عانت معظم المجتمعات والحضارات والأمم السابقة من هذا المصير المشؤوم والعواقب الوخيمة بغض النظر عن حجم الكارثة أو التعقيدات المترتبة والآثار السلبية في انهيارها وسقوطها أو اختفائـها وزوال ملكها وعظـمـتها.

هناك عدة عوامل وأسباب لها علاقة كبيرة جدًا، ترتبط وتنسجم مع سنن الله تعالى ونواميسه وقوانينه، ومن ضمن تلك العوامل والأسباب التي كانت –وستبقى– سبيلًا لمحو أو انهيار مجتمعات وحضارات كانت يومًا ما، راسخة وقوية وصامدة، لفترات زمنية طويلة، ومن تلك العوامل والأسباب المهمة جدًا في نظر الكثيرين من علماء الأنثروبولوجيا والمؤرخين والباحثين في هذا المجال:

أولاً- الانحطاط الأخلاقي، ثانيًا- الاستبداد والطغيان، ثالثًا- الفساد والظلم الاجتماعي، رابعًا- كثرة الحروب والنزاعات الداخلية، خامسًا– الكوارث الطبيعية المدمرة، سادسًا- انتشار الأوبئة والمجـاعة والجفاف والتغيرات المناخية المفاجئة.

يقول المفكر الفرنسي والعالم الاجتماعي (غوستاف لوبون) في هذا المجال: "إذا ما بحثنا في الأسباب التي أدت بالتتابع إلى انهيار الأمم، وهي التي حفظ التاريخ لنا خبرها كالفرس والرومان وغيرهم، وجدنا أن العامل الأساسي في سقوطها هو: تغيّر مزاجها النفسي تغيرًا نشـأ عن انحطاط أخلاقها، ولست أرى أمة واحدة زالت بفعل انحطاط ذكائها" (1).

إن وجود الأخلاق قاعدة ضرورية لنشوء الإنسان الحضاري، كما أنها قاعدة ضرورية أيضًا لبقاء وتقدم الحضارات، ومن هنا.. فإن من أهم وأبرز عوامل انهيار المجتمعات والحضارات، هو تضييع الأخلاق، وانتشار الفساد والظلم الاجتماعي، وغياب الحكمة والتعقل في إدارة البلاد ومراعـاة العـباد.

بريطانيا العظمى.. غرّتها إمبراطوريتها المهيمنة على العالم آنذاك (الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس)، والتي ارتكبت العديد من الجرائم والانتهاكات، فأخذت تحـتل المدن مدينة بعد أخرى، فقتلت الناس بلا أدنى رحمة أو إنسانية، فجوبهت بمقاومة واسعة، فجرّت أذيال الخيبة والاندحار، وأصبحوا يطلقون عليها (المستعمر العجوز)، ورؤساء أمريكا وحلفاؤهم مغرورون بقوتهم وجبروتهم وغطرستهم، فاندحروا من فيتنام وأفغانستان، وربما سينسحبون من المنطقة العربية يـومًا ما، وسيحملون معهم أذيال الخيبة والانكسار والاندحـار.

وألمـانيا الـنازية المتطرّفة.. بلـغت مشارف موسكو العاصمة المركزية، واغترّ (هتلر) بعرقه الأزرق، وبجنسه الألماني، فقال بنظرية العرق (الجيـرمني) الأزرق المتميّز، وبقدراته الخارقة، فاندحر وانكسر، وانـتحر.

يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): "ليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد" (2).

ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بكل وضوح، حيث يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لمّا ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبيّنات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين) (3). ويقول أيضًا في كتابه العزيز: (وتلك القرى أهلكناهم لمّا ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدًا) (4).

هناك طريقتان عمليتان أو أسلوبان مشهوران على الأرجح في انهيار المجتمعات والحضارات وسقوطها ودمارها وهي كالتالي:

السقوط المفاجئ/ المباغت:

يعتبر شائعًا في الأمم والمجتمعات الماضية التي يمهلها الله تعالى، فتخوض في عصيانها وتجبرها، ثم يحل عليها العذاب الأليم دفعة واحدة بغتة أو جهرة.. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون) (5).

لقد عرض القرآن الكريم العديد من الأمثلة التي لا يمكن نسيانها، لمجتمعات جاءها نوع من العذاب الشامل، فحصدها وتلاشت واختفت من الوجود، مع اختلاف في نوع المعصية والجريمة التي كانت لديها، ونوع العذاب والعقاب الإلهي الذي حل بها:

قوم النبي نوح (ع) كان عذابهم الغرق والطوفان.. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (ونوحًا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم، ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين)(6).

وقوم النبي لوط (ع) سلط الله عليهم الصيحة، وجعل عاليها سافلها، وأمطرهم بالحجارة.. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (فأخذتهم الصيحة مشرقين، فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) (7).

وقوم النبي شعيب (ع) أخذتهم الصيحة، فكانت كالسكتة القلبية، تركتهم جاثمين في أماكنهم.. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين)(8).

وقوم النبي هود (ع) أرسل الله عليهم الريح العقيم التي أتت على دائرة الأشياء والبشر، فأهلكتها معًا.. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) (9).

وقوم النبي صالح (ع) أنزل الله تعالى عليهم صاعقة من السماء، أهلكتهم وأزالتهم من الوجود.. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين، فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون) (10).

وقوم سـبأ.. أرسل الله عليهم سيل العرم، فغرّق قراهم، وأخرب ديارهم، وأذهب أموالهم، وأبدلهم مكان جنّاتهم جنتين ذواتي أُكل خمط وأثل وشيء من سدر قـليل، ثم قال: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) (11).

السقوط التدريجي/ الاستدراج:

يعني أن عوامل السقوط والانهيار تنخر في المجتمعات بشكل تدريجي وعلى دفعات، فيدب الوهن والضعف شيئًا فشيئًا، ثم تتهاوى وتسقط، وهو ما حصل فعلًا لمجتمعات عربية وأجنبية وإسلامية في الفترات السابقة والقرون الماضية وخاصة -الدولة الأموية والعباسية والأندلسية والعثمانية وغيرها- عندما استفحل فيها الفساد والاستبداد، والتفرقة والنزاعات الداخلية، والاستغلال السيئ للنعمة، وسلب خيرات المجتمعات الأخرى وإذلالها، وتعرّض الكثيرين فيها إلى أشد وأقسى أنواع التعذيب وعمليات التهجير والنفي من البلاد، حتى سلّط الله عليها الأعداء من كل مكان، فابتليت البلاد بالفتنة والفوضى والإرهاب والخراب والدمار.. يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأملي لهم إن كيدي متين) (12).

وأخيرًا وليس آخرًا.. يكفينا (موعظةً وعبرةً) ما حلّ بالمستبدين المتطرّفين والمفسدين والمستكبرين، (الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصبّ عليهم ربّك سوط عذاب) (13)، وأذاقهم الـويلات والأمراض قبل عذاب الآخرة، وأن مجتمعاتهم وحضاراتهم آلت إلى الخراب والدمار والهلاك، بعدما كانت متنعمة ومزدهرة، وحظيت فيها مـن التنمية والتطور العمراني والتقدم الاقتصادي.

.....................................
الهوامش والمصادر:
1- د. غوستاف لوبون، السنن النفسية لتطور الأمم، ص172.
2- نهج البلاغة، عهد الأمام علي (ع) لمالك الأشتر، ص 429.
3- سورة يونس، (الآية 13).
4- سورة الكهف، (الآية 59).
5- سورة الأنعام، (الآية 47).
6- سورة الأنبياء، (الآية 76- 77).
7- سورة الحجـر، (الآية 73-74).
8- سورة هود، (الآية 94).
9- سورة الذاريات، (الآية 41-42).
10- سورة الذاريات، (الآية 43).
11- سـورة ســبأ، (الآية 17).
12- سـورة الأعراف، (الآية 182-183).
13- سـورة الفجر، (الآية 11-13).

اضف تعليق