لازالت محدودية الدور السياسي والمجتمعي المعطى للشباب رغم مرور سنوات على التغير السياسي وانتقال العراق من الدكتاتورية الى الديمقراطية والتحول في شكل الدولة من الموحدة الى الفيدرالية والاسلوب اللامركزي في تسيير الشؤون المالية والادارية للمحافظات غير المنتظمة بإقليم.

تم ذلك وفق الدستور العراقي النافذ لعام 2005م ولاحقا قانون رقم 21 لسنة 2008م المعدل ثلاث مرات والخاص بتلك المحافظات من حيث آلية التشكيل والصلاحيات والرقابة والعلاقة بينها وبين الحكومة الفيدرالية المركزية، الا ان المعوقات التي تعتري العمل الشبابي وتمكنهم في كافة المجالات ومنها السياسي سواء اتحاديا من خلال السلطات الثلاث او محليا من خلال مجالس المحافظات لا زالت تتسم بالضعف في تأهيل وخبرة الكادر المتـخصص لإدارة المؤسسات الشبابية من الناحية الإدارية والفنية.

اضافة الى وجود ضعف في العلاقة بين المؤسسات والمنتديات الشبابية مع مجالس المحافظات، الا ان المعوق الاكبر الذي لازم الشباب العراقي ضعف المستوى الثقافي بما يخص العمل السياسي داخل الحكومات المحلية وعدم الرغبة في الدخول في العملية السياسية معزين ذلك الى التحدي القانوني اولا من حيث العمر والترشيح والتحدي المالي والتحدي الحزبي، من حيث عدم فهم قواعد اللعبة السياسية او عدم الرغبة بالدخول معها لضعف المستوى المالي والثقافي لديهم، فالدراسات النظرية لا توفر ذات المعلومات الكافية عن العمل السياسي والقانوني وطبيعة الاختلاف بين ما هو موجود في المناهج التقليدية وما هو موجود على ارض الواقع.

اضافة الى عدم السعي الى تطوير مهاراتهم والابتعاد عن مراكز البحوث والندوات التي تحاول قدر الامكان توفير دورات مجانية لمجموعة مواضيع ذات اهمية وعلاقة مباشرة بالعمل السياسي، لذلك كان التحدي الثقافي للشباب العراقي وما زال يقف عقبة في طريق التمكين السياسي للشباب عموما وفي مجالس المحافظات خصوصا.

فهناك اشكالية تتمثل في ضعف او غياب الشباب العراقي في مجالس المحافظات سواء في السلطة التشريعية او التنفيذية وماهي الاسباب والتحديات التي تعتري عملهم؟ هل تتعلق بالتحدي الثقافي والجهل السياسي ام هناك تحديات اخرى قانونية ومالية وحزبية واجتماعية؟ مما يفترض ويتطلب توفير كافة السبل التي تكفل مشاركة الشباب الفاعلة في المجتمع المحلي من خلال تذليل التحديات المختلفة واهمها التحدي الثقافي.

فمجالس المحافظات غير المنتظمة بإقليم والتي تتمتع باللامركزية الادارية واحيانا تتعداها خاصة في مسألة التشريع وان كانت محل جدل وعدم اتفاق بشأنها من حيث الصلاحية وعدم الصلاحية لتلك المجالس الا انها في المجمل لها صلاحيات واسعة تعدت اللامركزية الادارية، الا ان الملاحظ على تلك المجالس بشقيها التنفيذي المتمثل بالمحافظ والتشريعي المتمثل بالمجلس خلت من العنصر الشبابي ولسنوات كثيرة.

ولعل ذلك يرجع الى سيطرة الاحزاب السياسية على المحافظات حيث تقاسمت السيطرة فيما بينها بل اصبحت بعض المحافظات تكنى باسم الحزب الذي يسيطر عليها خاصة في الجانب التنفيذي، اضافة الى عوامل أخرى ساهمت هي الاخرى في غياب الشباب عن تلك المجالس، بل ان الاحزاب حاولت زج بعض العناصر الشبابية في بعض المحافظات من اجل السير مع موجة المطالبات الشعبية التي تظهر بين الفينة والأخرى، مطالبة بالتغيرات سواء مركزيا او محليا والتي تكون في اولوياتها اعطاء الفرصة للشباب والتجديد في الوجوه التي اصبحت مألوفة بين المواطنين، او لأسباب اخرى ومنها فوز بعض المحافظين في عضوية مجلس النواب مما يتطلب اشغال المنصب بشخص اخر.

ومثال ذلك محافظ بابل صادق مدلول الذي فاز بعضوية مجلس النواب العراقي في انتخابات عام 2018م مما تطلب اختيار البديل عنه وهذا ما حصل بالفعل من اختيار المجلس لـ(كرار العبادي) محافظا وتم اصدار مرسوم جمهوري بذلك رقم (78) بتاريخ 7تشرين الثاني2018م وهي محاولة حزبية في زج شخصية شابة في ادارة المحافظة الا ان الامر لم يسير في الاتجاه الصحيح فقد تم اقالته بعد سنة واحدة بتهم عديدة منها تزوير الوثائق المتعلقة بمكان اقامته واضراره عمدا بالمال العام بأكثر من (14) مليار دينار، اذ أصدرت محكمة جنايات بابل الهيئة الثالثة المختصة بالنظر بقضايا النزاهة يوم الثلاثاء حكماً بالسجن الشديد لخمس سنوات بحقه وفق المادة (340) عن جريمة إلحاق الضرر بالمال العام.

والحال ذاته مع تجربة اخرى تمثلت في محافظ واسط (محمد جميل المياحي) في العام ذاته الذي تم تعيين محافظ بابل (كرار العبادي) بل ان صدور المرسوم الجمهوري به من قبل رئيس الجمهورية برهم صالح في 21تشرين الثاني 2018م أي انه ومحافظ بابل المشار اليه اعلاه تمت في نفس الشهر والعام، وذلك يعود الى جملة عوامل يأتي في مقدمتها الاحتجاجات الشعبية التي كانت تشهدها بعض المحافظات وكذلك فوز المحافظين السابقين بعضوية مجلس النواب حيث فاز محافظ واسط السابق (محمود عبد الرضا الملا طلال)، الا ان المياحي يرجع الى حزب (السيد عمار الحكيم) بمختلف التسميات التي سُمي بها الحزب في كل مناسبة انتخابية، مما يعني ان الدور الذي حاولت الاحزاب السياسية اعطاءه للشباب في قيادة بعض المحافظات لم يخرج من عباءتها اطلاقا، فلم يتم تعيين محافظا شابا مستقل طيلة الفترة الممتدة من العام 2003م-2022م.

ختاما نرى ان الدور السياسي للشباب في مجالس المحافظات غير المنتظمة بإقليم بشقيها انعدم نهائيا وذلك مرده الى اسباب عديدة منها الهيمنة الحزبية المقيتة والعتيدة بل القبضة الحديدية للأحزاب السياسية الرئيسية التي تحكم اتحاديا وتقاسم المناصب بدءا الاقتصار على الوجوه القديمة في الانتخابات وعدم السماح للشباب بالترشح ضمن قوائمها ومرورا باللجان داخل تلك المجالس بعد الفوز في الانتخابات واخرها في منصب المحافظ الذي يكون من حصة الاسد الذي يسيطر على تلك المحافظة، اضافة الى قانون الانتخابات الخاص بمجالس المحافظات وشروطه التي عدلت اكثر من مرة من حيث الشهادة والعمر، كذلك تحديات الشباب نفسه من حيث المستوى الثقافي والقانوني الذي يؤهله في الوصول الى عضوية تلك المجالس او محافظا لها.

اضف تعليق