جهد كبير ومحموم يبذل على مدار الاعلام العربي -والكثير من المحلي- لإبعاد عملية انسحاب القوات التركية من بعشيقة عن الضغوط التي مارستها الدبلوماسية العراقية على الجانب التركي، وعن التحركات والاتصالات التي تواصل بها العراق مع المجتمع الدولي.. بل ان نائب الرئيس الامريكي جو بايدن-وبايدن وحده- هو الذي فتح الباب امام استخدام كلمة "انسحاب"، مقابل الالتزام الثابت بمصطلح "اعادة تنظيم" الذي رددته جميع وسائل الاعلام نقلا عن بيان داود اوغلو بثبات ومثابرة لافتة..

وهذا قد يكون خارج العناية الان، ففي مثل هذه المواقف، وفي بلد تُكثر فيه التدخلات الخارجية، ويعبث فيه الطامعون الأقرباء والأعداء، قد تكون العبرة -وكذلك الحكمة- بالنتائج النهائية للفعل اكثر من التركيز على المسارات التي اتخذتها تلك النتائج.

واول النتائج التي يمكن ان نستخلصها من هذه الازمة هو ان الضرورة الملحة الان باتت -فعليا- في وجود نظام حكم مركزي يمتلك القدرة على اتخاذ القرار في المواقف المفصلية التي قد تعتري امن وسلامة وكرامة الوطن، ويتحصل على التفويض الذي يساعده تثبيت السيادة على كامل أراضي الدولة، والاهم، هو وجود شعب يدين بولائه لهذه الارض، وليس الى مشاريع وهمية قد لا تجد لها فرصة حقيقية في العالم الواقعي.

ولكي نكون اكثر وضوحا، فان المبالغة في تفخيم الهويات الفرعية، والتعاطي مع القضايا الوطنية العليا بنفس طائفي او قومي-بل وحتى عائلي- قد اضرت كثيرا بالامن والسلم المجتمعي في العراق.. ولم تنتج -وليس مقدرا لها- سوى مشاريع فئوية أخرى لا تلبث ان تؤدي الى مزيد من الشرذمة والتقاتل.

وهنا قد يكون من الاهمية بمكان توضيح العلاقة مابين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان وان كان هناك اي نص في الدستور او القوانين النافذة ما يمكن ان يسوغ تنسيق الاقليم الاقتصادي والامني والعسكري مع الدول الاخرى بمعزل عن الحكومة الاتحادية، وجدوى استمرار مثل هذه العلاقة ورهن القرار العراقي ضمن اطار هذه المعادلة الغرائبية الخارجة عن المألوف السياسي والاداري في جميع دول العالم.

والاهم، هو في تفسير الصمم الحكومي الفاضح عن تظلمات العديد من القوى السياسية الكردية من تفرد الحزب الديمقراطي بالقرار في الاقليم، وادخال الاقليم والمنطقة في اتون صراع ارادات قد لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الشعب الكردي، والاطار القانوني الذي يتحرك من خلاله رئيس الاقليم المنتهية ولايته، في ابرامه الاتفاقيات السياسية والاقتصادية واستجلاب قوات اجنبية الى خارج اراضي الاقليم. رغم ان سيطرته الفعلية لا تتعدي سيطرة" ديبكة"، ولا يعد "سروكا" في الكثير من مدن الاقليم الا من خلال الاستقواء بعلاقات ملتبسة مع بعض الدوائر الاقليمية.

فخطورة هذه السياسات هي في انها تحمل مشاريع تتعارض تماما مع مفهوم الدولة، وترى في اي ممارسة قد تفضي الى تعزيز سيادة القانون والمواطنة على انه تهديد مباشر لمتبنياتها، خاصة اذا كانت العوامل الدولية والاقليمية غير مهيأة لتنفيذ مثل تلك المشاريع، او ان تكون هذه الجهة او تلك اقل بكثير من مستوى المشروع، وحتى الدور، ولا يتعدى وجودها على الخارطة السياسية والامنية مستوى الاداة او المخلب المعروض على قارعة المزايدات السياسية لدول المنطقة.

ان وجود العراق كبلد مكون من باقة من الاطياف والانتماءات الكريمة الضاربة في عمق التاريخ بحاجة الى جهد ثقافي خلاق ودؤوب لتثبيت المشتركات الكثيرة والمتناثرة على طول القرون التي تشكل عمر التعايش بين مكوناته ضمن ثقافة وطنية جامعة مهيمنة معلية للهوية العراقية اللامة والضامة والشاملة.. وان لا تكون العلاقة عبارة عن ارقام في الموازنة او حصة في الكعكة الحكومية.

اول الصواب هو العمل على تحديد شكل العلاقة القائمة الان على انها بين كيانين ذوي توجهات ورؤى ومنطلقات قد لا تتطابق بالضرورة مع بعضها البعض، وان العلاقة والتفاهم يجب ان تكون على شكل الارتباط الحالي وان يتم التحكم بموارد عدم الاتفاق حسب الآليات والقواعد المتبعة في القانون الدولي وليس عن طريق مواد القانون العراقي غير الملزم كما يبدو لسلطات الاقليم..

وقد يكون في هذه الازمة جانبا مشرقا هي في ان الامور قد وصلت من خلالها الى المستوى الذي يستدعي الوقوف والتفكر في الآليات التي من الممكن ان تفضي الى الحل الاخير والحاسم والعادل للمشاكل التي تعترض العلاقات ما بين المركز والاقليم والتي طال الامد بها واسئ لها كثيرا من خلال ربط المعطيات والعوامل التي من الممكن ان تفك اختناقاتها بمصالح دولية واقليمية وفئوية وشخصية ضيقة اضرت بعلاقات ومصالح الشعبين الكريمين، وقد يكون فرصة حقيقية للمقاربة الواقعية المنطقية المعمقة لازمة حقيقية وجودية اريد لها دائما ان تدفن تحت ركام التلاعب اللفظي المنمق..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9