الأدوار النهائية في البطولات الرياضية وتحديدا كرة القدم تحتاج الى نتيجة واضحة ولا يمكن القبول بنتيجة التعادل، ويضطر الحكم الى تمديد الوقت وانهاء الأوقات الإضافية، ومن ثم الذهاب الى الركلات الترجيحية، بهدف ترشيح أحد الفريقين للمرحلة القادمة، وهذا ما تمر فيه العملية السياسية العراقية اليوم، فلابد من خروج أحد الأطراف واقصد هنا قوى الإطار التنسيقي يقابله تحالف انقاذ وطن بزعامة السيد الصدر.

الوضع الذي يمر فيه البلد هو نتيجة حتمية وعيب من عيوب النظام الديمقراطي الذي حكم البلاد بعد تغيير النظام السابق على ايدي قوات التحالف، فالديمقراطية لا تزال من الوافدات الحديثة التي لم يتم التعاطي معها على انها السبيل الناجح للخروج من الازمات التي تعصف بالبلد، بل أصبحت هي من يتوكأ عليها الأحزاب لخلق الحماية الشرعية لتخبط الكتل في إدارة الدولة.

في جميع البلدان الديمقراطية الهشة لا يوجد تقييم حقيقي او تطبيق فعلي لهذه التجربة التي نجحت الى حد ما في البلدان الاوربية، وأريد لها ان تكون البديل الكلي للأنظمة الشمولية التي حكمت البلدان العربية لعشرات العقود، ولم ترتكز في احكامها سوى على الحديد والنار، حتى حولت تلك الدول الى سجن من نوع آخر، سجون لكن يسمح لنزلائها التجول بحرية مطلقة مع التضييق الفكري.

بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية ومن بينها النظام السابق، دخل العراق الى مرحلة جديدة في الحياة السياسية، وتم لأول مرة اجراء انتخابات بكل حرية تتمتع بدرجة لا بأس بها من الشفافية، وقد افرزت هذه الانتخابات المتعاقبة بروز ا حزاب وحركات سياسية كثيرة ومختلفة في الأفكار والتوجهات وفلسفتها الخاصة بأداة الحكم.

وفي كل مرة تعقب الانتخابات ندخل مرحلة صراع لاختيار الرئاسات الثلاث واهمها رئيس الوزراء، فالاختيار الأخير هو من أشعل الحرب الداخلية، فالشهور العجاف المرت ولا تزال الطبقات السياسية تتصارع لتقاسم المغانم، ومحور الخلاف هو تمسك كل طرف بمبدأ هو يراه مناسبا لتمرير المرحلة المقبلة، ولكل واحد فيهم أسبابه التي تجعله يتطرف في الاختيار وعدم سماع الآخر.

وقد يكون من وراء هذه الاختلال في المنظومة السياسية هو الديمقراطية المغلوطة، فالعراق خرج من اشد الأنظمة بطشا وشمولا الى اشد الديمقراطيات انفتاحا، ووقع بالخطأ الجسيم الذي لا يزال يعاني منه ولا يمكن الرجوع الى الوراء وإعادة التجربة الشمولية التي تجعل سلطة القرار بيد الرئيس يشاركه في ذلك حاشية مقربة في اغلب الأحيان لا تخرج عن مشورته.

قرابة العقدين ولا تزال الثقافة السائدة في الأوساط السياسية قائمة على اقصاء الآخر وليس تقبله كشريك أساسي في إدارة شؤون البلد، ومن المآخذ على النظام الجديد هو الحرص على ديمومة السيطرة على السلطة وليس قيام دولة وتشييد دعائم الحكم القوي الذي يراد منه ان يكون سندا للفقير وعونا للمظلوم.

الوضعية السياسية العراقية لا تحتاج الى عدة معرفية كبيرة الحجم لمعرفة ما يدور على الساحة في الأشهر الأخيرة التي عقبت اجراء الانتخابات المبكرة في حينها، اذ انتقلت الحالة من مصلحة المكون او جهة معينة الى مراعاة المصلحة الخارجية، التي تتسبب في اغلب الأحيان بالوقوف وراء التشدد والانسداد الداخلي.

ومن يحاول ارجاع هذا الرأي بالواقع اصدق وأعمق انباء من الكتابات التي تناولت هذه الجزئية، ولا يمكن الخوض بالتفاصيل التي سبق وان تحدثنا بها في مواقف وازمات سابقة لا تقل خطورة واهمية عن الازمة الحالية، التي من الخطأ ان نسميها بمرحلة الانسداد، اذ يمكن ان تكون بداية انهيار العملية الديمقراطية.

النظام في العراق لا يزال مشوه ولا يستطيع أحد من تحديد هويته فالسمة العامة له الديمقراطية لكنه ابتعد كثيرا عن روح الديمقراطية المعهودة في الأنظمة الأخرى، فاليوم صرنا نلاحظ مقدم البرامج يحاكم بمجرد الخروج بمضمون إعلامي يشرح تقصير الحكومة إزاء مواطنيها او الإشارة الى قضية سياسية غاية في الخطورة ولا يمكن السكوت الشعبي عليها، ولك أن تحكم في أي عصر نعيش، إنها ديمقراطية الموت الوشيك لكل من يطالب بالديمقراطية الحقيقية.

مما يجري وتقدم في السنوات الماضية والشهور الأخيرة نستشف منه ان الدمقراطية العراقية تمر بمرحلة تهديم لآخر معاقلها، والصراعات على السلطة، هي اجهاز على المحاولات المستمرة للانتقال الديمقراطي الذي يعطي كل ذي حق حقه، ولا يعترف بالمفردات الحديثة التي اُدخلت الى القاموس السياسي العراقي من قبيل الأغلبية والوطنية والتوافق السياسي.

اللعبة في العراق دخلت مرحلة الأشواط الإضافية وقد تذهب الى ركلات الترجيح، ولا تزال النتيجة غير واضحة المعالم، ولا بد للفريقين ان يحسما الامر في الأيام القليلة القادمة خشية من خروج الجمهور_ الشعب العراقي_ الى الشارع وبالنتيجة يصعب اكمال البطولة والاضطرار الى الغائها والبدء بأخرى أي انتخابات مبكرة والرجوع الى المربع الأول الذي لا نحب العودة اليه مهما كلف الامر.

اضف تعليق