سياسة - عنف وارهاب

مسارات الظهور للتنظيمات الارهابيـــــــة في العراق

تنظيما القاعدة وداعش نموذجـــــــا

لا تتبنى التنظيمات الارهابية مسارا واحد في عملية الظهور بل تختلف فيما بينها في هذه المسألة اختلافاً جزئيـاً، بل حاولت وتحاول ايجاد اكثر من مسار لاستغلاله ومن ثم الحصول على التأييد لها ولأفكارها ومن ثم التحول الى مرحلة الكسب والجذب تمهيدا الى مرحلة التجنيد الرسمي من قبل الافراد، اذ تترك الظروف بمختلف انواعها التي تعيشها الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية وغيرها اثرا في عملية اتباع المسار الذي تراه مناسبا تلك التنظيمات من اجل استغلاله والظهور للفئة المستهدفة من قبل تلك التنظيمات.

مع الاختلاف لأول وهلة بين التنظيمين القاعدة وداعش في بعض المسائل وتشابهما في اخرى وتقارب وتباعد التنظيمين ايضا في مسألة الدولة وشكلها وآلية الحكم ووقت اقامتها وغيرها، فإن التنظيمين تشابه في جزئية الظهور في البيئة العراقية، فمسارات القاعدة وان اختلفت قليلا في الظهور عن تنظيم داعش الارهابي من حيث استغلال الظرف السياسي الذي عاشه العراق بعد العام 2003م، فعملية التغيير والتحول الذي حدث مهد وساعد كثيرا التنظيمات الارهابية لجعله مسارا لظهورها والحصول على التأييد الجماهيري لها، الا انها في المجمل اتبعت عدة مسارات للظهور في العراق من اجل تحقيق اهدافها المتنوعة ايضا، كما انها عملت على هذه المسارات وفق معطيات البيئة والمنطقة في العراق اي انها كانت وفق الحاجة المجتمعية في هذه المنطقة...

تمثلت هذه المسارات في خمسة انواع تقريبا وهي متداخلة فيما بينها :

اولاً: المسار السياسي: ساهم التغيير السياسي في العراق في العام 2003م بتغيرات في المؤسسات السياسية كافة وهي حالة طبيعية تشهدها البلدان المتحولة من والى، الا ان الامر غير الطبيعي ان يظهر الخلاف بين الفواعل السياسية الحاكمة والمؤثرة، اولى هذه المسائل الخلافية تمثلت في الجمعية الوطنية العراقية من حيث التكوين والتمثيل لجميع الاطراف التي تمثل فئات الشعب العراقي المتنوع، اضافة الى الخلاف في التصويت على الدستور العراقي النافذ لعام 2005م وامتناع احدى المكونات عن ذلك بحجج واسباب مختلفة وغيرها من المسائل ذات الطابع السياسي التي ساهمت في ظهور التنظيمات الارهابية فيما بعد، اذ كان المسار السياسي فرصة كبيرة لتنظيم القاعدة في الظهور وتنفيذ عملياته في مختلف مناطق العراق، اما تنظيم داعش الارهابي فإن ظهوره بهذه التسمية في العام 2013م استغل المسار السياسي ايضا، فالخلافات السياسية في ذلك العام وقبله مهدت ظهوره بشكل كبير، اضافة الى استغلال المسار السياسي العربي وما شهده من تغييرات جذريـة في بلدان وجزئية في اخرى.

