آراء وافكار - مقالات الكتاب

ميزوبوتاميا

توأمة المياه والحضارة

لا أعتقد ان بلدا ًارتبط اسمه ورسمه وحضارته بالمياه والأنهار والخُصب كما هو عليه الحال بالنسبة للعراق، فجميع التسميات العربية والأعجمية التي أطلقت على هذه البلاد استوحت المفهوم الأسمي بشكل او بأخر من مفردات النهر، والشاطئ، والخصوبة. فقد اطلق على هذه الأقليم قديما ًمن قبل الأغريق مصطلح (ميزوبوتاميا) اي بلاد مابين النهرين، وهي قريبة الى التسمية الأخرى (بلاد وادي الرافدين)، تيمنا ً بالتوأمين الخالدين دجلة والفرات، كما ان لفظة (عراق) تعني بالعربية (الشاطئ، والساحل).

في حين سَمى عرب الجزيرة والمسلمون الأوائل، وبعد ان خلفوا وراء ظهورهم صحراء قاحلة هذه البلاد عند دخولهم لها بـ (أرض السواد) لخصوبة الأرض ونظارتها والخير المتوفر فيها. وهكذا يكون للعامل البيئي الجغرافي الأثر الواضح في هذا التوحد الحضاري لدى العراقيين طيلة تاريخهم الطويل، فهذا السهل المنبسط المحاط بالجبال والهضاب من الشمال والشرق، وسهول وصحراء من الجنوب والغرب، تلك الصفة التي تميزت بها ارض العراق عن باقي دول المنطقة جعلتها محل انظار واطماع الجميع.

حيث انها كانت تشكل منطقة جذب للعديد من الأقوام الذين سكنوها وشادوا فيها أرقى الحضارات نظراً لما تتمتع به من وفرة في المياه وخصوبة في الأرض. فقد شهدت بلاد ما بين النهرين هجرات بشرية متواصلة، ولا سيما الهجرات الجزرية، اي القادمة من شبة الجزيرة العربية، بعد ان حـّل الجفاف في تلك المناطق، حيث استقر بها المقام في السهل الرسوبي.

ولذلك كان العراق يمثل العمود الفقري للاستقرار البشري، اذ نشأت على ضفاف دجلة والفرات العديد من المستقرات الريفية، والعشرات من المدن ذات التاريخ العريق والتي ساهمت في بناء ونشوء الحضارة الإنسانية.

وبالمقابل وبسبب هذه الخاصية التي تفردت بها بلاد ما بين النهرين تعرضت البلاد الى غزوات متعاقبة ومن جهات متعددة طمعا ًبخيرات دجلة والفرات. النهران اللذان خلدا العراق ماضياً وحاضراً وتغنى بهما الشعراء وعلى ضفافهما قامت حضارات سومر واكد وبابل واشور، وتحددت فيما بينهما وما حولهما جغرافية العراق. واليوم تتعرض البلاد الى عدوان من نوع أخر، ونعني به شبح التصحر والجفاف، فمن نافلة القول إن جفاف نهري دجلة والفرات يشكل ازمة وجود بالنسبة للعراق كبلد، وضياع حضارة سادت وبادة على هذه الأرض.

ان الغرض من سياق هذه الشواهد التاريخية هو للتذكير بأهمية وخطورة الأزمة والتي لم ترتقِ من قبل الجهات المعنية الى مستوى إدارة الأزمات وما تطلبه من مبادرات مركزية ومتابعات ميدانية حثيثة، فقد اقتصر الأمر من قبل تلك الجهات على ردود الأفعال الآنية، ولم يستخدم الجانب العراقي أوراق الضغط التي يمتلكها، وهي كثيرة ومنها السياسية والاقتصادية والتي من الممكن ان تعزز موقفة التفاوضي مع دول المنبع، في حين نجح الجانب الآخر في ربط قضية المياه مع استحقاقات أمنية وسياسية واقتصادية.

وهنا نذكر بقول لرئيس الوزراء التركي الأسبق مسعود يلماز (المياه نفطنا وان كان هناك من يرضى باقتسام نفطه مع الأخرين فتركيا على استعداد لاقتسام مياهها)، نعم هكذا يتم التعامل مع موضوعة المياه من قبل الأطراف المعنية بهذا الحزم والجدية.

ان الذي دفعنا للخوض في هذا الموضوع الحيوي والحساس أمور عدة، منها ذلك المشهد الذي يعتصر له القلب ألما ًوهو يشاهد دجلة الخير بهذا النحول والهزال، بعد ظهور تلك الأعراض المخيفة والمتمثلة بالجزر السرطانية التي اخذت تظهر على قوامها، هذا القوام الذي ظل ممتلأً رشيقا ً ولم يرتعش يوما من أثر الشيخوخة بالرغم من تقادم الدهور.

وهذا المشهد اضحى كالكابوس المخيف الذي لا يمكن التخلص منه ــ على المستوى الشخصي على الأقلــ فتلك الجزر التي اخذت تظهر في قلب نهر دجلة باتت تتراءى لي في المنام كالدينصورات وقد أطلت برؤوسها في حِندس ذلك الشتاء الطويل. وهذا الأمر هو الذي دعى الى اطلاق تلك الصرخات المدوية والصادرة من منظمات وجهات دولية وهي تحذر من جفاف نهري دجلة والفرات بسبب السياسة المائية التي تتبعها دول الجوار، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تعدى ذلك الى آثار العراق وكنوزه الحضارية، حيث حذرت تلك الجهات الى احتمالية تعرض الآثار العراقية الى الدمار بسبب تغّير المناخ، حيث يؤدي نقص المياه إلى ارتفاع نسبة الأملاح.

والعواصف الرملية ومن ثم تآكل المواقع الآثرية في أرض الحضارات.

وهنا يجب التأكيد على بديهية هي في غاية الأهمية بالنسبة للعراق فيما يتعلق بالمياه والأنهار عموما ً، فالأمر لا ينحصر بنهر ٍ انخفضت مناسيبة، وقد تضرر الزرع والضرع من جراء ذلك، او قد يتعرض للجفاف في يوم ما، على الرغم من أهمية هذا الموضوع على البلاد والعباد، ولكن الأدهى والأمر من ذلك هو زوال وفناء حضارة قامت وسادة بسبب وجود هذين النهرين الى الدرجة التي عـُـرفت بها هذه البلاد قديما ً (بلاد ما بين النهرين أو وادي الرافدين) تيمنا ً با لخالدين دجلة والفرات، فالمعرف ان النظريات التاريخية التي تبحث في اسباب ونشوء الحضارات القديمة تقول: ان جميع الحضارات القديمة قامت على ضفاف الأنهار، وان الشواهد التاريخية تؤكد ذلك.

ويبدو ان هناك من يحاول تغيير الجغرافية والتاريخ معا، من خلال استهداف العراق في أمنه المائي، وهذا يعني استهداف أرثه الحضاري، ومن ثم وجوده كبلد محوري في منطقة الشرق الأوسط. فالبلاد معرضة لكارثة بيئية ستقضي على الزرع والضرع في قادم الأيام، وبوجود أجندة إقليمية تقف وراء ذلك. وها هو العراق اليوم يحتل المرتبة الخامسة من بين أكثر الدول تضرراً بالتغيرات المناخية. لذا يجب النظر الى هذه القضية الهامة والحساسة بمنظر شمولي واستراتيجي بعيدا ً عن ردود الأفعال الآنية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق