تجددت الانتهاكات التركية للسيادة العراقية بأشكال متعددة، ففي أيار/مايو 2012 زار وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو مدينة كركوك الملتهبة، دون علم الحكومة العراقية. كما قامت القوات العسكري التركية باجتياح شمال العراق بين فترة وأخرى وتوجيه ضربات عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني.

لكن دخول قوات تركية الى ناحية بعشيقة التابعة الى مدينة الموصل، يأتي في خضم تحركات سياسية قامت بها قوى سياسية سنية وكردية عراقية، من خلال عقد مجموعة من اللقاءات والاتفاقات مع السعودية وتركيا بحسب ما ذكرته مصادر سياسية واعلامية. فيما تحدثت مصادر عن تواجد قوات المانية وسعودية إضافة للقوات التركية قرب الموصل.

تحالفات ملغومة

يأتي دخول القوات التركية الى الأراضي العراقية بعد أيام من زيارة رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني السعودية، وزيارة اسامة النجيفي الذي أعفي من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية لتركيا أيضا، وبحسب مصادر سياسية فان السعودية حثت البارزاني على تقديم الدعم للقوى السنية العراقية في البرلمان من أجل سن قانون الحرس الوطني. كما تحدثت معلومات عن ارسال مستشارين أمنيين سعوديين الى كردستان.

وتصاعدت حدة التوتر بين حكومة اقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد هذه الأيام لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية، حيث لم يتوصل الطرفان الى أي صيغة اتفاق، في وقت كانت تأمل الحكومة العراقية انهاء أزمتها مع الإقليم خصوصاً بعد رحيل رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي من السلطة، وبعد أن كانت حكومة اقليم كردستان التي كانت تشكو باستمرار من نهج المالكي، لكن يبدو أن الجانب الكردي لديه شروط تعجز عن تأديتها الحكومة المركزية تخص تصدير النفط والمطالبة بضم بعض الأراضي في شمال العراق الى الاقليم، يعدها خبراء بأنها مخالفة للقانون وللدستور.

وبررت حكومة الاقليم الحراك العسكري التركي الكردي الخطير قائلة أن ذلك من أجل تدريبات قوات البيشمركة، هذه المبررات لم تلاق أي قبول لدى الحكومة العراقية، التي أمهلت تركيا 48 ساعة بسحب قواتها، لأنها تعد مخالفة للقوانين الدولية وللدستور العراقي.

التصريحات الكردية ربما جاءت هذه المرة بمثابة رسائل توجهها حكومة اقليم كردستان الى الحكومة المركزية للخروج من أزمتها ومن أجل تقديم تنازلات معينة، وهذا ما يفسره الحراك السياسي والعسكري الأخير والاتصالات المستمرة بين حكومة الاقليم وبين كل من تركيا والسعودية.

وازدادت المخاوف بشكل أكبر عندما كشفت وسائل اعلامية معروفة عن انشاء قواعد عسكرية تركية في مدينة الموصل بقوات قوامها 600 جندي. و"إن اتفاقا قد أبرم مطلع الشهر الماضي بين رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني ووزير خارجية تركيا الذي قام بزيارة إلى أربيل في هذا الصدد".

ومنذ سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل، استولت القوات الكردية على مدينة كركوك بذريعة التصدي للتنظيم. حيث تسعى حكومة اقليم كردستان للحصول على دعم أكبر من خلال انفتاحها على تركيا والسعودية، ولا يخفى فان الحراك العسكري التركي الكردي يأتي بعد أيام من المواجهات التي حدثت بين قوات الحشد الشعبي وقوات كردية جنوب مدينة طوزخرماتو التابعة لمحافظة صلاح الدين، والتي قتل على اثرها أربعة من عناصر الحشد وأصيب عشرات بجروح. حيث ترفض حكومة اقليم كردستان تواجد "الحشد الشعبي" في كركوك ومناطق أخرى بسبب الخلافات حول المادة "140" من الدستور والتي تخص الأراضي المتنازع عليها. فيما تتوسع قوات البيشمركة بتواجدها والسيطرة على هذه الأراضي بشكل تام ولا تسمح للحكومة المركزية أن تقوم بواجباتها الأمنية.

يأتي دخول القوات التركية الأراضي العراقية بالتزامن مع الاعلان عن عزم الولايات المتحدة الأمريكية إرسال قوات برية إلى العراق إضافة الى القوات المتواجدة والتي يبلغ قوامها 3500 جندي أميركي. وهو الأمر الذي قد يفسر بأنه حراك سياسي عسكري ضد سياسة بغداد.

أما اقتصاديا يسعى كل من تركيا واقليم كردستان الى تعزيز المكانة الاقتصادية لدى الآخر، حيث تبلغ الصادرات التركية 8 مليار دولار. فيما يبلغ عدد الشركات التركية التي تعمل في الإقليم أكثر من ألف شركة، وتقدم حكومة الإقليم بشكل مستمر للشركات حوافز سخية، بحيث يعفى قسم من هذه الشركات من الضرائب ويصل هذا الإعفاء لمدة لا تقل عن خمس سنوات، كذلك اتفق الطرفان على فتح معابر حدودية أمام تدفق المنتجات. حيث تدرك تركيا أهمية اقتصادها واعتماده على حركة التجارة مع إقليم كردستان.

أما الفريق الآخر الذي يتمثل بالمكون السني فهو الآخر يقوم بحراك سياسي من خلال بعض القوى والشخصيات السياسية المتهمة بأنها تضطلع "بدور خبيث" في العراق وتحديدا محافظ نينوى أثيل النجيفي، وشقيقه نائب الرئيس العراقي اسامة النجيفي الذي أعفي من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية، لأسباب تراها الحكومة العراقية أنها تتعلق بالفساد.

فقد زار النجيفي تركيا قبل أيام، لحضور الاحتفال السنوي لحزب العدالة والتنمية، حيث عقد سلسلة من اللقاء التي قام بها مع القادة الاتراك وهو الأمر الذي ولد تساؤلات عن طبيعة هذا الحراك في وقت تعاني فيه البلاد من تمزق نسيجها السياسي والاجتماعي.

خلاصة

بعد أن دخلت قوات تركية الى ناحية بعشيقة التابعة الى مدينة الموصل، من غير المعقول أن يمر ذلك دون انعكاسات سياسية وأمنية. حيث أمهل العراق تركيا 48 ساعة لسحب قواتها من الموصل، مهددة باستخدام "كل الخيارات المتاحة".

الحكومة التركية عليها أن تدرك مخاطر ما تقوم به من خروقات، وهي مطالبة قبل غيرها بعدم التفريط بعلاقتها مع الحكومة المركزية في بغداد، فهناك عدد كبير من الشركات والاستثمارات التركية تعمل في مناطق مختلف من العراق.

وهي بحاجة أيضا الى دراسة التحولات الإقليمية التي تقف حائلا أمام انهاء تواجد حزب العمال الكردستاني الذي يتواجد داخل أراضي إقليم كردستان، كما ان لا يفوتها خطورة ما يقوم به الاقليم عبر الدعم التركي الذي سيعزز الانفصال الكردي.

الحكومة العراقية من جهتها بحاجة الى توجيه بوصلتها السياسية، والتعامل مع هذه الانتهاكات الصارخة بشكل يحقق الاستقرار والسيادة، وعليها ان تجد حلا لما يجري من حروب بالوكالة على الأراضي العراقية.

* كاتب صحفي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0