ثانياً: المسار الطائفي: رغم انه نتاج المسار السياسي الا انه يعد من اولى هذه المسارات التي اتبعتها التنظيمات الارهابية وخاصة القاعدة وداعش في العراق، اذ شهد المجتمع العراقي المتنوع بعد العام 2003م اختلافا في الرؤى في بعض المسائل رغم انها حالة طبيعية تشهدها البلدان المتنوعة جميعها لكنها في العراق لم يتم ضبطها والسيطرة عليها لتتحول مسألة الاختلاف الى الخلاف، استغل تنظيم القاعدة الارهابي هذا الامر وجعله مسارا قويا للظهور بعدما نجح جزئيـا في توفير بيئة حاضنة له، رغم انها لم تستمر اي تلك البيئة في كونها حاضنة بل اصبحت مقاومة لها بعد سنوات قليلة، لكنها عادت مرة اخرى بسبب المسار السياسي وسياسة الحكومة مع بعض المحافظات العراقية آنذاك، الامر الذي استفاد منه تنظيم داعش الارهابي في الظهور عام 2014م واعلانه خلافته المكانية، ويراهن التنظيم على ذلك المسار كثيرا في الابقاء والظهور بين الحين والاخر لان يدرك جيدا ان هناك عوامل محفزة ومشجعة له للظهور بين الفينة والاخرى.

ثالثاً: المسار الاقتصادي: لا يقل اهمية عن بقية المسارات التي اعتمدتها التنظيمات الارهابية للظهور في البيئة العراقية منذ التغيير وحتى الان، بل انها ترى ان الاقتصاد بحالته الضعيفة وعدم التوزيع الصحيح للثروات سواء دستوريا او واقعيا وانعدام العدالة والمساواة بين فئات الشعب العراقي المتنوع يعد بمثابة عامل ادامة لوجودها وظهورها في كل مرة، فالسياسات الاقتصادية التي تم اعتمادها في العراق بعد العام 2003م لم تكن كفيلة بالحد من الفقر والبطالة بل ساهمت في زيادتها لتصل اعلى معدلاتها، فعلى سبيل المثال رافق التغير الذي حل بالمؤسسات جميعها وتسريح العاملين فيها مما جعل هذه الفئة فرصة امام التنظيمات الارهابية في استقطابها وتجنيدها خاصة تنظيم القاعدة في الاعوام الاولى من التغير السياسي في العراق.

ورغم المحاولات الجادة من قبل الحكومات ضمن المسار الاقتصادي من خلال اعادة بعض الموظفين المسرحين ومحاولة دمجهم ضمن المنظومة الجديدة الا انها لم تكن كفيلة بإنهاء المشكلة، كما ان عدم التوزيع الصحيح للثروات وخاصة النفطية خلق معاناة لدى فئات معينة، اذ اصبحت ترى في نفسها انها مهمشة وبصورة متعمدة، فتنظيم داعش الارهابي حديث الظهور استطاع استغلال هذه المسألة ليجعل من هذا المسار فرصة قوية في الظهور بل والعودة مرة اخرى الى الخلافة المكانية.

رابعاً: المسار الامني: لم يكن هذا المسار غائبا عن تفكير التنظيمات الارهابية وعلى مختلف المستويات سواء القيادية او حتى ضمن المستويات الادنى، اذ استغلت الوضع الامني الضعيف في احيان والمنعدم في احيان اخرى للظهور، فتنظيم القاعدة الارهابي عمل على هذا المسار كثيرا نتيجة حل المؤسسة الامنية وتسريح الالاف منها وعدم دمجهم من قبل الحكومة العراقية آنذاك بسبب القوانين التي شرعت لهذا الامر ومنعت التأهيل والدمج والعودة، فأغلب قيادات التنظيم كانت من ضباط الجيش السابق الذي يعرفون اسرار الدولة العراقية وخاصة الامنية مما ساهم في تحقيق اهداف التنظيم الارهابي وتنفيذ الكثير من عملياته، فالمؤسسة الامنية العراقية المتنوعة حاولت جاهدة السيطرة على الوضع الامني عبر سياسات وآليات متنوعة ايضا لكنها لم تكن مجدية في بعض الاحيان مما عمق الهوة بينها وبين المواطنين في بعض المحافظات ليستغل التنظيم الارهابي داعش ذلك الامر للظهور علنا وعبر قياداته التي كانت في اغلبها عراقية من الجيش السابق وافرادا تم تجنيدهم بدافع الحماية من الجيش العراقي الذي نعت بأكثر من وصف كانت في اغلبها بعيدة عنه لكنها الصقت به عمدا.

خامساً: المسار الاجتماعي: لا يقل هذا المسار اهمية عن المسارات السابقة اذا ما تعداها في تلك الاهمية التي ادركتها التنظيمات الارهابية منذ وقت طويل، فالتغيرات البنيوية في الاسرة العراقية والتي حصلت جراء الاحتلال الامريكي للعراق وما رافقه من عوامل مساهمة وغياب سلطات الضبط الاجتماعي وعدم قيام المؤسسات المعنية بهذه القضية بمهام نتيجة قصور وتقصير منها، وتآكل النسيج الاجتماعي وما تعرضت له باستمرار المنظومة القيمية العراقية من اعتداءات خارجية وداخلية وغيرها ساهمت وبشكل كبير في استغلال التنظيمات الارهابية لهذا المسار.

فتنظيم القاعدة استفاد كثيرا من التغيرات البنيوية في الاسرة العراقية خاصة تلك (الاسر الوحيدة) التي فقدت الاب او الام، مما جعل تلك الفئة من مقدمة اولوياته في عمليات التجنيد، كما ان تنظيم داعش الارهابي استغل ذلك بكثرة فأغلب اعضاءه ضمن المستويات الثالثة والرابعة من هذه الاسر التي لم تتعامل الحكومات العراقية المتعاقبة معها وعلى معالجة هذه الاشكالية، فالكثير من تلك الاسر عانت كثيرا مسألة عدم شعورها بالدعم والاهمية الحكومية نتيجة تعرضها لفقدان احد افرادها مما جعلها تكون مع التنظيمات الارهابية لأخذ ثأرها.

شكلت هذه المسارات مجتمعة تارة ومنفردة تارة اخرى فرصا للتنظيمات الارهابية في العراق وخاصة تنظيمي القاعدة وداعش الارهابيين، فعمليات الحصول على التأييد والمؤازرة في عدة جوانب من قبل الافراد ليست عملية سهلة قطعا اذ تدرك التنظيمات الارهابية تلك المسألة، فحاولت ونجحت في احيان كثيرة ضمن المسار السياسي من اجل ايجاد وضع تعجز الحكومة العراقية على معالجته مما يفضي في النهاية على اظهارها بمظهر الضعف والتقصير والعجز في تحقيق الاستقرار والامن للفرد، مما يساهم على الجانب الآخر في خلق دافع الحماية للفرد ذاته من خلال الانضمام الى تلك التنظيمات الارهابية.

كما ان العامل الاقتصادي يعد سلاحا ذو حدين في آن واحد، فهو عامل قوة وضعف في الوقت ذاته ويعتمد في ذلك كليا على حسن الاستغلال من عدمه لهذا العامل، فالدول تحاول وعبر سياسات تنويعيه شاملة تحقيق مستوى عال من الدخل للفرد وحسن استغلال الثروات وتقسيمها بين افراد المجتمع خوفا من تحول الافراد المهمشين اقتصاديا نحو التنظيمات الارهابية، العراق واحد من تلك البلدان التي اكتفت بمورد اقتصادي واحد الذي تمثل في النفط مما جعل اقتصاده يترجح بين الضعف والانهيار في اكثر الاحيان يرجع ذلك الى تراجع اسعار النفط في اكثر من مرة، مما خلق تقصيرا وقصورا من قبل الحكومات العراقية منذ العام 2003م وحتى الان على معالجة هذه الاشكالية، مما ساهم في وجود فئة معدمة من المجتمع اتجه بعض من افرادها الى التنظيمات الارهابية وخاصة تنظيم داعش.

