منذ أن فتحت عينيها على هذه الحياة، رأت أباها رسول الله (ص) محملا ً بما يعانيه من ضغوطات وإساءات من المشركين الجاحدين، فتقوم (سلام الله عليها) بواجبها ودورها في تخفيف آلامه وترعاه بكل عطف وحنان.

ذات يوم رأت أباها (ص) في المسجد الحرام، وقد وضع المشركون الأوساخ على ظهره، بينما كان قائمًا يصلي لربه عز وجل، فما كان منها (عليها السلام) إلا أن تقدمت لتزيل عنه الأوساخ بيديها الصغيرتين، معبرة عن حزنها ومواساتها له (ص) بالدموع، وهذا ما جعلها تنفتح على المسؤولية وهي في عزة شبابها، لتقف إلى جانب أبيها لترعاه وتحنو عليه، وهو الذي فقد أمه (آمنة بنت وهب) منذ أمد طويل، وفقد زوجته الحانية (خديجة بنت خويلد)، التي وقفت إلى جانبه وهو يتحدى المشركين بالرسالة ويواجه التحدي من خلال الرسالة، هذا يسبه ويلعنه وذاك يتهمه بالجنون والسحر وثالث يرمي عليه الحجارة والأوساخ، وعمه أبو لهب يصرخ عليه (سحركم محمد)..

وتثقله آلام الدعوة وهو يتحملها بصبر وصمود وإرادة وعزيمة، وعندما يعود إلى البيت، يرى حنان فاطمة وعاطفتها ورعايتها التي لم تكن رعاية فتاة تبكي دون وعي وبصيرة، بل رعاية وعي وإدراك وانفتاح.. تبكي من أجل أن تواسي وتخفف الآلام عن رسول الله (ص)، فقد كانت تتحسس أن آلامه ومعاناته هي آلامها ومعاناتها.. هكذا نشأت السيدة الزهراء (ع) نشأة رسالة محمدية أصيلة في مشاعرها وعواطفها ومواقفها وكل حركاتها.

أحبّت أن تعيش في بيتها المتواضع، زهد الرسالة، وروحانية الإيمان، وبساطة العيش، وقناعة النفس، وصفاء الروح، لتعطي مثلاً و نموذجًا حيًا للبيت المسلم.. بأن يعيش الأجواء الإسلامية الخاصة من أجل أن تنمو الأجيال وتتنفس في جو إسلامي خالص.

كان رسول الله (ص) الأب الحنون والمربي لها ومعلمها الأول، يعطيها في كل يوم من أخلاقه أدبًا وخُلقًا، ومن روحه ومن عقله علمًا ووعيًا.. كانت معه في مكة المكرمة، وجزءًا من حياتها في المدينة المنورة، في الليل والنهار، يناجيها وتناجيه، وتتلمذ على يديه، وتستمد من علمه وأخلاقه.. روى الحاكم في المستدرك: "أن النبي (ص) كان إذا سافر كان آخر الناس به عهدًا فاطمة...". أي أن آخر من يلتقيه فاطمة، لتبقى صورتها في باله، وليبقى حنان فاطمة وعاطفتها التي كانت تفيضها عليه معه في سفره، يعيش في ذاكرته فيرتاح له.

ويضيف الحاكم في المستدرك أيضًا: ".. وإذا قدم من سفر كان أول الناس عهدًا به فاطمة"(1).. لأنه (ص) كان يعيش الشوق إليها كما لم يعش الشوق إلى أي إنسان آخر، ولذلك كان يعبر عن حرارة هذه الشوق باللقاء بها أول من كان يلتقيه من الناس.

وفي الاستيعاب بسنده: "سئلت عائشة: أي الناس كان أحب إلى رسول الله (ص) قالت: فاطمة، قلت: من الرجال قالت: زوجها، إن كان ما علمته صوّامًا قوّامًا.." (2).

وفي رواية أخرى وردت في حلية الأولياء لأبي نعيم أن النبي (ص) قال لها: "يا بنيّة، أما ترضين أنّك سيدة نساء العالمين، قالت: يا أبت فأين مريم ابنة عمران! قال: تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك، أما والله زوجتّك سيدًا في الدنيا والآخرة " (3).. وفي كلمة أخرى له (ص) تعبّر عن المنزلة الرفيعة، لسيدة النساء (ع) يقول فيها: "فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها فقد أغضبني" (4).. ويقول أيضًا (ص): " إنما ابنتي فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها " (5).

وفي آية التطهير المباركة.. تؤكد على طهارتها وعصمتها وعصمة أهل بيتها (عليهم أفضل الصلاة والسلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وهذه شهادة حق مؤكدة لا ينال منهم الباطل أبدًا، حيث يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرًا) (6).

وختامًا.. أراد الله عز وجل أن يجعل المرأة في موضع التكريم والقداسة، ممثلة بالسيدة فاطمة الزهراء (ع)، مثلاً ونموذجًا أعلى للناس جميعًا، لتكون قدوة للنساء والرجال، والنموذج الأسمى والأرفع الذي يحمل عقلاً نورانيًا وقلبًا طاهرًا وعلمًا واسعًا، ينفتح على الناس آخذًا بدور النبوة والإمامة في هذه المجالات.

........................................
الهوامش والمصادر:
1- أعيان الشيعة، (ج1، ص: 307).
2- أعيان الشيعة، (ج1، ص: 308).
3- حلية الأولياء، ج:2، ص: 42، وفي عوالم الزهراء، ص: 98.
4- صحيح البخاري، شرح الكرماني، ج: 15، ص: 5.
5- صحيح مسلم، ج:4، ص: 1903.
6- سورة الأحزاب، الآية (33).

اضف تعليق