المؤسساتُ ليستْ مجردَ هياكلَ إداريةٍ، بل هي أنظمةٌ سياسيةٌ وساحاتٌ تتفاعلُ فيها القوةُ والتحالفاتُ. إنَّ سياسةَ المكاتبِ ليستْ شراً مطلقاً، بل واقعٌ طبيعيٌّ؛ والخطرُ الحقيقيُّ يكمنُ حينَ تتحولُ من أداةٍ لإدارةِ التوازناتِ بوعيٍ إلى وسيلةٍ لترسيخِ الصراعاتِ والمصالحِ الضيقةِ التي تخنقُ فاعليةَ المنظمةِ..
في عنفوان الشباب وقوة اندفاعاته، وقعت بين يديّ مقالة أكاديمية باللغة الإنكليزية تتضمن اصطلاحاً لافتاً عنوانه (Office Politics سياسة المكاتب) في وقت كنت قد دخلت في نزاع وظيفي مع مسؤولي الأعلى، فاستحضر هذا المصطلح أمامي أجواء مناخي الوظيفي الأول، وأنا أتقلب في مشاغل العمل. كانت تصوّراتي آنذاك ، أن التشكيلات الإدارية المكتبية تعج بما يمكن تسميته بـ “سياسات المكاتب” لما يدور فيها من طيش أو طغيان لدى بعض الإدارات العليا، ونحن ما زلنا في المراحل الأولى من حياتنا الوظيفية. وقد زادني هذا الأمر دهشة، ودفعني للبحث عن المؤسس الأكاديمي الأول في علم الإدارة العامة لهذه العبارة الساخنة والمبهمة (سياسات المكاتب) ، التي قد تحرق مجالات العمل إن لم يُحسن التعامل مع لهيبها… وربما كانت في الوقت نفسه العبارة المنقذة!
في خضم ذلك، وُجّه إليّ سؤال في إطار مساءلة إدارية عن سبب الخلاف مع المسؤول المذكور رحمه الله. كنت أتوقع عقوبة إدارية لا تستحقها الواقعة، لكنني وجدت نفسي أستحضر فكرة (سياسة المكاتب) وما يحيط بها من مظاهر الظلم والطغيان الاداري كنت على يقين أن المؤسسة التي عملت فيها آنذاك لم تكن تعرف هذا الاصطلاح أو تدرك معناه في ظل صعوبة الوصول إلى مصادره الأجنبية. فشرحت لهم في ورقة المسائلة ، ان السياسة داخل المؤسسات (Office Politics) حقيقة موجودة في معظم أماكن العمل، لكن إدارتها بحكمة هي التي تحدد قوة المؤسسة أو ضعفها.
ومن خلال البحث، وجدت أن جذور الفكرة تعود إلى عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل كروزيه Michel Crozier في كتابه الشهير: The Bureaucratic Phenomenon (1964) أو “الظاهرة البيروقراطية”. وقد بيّن كروزيه أن البيروقراطية ليست مجرد تنظيم عقلاني كما تصورها ماكس فيبر، بل هي “دائرة مفرغة” تنشأ من محاولة السيطرة على عدم اليقين، فتنتج عنها قواعد وإجراءات متزايدة تقود في النهاية إلى روتين خانق. ويرى كروزيه أن الهياكل البيروقراطية ليست عيباً تنظيمياً بحد ذاته، بل هي في جانب منها درع يحمي الأفراد من مخاطر العمل الجماعي والمسؤولية الشخصية. لكنها في الوقت نفسه تخلق صراعات دائمة حول ما سماه “مناطق عدم اليقين”، حيث يسعى الأفراد إلى استغلال القواعد لتعزيز سلطتهم الخاصة بدلاً من تحقيق أهداف المنظمة. كما لاحظ كروزيه أن تضخم القواعد يولد ما سماه “الدائرة المفرغة”: ففشل التنظيم يؤدي إلى مزيد من القواعد، وهذه القواعد تزيد الروتين وتضعف الفاعلية. وقد ربط هذه الظاهرة أيضاً بسمات ثقافية في المجتمع الفرنسي، مثل الميل إلى المركزية الشديدة وعزل الطبقات الاجتماعية وتجنب المواجهة المباشرة.
بعد ذلك بسنوات، ومع بداية السبعينيات، بدأت دراسات الإدارة تتجه نحو استخدام مفهوم السياسة التنظيمية بشكل أوضح. وكان من أبرز من أسهم في تطويرها العالم Gerald R. Salancik، الذي تناول مع زميله Jeffrey Pfeffer فكرة أن المؤسسات ليست أنظمة عقلانية بالكامل، بل ساحات تتفاعل فيها القوة والتحالفات والصراع على الموارد. وقد تجسدت هذه الرؤية في كتابهما المهم: The External Control of Organizations: A Resource Dependence Perspective (1978) حيث طرحا فيه فكرة أن المنظمات تعتمد على الموارد الخارجية، وأن هذا الاعتماد يخلق علاقات قوة وصراعات داخلية تجعل السياسة التنظيمية ظاهرة طبيعية في أي مؤسسة.
المفارقة هنا أنني كتبت هذه الأفكار على ورقة المساءلة الوظيفية نفسها، فتحول التحقيق من مساءلة إدارية إلى نقاش فكري حول مفهوم (سياسة المكاتب). وفي نهاية المطاف أُغلق الملف بكلمة واحدة في محضر اللجنة: “اطّلعت”… وانطوت صفحة العقوبة. ومنذ ذلك الوقت أدركت أن المنظمات ليست مجرد هياكل إدارية، بل أنظمة سياسية يسعى فيها الأفراد والجماعات إلى تحقيق مصالحهم الخاصة والتأثير في القرارات.
وبعد أكثر من أربعة وخمسين عاماً من الخبرة الوظيفية، تبيّن لي أن المشكلة في كثير من مؤسسات العالم الثالث ليست في وجود السياسة المكتبية بحد ذاتها، بل في تغولها في صورتها السلبية، حتى باتت أحياناً تتجاوز البيروقراطية التقليدية لتصبح صراعاً بين المؤسسة وموظفيها أنفسهم. وفي سنوات لاحقة، وجدت أن لهذا العلم جانباً أكثر إشراقاً. فقد أوضح عالم الإدارة Jeffrey Pfeffer في كتابيه: Managing with Power (1992) و Power: Why Some People Have It—and Others Don’t (2010) أن السياسة التنظيمية ليست شراً مطلقاً، بل هي واقع طبيعي داخل المؤسسات، وأن القادة الناجحين هم من يفهمونها ويديرونها بذكاء بدلاً من تجاهلها.
كما قدم الباحث Johan P. Olsen مع James March في كتابهما: Ambiguity and Choice in Organizations (1976) ما يعرف بنموذج “سلة القمامة” (Garbage Can Model) في اتخاذ القرار، الذي يوضح أن القرارات داخل المؤسسات لا تكون عقلانية بالكامل، بل تتأثر بالصراعات والتحالفات والمصالح المتشابكة. وهكذا اتضح لي مع مرور الزمن أن (سياسة المكاتب) ليست مجرد مرارة وظيفية عاشها جيل من الموظفين، بل هي موضوع علمي متكامل في علم الإدارة والسلوك التنظيمي. غير أن الخطر الحقيقي يكمن حين تتحول من أداة لإدارة التوازنات داخل المؤسسة إلى وسيلة لترسيخ الصراعات والمصالح الضيقة. وهنا يكمن الفرق بين مؤسسة تدير السياسة المكتبية بوعي ، وأخرى محرومة الوعي تغرق فيها حتى أذنيها .



اضف تعليق