ولا يخفى اثر التهميش والاقصاء الاجتماعي وغياب آليات الضبط الاجتماعي والتغيرات العديدة التي اصابت الاسرة العراقية وغيرها مسائل لم تغب عن تفكير وعمل التنظيمات الارهابية في العراق، بل حاولت استغلالها وعبر عمليات الترغيب والترهيب من اجل دعم التنظيمات الارهابية فكرياً- مادياً- تقنياً بل الابعد من ذلك من خلال استهدافهم بعمليات التجنيد والانضمام لهذه التنظيمات ومن ثم القيام بمختلف العمليات ومنها الانتحارية، وهناك اشكالية لا زالت تهمين على الدول خاصة تلك التي تمثل معاقله الرئيسية والتي تتمثل في وجود الكثير من الاسر الوحيدة التي فقدت (اب- ام-اخ) جراء العمليات التي حدث بين الطرفين (الحكومة- التنظيمات الارهابية) والتي يتواجد منها جزء في المخيمات وهم الاخطر في عمليات الاستغلال للظهور مرة اخرى بالنسبة لتنظيم داعش الارهابي، كما ان الجزء الاخر منها والذي يتواجد في المناطق التي تخضع لسيطرة الحكومة العراقية هي الاخرى لا تقل خطورة عن الاولى اذا ما تمت معالجتها وفق آليات الدمج والتأهيل والمشاركة ضمن المنظومة العراقية الرسمية.

ان معالجة هذه المسارات حكوميا يتطلب آليات متنوعة بتنوع تلك المسارات وبخطورتها او اعلى منها بقليل، فالمعالجة السياسية سواء دستوريا او قانونيا وبصورة دائمية له نتائج ايجابية ويقطع دابر التنظيمات الارهابية من الاصل بل الاعتماد على المعالجة الوقتية التي اعتمدتها الحكومات المتمثلة بالتوافقية والائتلافية التي لطالما فشلت وسببت انسدادا سياسيا ساهم في ظهور التنظيمات الارهابية وساهم في ضعف العقد الاجتماعي بين الدولة والفرد العراقي مما جعل من التنظيمات الارهابية العمل عليه، كما ان المعالجة الشاملة لا تقتصر على القانونية فحسب بل تمتد الى المعالجة الاقتصادية التي تتمثل في تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط فقط لأنه مرتبط بالتغيرات العالمية مما يفضي في النهاية الى عدم قيام الحكومة بواجباتها تجاه مواطنيها سواء في دفع رواتب موظفيها او الاستثمارات او تقديم الخدمات والذي يسهم في خفض الدافع الوطني للفرد في مقابل زيادة في دافع الانتقام او البحث عن طرف آخر غير الدولة وهو الاخطر، كما يستلزم العمل على خلق الفرص وتوزيعها للجميع بدون تفرقة وحسب مكونات المجتمع العراقي بلا تميز، وتأتي المعالجة الاجتماعية كواحدة من الاساسيات والمقدمات لمعالجة مسارات الظهور للتنظيمات الارهابية من خلال قيام مؤسسات الضبط الاجتماعي الرسمية وغير الرسمية بدورها الكامل الشامل وليس هامشيا صوريا.

فالأسرة العراقية التي تعرضت لشتى انواع التهديدات والاعتداءات يفترض ان يقابله علاجا بذات المستوى وخاصة الاسر التي تعرضت للتهميش والاقصاء وفقدان احد افرادها نتيجة العمليات العسكرية او غيرها، كما يتطلب معالجة تلك الاسر في المخيمات وعبر آليات معتمدة محليا واقليميا ودوليا من اجل القضاء على الاشكاليـة من جذورها، وتأتي المعالجة الامنية التي تتطلب من المؤسسات الامنية رصد نقطة التحول من الفكر الى العمل، فعمليات الرصد وعبر الوسائل السرية والعلنية من قبل الاجهزة الامنية جدير بالقضاء محاولات الفرد العراقي في الانضمام الى الحركات المتطرفة ومن ثم الشروع الى العمل الارهابي، اضافة الى محاولة اعادة بعض القادة الامنيين السابقين ومحاولة دمجهم بالمؤسسة الجديدة وخلق الشعور لديهم المكانة والاهمية والخبرة التي يمتلكونها.

* طالب دكتوراه، جامعة بغداد-كلية العلوم السياسية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق