جعل الله كظم الغيظ من علامات وصفات المتقين المؤمنين، واستحق الكاظم لغيظه من الله سبحانه وتعالى عظيم الثواب والأجر، لأنه تصرّف على خلاف ما تمليه عليه طبيعته وغريزته وانفعالاته. لقد تحلّى الإمام بهذا الخلق الرفيع في سيرته وحياته، حتى أصبح لقبًا له مصاحبًا وملازمًا لاسمه، ويذكر المؤرخون العديد...

عُرف عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بأخلاقه العالية وصفاته السامية، التي تبيّـن وتكشف عن رفعة مقامه وعلو مكانته، كالحلم والعفو والتسامح وكظم الغيظ والترفع عن الإساءات لمن حوله. 

ومن أشهر ألقابه (عليه السلام) التي عرف بها في حياته، وهي صفة (الكاظم للغيظ)، وسمي بها لكثرة صبره وحلمه وتسامحه وعفوه عمن كان يسيئون إليه، وما تعرض له من ظلم المخالفين والناصبين والحاقدين على أهل بيت النبوة (عليه السلام). 

يقول ابن الجوزي في صفة الصفوة: "موسى بن جعفر، كان يدعى العبد الصالح، وكان حليمًا كريمًا، إذا بلغه عن رجل أنه يؤذيه بعث إليه بمال "(1).

وقال ابن حجر: "موسى الكاظم: وهو وارثه (الإمام جعفر الصادق) علمًا ومعرفةً وكمالاً وفضلاً، سمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفًا عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه، أعلمهم وأسخاهم"(2). 

وكظم الغيظ صفة أخلاقية عالية جدًا، لا يمكن لأي إنسان أن يصل إلى هذه المرتبة، إلا إذا كان متسلحًا بالوعي والإيمان والنضج والتهذيب الروحي، وتدريب النفس على الترفع عن الإساءات التي يتعرض لها من الحاقدين والحاسدين والمبغضين، حيث إن الطبيعة الأولية التكوينية للإنسان تستجيب للمثيرات والردود الانفعالية وتتفاعل مع الاستفزازات، فيندفع الإنسان تلقائيا للانتقام والثأر، ويقع بسرعة وتهور تحت تأثير الغضب والانفعالات السلبية.

لذلك فـقد جعل الله كظم الغيظ من علامات وصفات المتقين المؤمنين، واستحق الكاظم لغيظه من الله سبحانه وتعالى عظيم الثواب والأجر، لأنه تصرّف على خلاف ما تمليه عليه طبيعته وغريزته وانفعالاته.. جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبدٌ ابتغاءً وجه الله" (3). وتحدث عنها القرآن الكريم وجعلها صفة ممدوحة، لمن يتخلق بهذه الصفة العظيمة: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)(4).

 لقد تحلّى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بهذا الخلق الرفيع في سيرته وحياته، حتى أصبح لقبًا له مصاحبًا وملازمًا لاسمه، ويذكر المؤرخون العديد من المواقف التي ضرب الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) فيها أروع الأمثلة على كظم الغيظ، في تعامله مع الآخرين، وكانت نتيجة ذلك التعامل في التأثير الإيجابي لأولئك المسيئين والمبغضين وتحويلهم إلى أشخاص محبين ومؤيدين. 

حينما اعتقل الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) للمرة الأخيرة في سجن السندي بن شاهك في بغداد، الذي عانى الإمام فيه الكثير من الأذى والتنكيل والتعذيب، لكن ذلك لم ينعكس على تعامله مع المحترفين لإيذائه، وكان أحدهم يقال له بشار، وهو مولى لمسؤول السجن السندي بن شاهك، وكان بشار هذا من أشد الناس بغضًا لآل أبي طالب، وكان يبالغ في إيذاء الإمام الكاظم (عليه السلام)، لكن الإمام (عليه السلام) كان يتحمّل إساءاته وتنكيله دون أن يقابله حتى بلفظة نابية، أو نظرة قاسية، وبعد فترة من الزمن تغيّرت شخصية بشار، وأصبح من المحبين والموالين للإمام الكاظم (عليه السلام) (5).

 السلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيًا، اللهم إنا توسلنا بك إلى الله تعالى في قضاء حوائجنا وشفاء مرضانا وتفريج همومنا، فلا تحرمنا من ألطافك وبركاتك يا سيدي ومولاي يا ابن رسول الله، وصل اللهم على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين. 

........................................

الهوامش والمصادر:

 1- مختصر صفوة الصفوة، (ص: 178).

2- الصواعق المحرقة، (ج2، ص: 590).

3- مسند الإمام أحمد بن حنبل، الحديث: (6116). 

4- سورة آل عمران، الآية: (134). 

5- حياة الإمام موسى بن جعفر، (ج: 1، ص: 487).

اضف تعليق