آراء وافكار - مقالات الكتاب

في ذكرى وعد بلفور المشؤوم..

متى تسقط وعود ممالك وأنظمة التآمر العربي لإنهاء القضية الفلسطينية؟

لا نكتب عن وعد بلفور بهدف التباكي عليه، لكن من أجل توضيح حجم المؤامرة على فلسطين وعلى الأمة العربية بأسرها من الدولة الأعظم آنذاك واستهدافها عموم المنطقة. فمنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تتوالى النكبات والكوارث على المنطقة وشعوبها، في سلسلة لا تنتهي من المؤامرات والدسائس التي يحيكها هذا الكيان الاحتلالي المسخ ضد المنطقة من أجل ترسيخ احتلاله واستعماره وفرض هيمنته عليها وعلى مقدراتها مدعوماً في ذلك بحلفائه الاستراتيجيين الذين لا يزالون يزودونه بخيرة ما تنتجه مصانع السلاح وأطوره لإبادة الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.

إذا ما أردنا أن نؤرخ لكوارث وأزمات منطقتنا الحقيقية في العصر الحديث فلن نذكر سوى وعد بلفور كبداية لهذا التاريخ المؤلم الذي كان بحق فاتحة المشاريع الاستعمارية الغربية إلى جانب اتفاقية سايكس بيكو سيئة الذكر.

وما يدهش اليوم، أن الأعراب التي ما فتئت تكتم غيظها من عربان مرت المياه من تحت أقدامها دون أن تدري وهي مطعونة من حليفها البريطاني الذي شبكت يدها في يده، هي ذاتها التي تشبك يدها مع الأميركي والإسرائيلي والعثماني بنسخته الجديدة، لتقدم وعودها بالقضاء على ما تبقى في الذاكرة من ذلك الغيظ‏، وما يوجع أن هذه الأعراب وهي التي تقود بنفسها حلقة الوعود الجديدة، تمارس عربدتها فوق الطاولة... علناً دون خجل أو حياء، وفيما تتراكض لإرضاء الإسرائيلي والأميركي نراها تتباهى بما زرعته وتزرعه من إرهاب في سورية واليمن وليبيا ومصر وتونس...، وتتحدث مراراً وجهاراً عمّا قطعته من عهود وما رهنته من أرصدة، لذلك ربما كان طبيعياً أن يمرّ وعد بلفور هذا العام كما في الأعوام التي سبقته في غفلة منها أو تغافل وهي المشغولة بوعودها الخائبة منها والمستحدثة اليوم على وقع الطاولة الأميركية المقلوبة في وجهها ووجه مرتزقتها، وقد أدارت الإدارة الأميركية ظهرها معلنة إفلاسها مما قدمته... وتقدمه تلك الأدوات.‏

نكتب عن الذكرى الأليمة هذا العام، والمنطقة العربية تموج بما يشبه وعد بلفور وأخطر، فما تشهده المنطقة وفلسطين المحتلة منذ اغتصابها هو استنساخ وإعادة إنتاج لوعد آرثر جيمس بلفور وزير خارجية الاستعمار البريطاني آنذاك، ولعل تبرير ما يقوم به كيان الاحتلال الإسرائيلي من جرائم حرب وانتهاكات ضد الإنسانية وتهجير ونهب للحقوق الفلسطينية بحجة الدفاع عن النفس ومساواة المقاومة الفلسطينية المشروعة بإرهاب العدو الصهيوني، هو أحد أشكال الاستنساخ والإنتاج، وكذلك ما يسمى التطبيع والعمالة له ولحلفائه، واعتبار أي عمل مقاوم موجه ضد الاحتلال هو مغامرة يدخل ضمن معادلة الاستنساخ والإنتاج والتأييد للاحتلال الإسرائيلي.

