بقدر لجم اللسان وضبط حركته، تكون درجة الأمن الاجتماعي أعلى، وكان الناس آمنين على سلامة علاقاتهم، محافظين على الوئام والانسجام فيما بينهم، لما للّسان من آثار كارثية على الوشائج بين الأفراد، بل وحتى بين أفراد الأسرة الواحدة التي تمثل المجتمع الصغير، فـ "حدّ اللسان أمضى من حدّ السِنان"...

"فاتقوا الله و كفّوا ألسنتكم إلا من خير".

الإمام الصادق، عليه السلام.

عندما يكون اللسان الوسيلة الأكثر تأثيراً في حاضر الانسان ومستقبله، وهو الذي يسوقه الى الفلاح والصلاح، او يسوقه الى الضلال والخسران، فمن الطبيعي أن يكون شرطاً أساس لتحقيق التقوى في النفوس، فمن لا يتقي زلات لسانه، وهفوات حديثه مع الناس كيف يتقي الخطأ في التعامل معهم؟! 

لهذه العلاقة العضوية، اقترنت التقوى بصون اللسان في وصية الإمام الصادق، عليه السلام، في رسالته الى شيعته، والتي تدبّر فيها سماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي –حفظه الله- في مؤلفه: "منهج الشيعة" ليبين لهم صعوبة طريق التفوق في المسيرة التكاملية بالحياة، فالتقوى حالة روحية سامية تُعد من المسائل النسبية في سلوك الانسان، وهي مثل سلّم طويل ممتد نحو السماء يحتاج الى جهد، ثم استقامة مع تحدي للصعاب والعقبات لبلوغ المراتب العليا، ثم ليكون الانسان {مِنَ المُتْقَين}.

معرفة المشكلة بداية الحلّ

ثمة من يتصور أن بإمكانه التحدث عن كل شيء وبكل ثقة بين اصدقائه، وافراد أسرته، و زملائه في العمل والدراسة، ويعد الصمت وقلة الكلام نوعاً من الضعف وعدم الحضور الفاعل والمؤثر في المجتمع! ربما بدعوى إيصال الفكرة أسرع بقطع النظر عما ينطوي عليه من قدح بشخص ما، إو إقحام اسمٍ في سياق الحديث دون علمه، او التشكيك والتضعيف بكلام الآخرين، وكل هذه وأشباهها، لا علاقة لها بموضوع التقوى لتصور البعض أنها مقتصرة على ارتكاب المعاصي المنهيّ عنها في أحكام الدين، أما اللسان فانه "مسألة فنية خاصة به" بإمكانه التحكم به وفق شطارته وذكائه!

وعندما تتفوق رغبات النفس على صاحبها نكون أمام كوارث متوالية تتدحرج مثل كرة الثلج، كونه اختلال نفسي غير مرئية للواقع الخارجي، و ربما غير محسوس لصاحبه ايضاً، منها؛ عبادة الذات، فهي تختلف جذرياً عن الثقة بالنفس التي تكون من انتاج الانسان نفسه، يطوعها حيث يريد تحقيقه في حياته، فهو يحترم نفسه أمام الآخرين، ويقدم لهم قدراته ومواهبه الذاتية لما فيه خدمة لهم ولنفسه.

ومن عبادة الذات تتفرع حالات مرضية مثل؛ العُجُب، والكِبر، والغرور، والخُيلاء، كلها تتجلى في هذه الصفة السيئة، ويكون ناطقها الأول؛ اللسان، لذا نبّه أمير المؤمنين، عليه السلام، في بداية "خطبة المتقين" بأنهم "أهل الفضائل؛ منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع"، كما ورد التحذير في روايات المعصومين، عليه السلام، من السقوط في وهم التفوق والتعالي بدافع من اللسان، والتطاول في الحديث على أمل الحصول على حظوة اجتماعية، او حظوة سياسية، وحتى في محيط العمل والدراسة، فنقرأ عن أمير المؤمنين في "غُرر الحكم" أن "لا وحشة أوحش من العُجب"، و "من أعجته آراؤه غلبته أعداؤه". 

من أجل ذلك أكد العلماء والحكماء أن اللسان المنفلت من عقال التقوى يعد من الموانع الكبرى أمام هذه الحالة الأخلاقية والروحية العالية، فتبقى مجرد رغبة في النفس "فالكثير من الناس يرغبون بتحقيق التقوى في أنفسهم غير أن القليل منهم يسعون الى ذلك، ومن هذه القلّة، قلّة توفق في الحصول عليها، لأن معظم الراغبين بالتقوى والعازمين على تحصيلها يجهلون –عملياً- طبيعة الموانع والعقبات التي تقف في طريقهم". (نهج الشيعة).

تقوى اللسان صمام أمان

بقدر لجم اللسان وضبط حركته، تكون درجة الأمن الاجتماعي أعلى، وكان الناس آمنين على سلامة علاقاتهم، محافظين على الوئام والانسجام فيما بينهم، لما للّسان من آثار كارثية على الوشائج بين الأفراد، بل وحتى بين أفراد الأسرة الواحدة التي تمثل المجتمع الصغير، فـ "حدّ اللسان أمضى من حدّ السِنان"، و "كم من إنسان أهلكه لسان"، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام، فمن النزاعات البسيطة داخل الأسرة، والى النزاعات الكبيرة بين افراد المجتمع، وحتى النزاعات الكبرى بين الدول، لم تكن لولا تراشق بالكلام العنيف ليكون وقوداً لحروب تزهق أرواح ملايين البشر.

بالمقابل يكون لدينا الأمن والاستقرار النفسي كأفراد وجماعات بفضل ضبط الكلام، وعقل اللسان عما يسوء الآخرين، فـ "من اكتفى بالتلويح استغنى عن التصريح"، يقول أمير المؤمنين، وهذا يدل، فيما يدل عليه، بأن المسألة تحتاج الى درجة من الذكاء الاجتماعي الذي يتقنه المتدانون في تعاملهم مع الآخرين، ومن يتجنبون التصريح بأنهم الأفهم والأعلى درجة في العلم والدين وحتى الأخلاق.

وعندما يجد الفرد أنه في مأمن من الأصوات العالية، والكلمات المدبّبة كالسهام، لن يجد حاجة لأخذ حالة الاستعداد وفقدان الاستقرار لمواجهة الحروب الكلامية هنا وهناك، وإن حصل، تبقى حالات فردية لا تشغل باله، وتدعه ليخصص وقته وحياته للتفكير بأشياء أكبر وأكثر نفعاً، والاستفادة من نعمة اللسان في قول الحق و ردع الباطل والانحراف، والتفكير في تطوير حياته والآخرين. 

اضف تعليق