسان عن التعبير عن غضبه بصورة صحية، قد يظهر في صورة سخرية، أو نميمة، أو تجريح، أو عداء غير مباشر، أو رغبة في الانتقاص من الآخرين. وقد يتحول الخلاف الصغير إلى فرصة لتفريغ تراكمات قديمة لا علاقة لها بالموقف الأصلي. لذلك فإن بعض النزاعات الاجتماعية لا تكون بحجم الحادثة التي أشعلتها؛ لأن الحادثة كانت مجرد الشرارة، بينما الوقود كان موجوداً منذ وقت طويل.
وهنا يصبح اللاعنف مهارة في قراءة النفس قبل قراءة الآخرين. الإنسان الذي يعرف نقاط ضعفه يصبح أقل حاجة إلى مهاجمة من يكشفها. والذي يستطيع الاعتراف بخطئه لا يحتاج إلى اختراع خطأ مضاد لدى خصمه. والذي يعرف أن كرامته لا تعتمد على إخضاع الآخرين يصبح أكثر قدرة على الحوار. هذه ليست صفات مثالية بعيدة عن الحياة؛ إنها مهارات يمكن اكتسابها بالتدريب والمراجعة والتجربة.
وفي الحياة اليومية، تظهر قيمة اللاعنف في تفاصيل تبدو صغيرة: كيف تتحدث عندما تكون غاضباً؟ كيف تصحح خطأ شخص أمام الآخرين؟ هل تستخدم السخرية عندما تختلف؟ هل تستمع حتى النهاية أم تنتظر لحظة صمت الآخر كي تهاجمه؟ كيف تتعامل مع العامل أو الموظف أو الطالب الذي لا يملك سلطة عليك؟ كيف تتصرف مع من يختلف عنك في الدين أو الفكر أو السياسة؟ وهل تستطيع أن تقول «لا» من دون إهانة الشخص الذي قلت له «لا»؟
هذه الأسئلة تكشف أن الحضارة الاجتماعية لا تقاس فقط بما تمتلكه المدن من تقنيات ومبانٍ ومؤسسات، وإنما بالطريقة التي يتعامل بها الناس مع بعضهم في المساحات اليومية. قد تكون المؤسسة حديثة، والتكنولوجيا متقدمة، والقوانين كثيرة، ثم نجد الإنسان عاجزاً عن إدارة خلاف بسيط من دون تهديد أو تشهير. عندها تصبح المشكلة في المهارات الإنسانية التي لم تتطور بالسرعة نفسها التي تطورت بها الأدوات.
وقد جعلت وسائل التواصل الاجتماعي هذه المسألة أكثر وضوحاً. خلف الشاشة يستطيع الإنسان أن يقول ما قد يخجل من قوله وجهاً لوجه، ويستطيع أن يحول شخصاً إلى صورة مختصرة أو تعليق أو موقف واحد، ثم يبني عليه حكماً كاملاً. كما أن البيئة الرقمية تكافئ أحياناً المحتوى الذي يستثير الغضب ويجذب التفاعل. وهكذا أصبح ضبط الانفعال مهارة رقمية أيضاً. أن تختلف في تعليق دون تشهير، وأن تنتقد فكرة دون إهانة صاحبها، وأن تتأكد قبل مشاركة اتهام، وأن تعرف متى تتوقف عن النقاش، كلها أشكال معاصرة لفن اللاعنف.
المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما يرتدي العنف لغة دينية أو سياسية أو اجتماعية تمنحه شعوراً بالشرعية. فالإنسان قد يستخدم فكرة نبيلة لتغطية سلوك قاسٍ، وقد يتحول الدفاع عن الدين أو الهوية أو الجماعة إلى مبرر لإلغاء الآخرين. هنا يجب الفصل بين الفكرة والسلوك؛ لأن الانتماء الديني أو السياسي لا يمنح الإنسان حصانة أخلاقية من مراجعة أفعاله. قد يحمل الإنسان اسماً محترماً ويدافع عن قضية مقدسة، ثم يمارس في حياته اليومية الإهانة والتخويف والإقصاء. المشكلة في هذه الحالة ليست في الشعار الذي يرفعه، وإنما في المسافة بين ما يقوله وما يفعله.