كما أن الاستنساخ الأكبر لوعد بلفور المشؤوم هو حالة الاصطفاف التي ظهرت في ظل ما يسمى الربيع العربي بتشكُّل جيوش من العصابات الإرهابية تتستر بستار الإسلام وتتحالف مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه وعملائه وتدمر نيابة عنه دول المنطقة ومقدرات شعوبها تحت شعارات كاذبة تتعارض مع العقل والمنطق جملة وتفصيلا، ما أتاح لهذا الطارئ المستجد والغريب على المنطقة وعلى الأمتين العربية والإسلامية فرص الاستيلاء على المزيد من الحقوق الفلسطينية ودفع آلة الاستيطان والتهويد بأقصى سرعتها، واستباحة المسجد الأقصى وتدنيسه يومياً صباح مساء، وتقسيمه زمانياً وجارٍ تقسيمه مكانياً، وتحت مرأى ومسمع من يدعون كذباً وزوراً أنهم ثوار وأحرار وأنهم يقودون ثوراتهم من أجل تخليص شعوب المنطقة من الظلم والفساد واستعادة حقوقهم المسلوبة وإقامة ركائز العدل والمساواة، الأمر الذي فضح هذه الشعارات الفاسدة والباطلة لأنها قامت على باطل وفساد بيِّن، فحوَّلها إلى مجرد ترهات ومزاعم لا قيمة ولا اعتبار لها بالنسبة للمواطن العربي الغيور على دينه وعلى أرضه وشرفه وكرامته وعرضه وأخلاقه ودمائه وكبريائه، وبالتالي لا تنطلي مثل هذه الألاعيب والترهات إلا على من هم على شاكلة أولئك المأجورين والعملاء.

فالخذلان العربي والتآمر الدولي اتخذاً شكلا جديداً، فقد تخلى الأول عن صمته الذي كان يحفظ ماء وجه الحكام والأنظمة الناطقين بالعربية الذين باتوا اليوم يجاهرون في التعبير عن تآمرهم وعجزهم عن تقديم أي حل للقضية الفلسطينية بينما دول الاستعمار المتآمرة لم تعد مضطرة لتقديم أي مخطط لتصفية حقوق الفلسطينيين فأتباعها وأزلامها المستعربين يقومون بالمهمة.‏ والتآمر على القضية الفلسطينية عموماً لم ينقطع يوماً، وما زاد الطين بلة أن ذكرى وعد بلفور تتزامن هذا العام مع تآمر عربي على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، حيث تتابعت تطورات الأحداث في مدينة القدس المحتلة وتحديداً في باحات المسجد الأقصى بتواصل تدنيس الحرم القدسي وإغلاقه أمام المسلمين وفتح بواباته أمام قطعان المستوطنين المتطرفين وبإشراف وتنظيم مباشريْنِ من قبل حكومة الاحتلال الإسرائيلي...

إن التآمر والاستهتار بحقوق الشعب الفلسطيني خطوة لا تقل خطورة عن وعد بلفور نفسه، حيث ارتضت بعض الدول العربية أن تكون أدوات من أجل تنفيذ المخططات الصهيو ـ أميركية التي من شأنها حصر الفلسطينيين في كانتونات ومعازل صغيرة محاطة بالمستوطنات الإسرائيلية تعيش تحت رحمة السياسة الإسرائيلية وبالتالي التخلي عن حقوق الشعب الفلسطيني الذي ضحى من أجلها وقدم ألاف الشهداء لاسترجاعها.‏ ولابد أن نعترف، أنّ التآمر الغربي والعربي والصهيوني على القضية الفلسطينية الذي زاد من معاناة الشعب الفلسطيني، ساهمت فيه أيضاً بعض القوى الفلسطينية المرتبطة بقوى خارجية تعمل جاهدة على شق الصف الفلسطيني، وقد نجحت في ذلك من خلال تكريس الانقسام الحالي بين حركة فتح وحركة حماس لتتشكل حكومتان لشعب ليس لديه دولة، وهي حالة نادرة في العالم، حيث يشكل ذلك ذريعة للكيان الصهيوني لهضم حقوق الشعب الفلسطيني عبر الادعاء بعدم وجود جهة مخولة لاستئناف محادثات السلام من جهة وعدم قدرة الفلسطينيين على إدارة أمورهم، وبالتالي استغلال ذلك لمصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية واستمرار حصار قطاع غزة الذي يسكنه نحو مليون ونصف المليون فلسطيني ومحاولة تهويد القدس، وما الخطط الاستيطانية التي أعلن عنها مؤخرا في القدس والضفة إلا دليلا على استغلال الكيان الصهيوني لحالة التآمر والتواطؤ العربي ولا سيما من دول الخليج وفي مقدمتهم قطر والسعودية وحالة الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني الذي تكرسه الولايات المتحدة الأميركية والقوى الاستعمارية التي تعتبر أمن إسرائيل من أمنها وتعمل جاهدة للتستر على جرائم الاحتلال الإسرائيلي بمساعدة العملاء والمستعربين وبعض الدول الإقليمية في المنطقة.