والشخصية المتزنة لا تحتاج إلى صناعة أعداء كي تشعر بقوتها. إنها تستطيع أن تعيش مع الاختلاف من دون أن تعتبر كل اختلاف تهديداً لوجودها. أما الشخصية التي تخشى مواجهة ما في داخلها، فقد تبحث عن خصم خارجي تعلق عليه اضطرابها. عندها يصبح الآخر مشكلة دائمة، ويصبح الاختلاف دليلاً على المؤامرة، ويصبح النقد عداء، وتتحول العلاقة مع المجتمع إلى حالة دفاع مستمر.
لهذا فإن اللاعنف يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في العلاقة مع الآخرين. أن يعرف الإنسان غضبه، وأن يعترف بخوفه، وأن يفهم حاجته إلى السيطرة، وأن يراجع رغبته في الانتقام، وأن يسأل نفسه لماذا يشعر بالتهديد من رأي مختلف. هذه المراجعة لا تجعل الإنسان أقل قوة؛ إنها تمنحه فرصة كي يستخدم قوته بطريقة أكثر وعياً.
ولا يعني ذلك أن المجتمع اللاعنفي مجتمع بلا صراعات. الاختلاف جزء طبيعي من الحياة، والمصالح تتعارض، والناس يخطئون، والمؤسسات تحتاج إلى نقد، والحقوق تحتاج إلى دفاع. الفارق يكمن في الوسيلة التي نختارها عندما يحدث ذلك. يمكن للمجتمع أن يختلف من دون أن يتحول إلى كراهية، ويمكن للإنسان أن يطالب بحقه دون أن يتحول إلى معتدٍ، ويمكن للعدالة أن تحاسب من دون أن تجعل الانتقام غايتها.
لهذا يحتاج فن اللاعنف إلى أن يُعامل بوصفه مهارة اجتماعية ونفسية تُعلّم وتُدرّب، لا فضيلة نطلب من الناس امتلاكها بصورة تلقائية. ويمكن تحويل هذه الفكرة إلى ممارسات بسيطة تبدأ من الحياة اليومية: أن يتعلم الطفل تسمية مشاعره قبل أن يضرب، وأن يتفق أفراد الأسرة على قاعدة تمنع النقاش أثناء الغضب الشديد، وأن يؤجل الشخص الرد على الرسائل المستفزة حتى يهدأ، وأن تستخدم المؤسسات جلسات قصيرة لحل الخلاف قبل تحوله إلى خصومة، وأن تتضمن المدارس والجامعات تدريبات على الاستماع وإدارة الحوار، وأن يتعلم مستخدم المنصات الرقمية قاعدة بسيطة: انتقد الفكرة، لا تهن الإنسان.
كما يمكن لكل شخص أن يعتمد قاعدة عملية عند اشتداد الانفعال: توقف، سمِّ ما تشعر به، حدد ما تريده، ثم اختر وسيلة لا تؤذي الآخر ولا تتنازل عن حقك. وإذا تكرر الغضب بصورة شديدة، أو أصبح الشخص عاجزاً عن السيطرة على ردود أفعاله، فإن طلب المساعدة النفسية المتخصصة خطوة مسؤولة وليست علامة ضعف.
فاللاعنف لا يحتاج إلى إنسان بلا غضب، وإنما إلى إنسان يعرف كيف يدير غضبه. ولا يحتاج إلى مجتمع بلا اختلاف، وإنما إلى مجتمع يمتلك أدوات لإدارة الاختلاف. وإذا أردنا أن نجعل هذه القيمة جزءاً من حياتنا، فقد يكون الطريق الأكثر واقعية أن نبدأ من الأشياء الصغيرة: كلمة نختار ألا نقولها، رد نؤجله، اعتذار نقدمه، حق نحميه دون إيذاء، وخلاف ننهيه قبل أن يتحول إلى عداوة. هكذا يتحول اللاعنف من فكرة جميلة إلى سلوك يومي يمكن ملاحظته وتدريبه وقياس أثره في الأسرة والعمل والمجتمع.



اضف تعليق