في ذكرى وعد بلفور المشؤوم، نتذكر وعوداً كثيرة وُعِدْت بها الحركة الصهيونية وفيما بعد إسرائيل، كل هذه الوعود يجري تنفيذها بدقة متناهية من كافة دول العالم، لكن الوعود التي تقطع للفلسطينيين والعرب يجري التخلي عنها تماماً والانقلاب عليها، أولاً عن آخر. لقد وعدت بريطانيا في أربعينيات القرن الماضي بإقامة دولة فلسطينية، وتخلت عن هذا الوعد. ما أشبه الليلة بالبارحة، فالرؤساء الأميركيون منذ كلينتون ومروراً بجورج بوش الابن وصولاً إلى الرئيس الحالي أوباما تعهدوا بالعمل على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، لكن هذه الوعود جرى التخلي عنها تماماً.

ونتساءل في ذكرى وعد بلفور لماذا لا تجرؤ دول العالم عن التخلي عن وعودها لإسرائيل؟ وتتخلى عن وعودها للفلسطينيين...؟

الجواب ببساطة: إن إسرائيل والحركة الصهيونية هي حليف استراتيجي للدول الاستعمارية، هذا أولاً، وثانياً، لأنهما يمتلكان من وسائل الضغط الكثير وفي مختلف المجالات مما يؤثر على هذه الدول، بينما نحن كفلسطينيين وكعرب ورغم امتلاكنا لأوراق قوة ضاغطة كبيرة، إن من حيث السياسة أو في المجال الاقتصادي، لكننا لا نحسن استغلال هذه الأوراق، ونتعامل مع تلك الدول كأقطار متفرقة، وليس كصيغة جمعية مؤثرة، الأمر الذي يعني أننا نستهين بأنفسنا، بالتالي تستهين بنا هذه الدول. تلك هي الحقيقة!

ولابد أن نقر، أن تداعيات وعد بلفور المشؤوم والآثار الناجمة عن التآمر الغربي والعربي على الشعب الفلسطيني، مازالت مستمرة حتى يومنا هذا. فعلى أرض الواقع تواصل سلطات الكيان الاسرائيلي العدوانية ممارسة كل أشكال الإرهاب واغتصاب الأراضي واستيطانها لترسيخ وجودها، وتعمل على قدم وساق من أجل ترسيخ فكرة يهودية هذا الكيان المزعومة، واستكمال مراحل تصفية القضية الفلسطينية وطرح الحلول الاستسلامية التي تنسف حق العودة وتكرس الاحتلال الاسرائيلي،‏ والغريب في أمر وعد بلفور المشؤوم ودولة المنشأ أن ما تصورته تلك الدول الاستعمارية عن حالنا وموقف قادتنا وتفريطهم بحقوقهم وسيادة أوطانهم... ما زال يعمل بكفاءة عالية، فلا الوعد تمت مقاومته ووقفه ولا دولة اليهود توقفت عن التوسع والنمو في ظل حالة تشبه إلى حد بعيد حقبة الحرب الكونية الأولى وما نتج عنها وخصوصاً حال العرب وقادتهم.

فمنذ ولادة الدولة الصهيونية في عام 1948 وحتى الآن 2015 لم يتوقف التآمر الاسرائيلي لا على الشعب الفلسطيني ولا على أمتنا العربية. كل الذي حصل بعد ما يزيد عن الستة عقود: أن إسرائيل أصبحت أكثر عدوانية وصلفاً وعنصرية عاماً وراء عام. من جانب ثان: ازداد التآمر الاستعماري على الوطن العربي وهو ما يؤكد حقيقة المؤامرة التي صيغت خيوطها في أوائل القرن الزمني الماضي.

لمناسبة وعد بلفور وغيره من المشاريع التصفوية يفضي بنا هذا كله، إلى اليقين بأن ما يجري اليوم على صعيد المنطقة، من أقصاها إلى أدناها، إن هو إلاَّ واحد من تداعيات ذلك الوعد الذي أعطاه (من لا يملك لمن لا يستحق)، من قبل آرثر بلفور وزمرته، من صهاينة البريطانيين، وفي مقدمتهم سايكس وتشرشل وإيدن وتاتشر وبلير و... وإلى جانب هؤلاء ساسة أمريكا وفرنسا على مدى السنين منذ ابتلائنا بوجود هذا الكيان الإرهابي بين ظهرانينا... غير أن إيماننا وطيد،لا يتطرق إليه شك بأن مصير هذا الوجود الشاذ على أرضنا، المنافي لنواميس الطبيعة مصيره إلى زوال، في نهاية المطاف، كشأن من سبقه من الغزاة الأقدمين الذين أمسوا في ذمة التاريخ بمن فيهم (بلفور) وصحبه من عتاة المجرمين في حق أمتنا العربية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1