إن تخطي حالات الفشل والإخفاقات المتكررة وتجاوزها لا يصنعها إلا أصحاب الإرادة القوية والعزيمة العالية، هؤلاء بالطبع يمتازون بالطموح والكفاح والتحدي والإصرار، فإذا كانت الإخفاقات المتكررة تمثل خطوة للوراء، فإن تحويلها إلى النجاح والتفوق والإبداع، تمثل خطوات متقدمة للأمام والتطلع للمستقبل، والتي تدفع صاحبها، لمزيد من التحدي والإصرار والكفاح المستمر.

الناجح قد يفشل والفاشل قد ينجح، ولذلك ليس الفاشل من يقع في الفشل، إنما الفاشل من يقع فيه ويستسلم ويترك الميدان ولا يستطيع النهوض من جديد، فالحياة عبارة عن سلسلة من التجارب والخبرات، بعضها جيد والآخر سيء، وكل واحدة منها تجعلك أكثر قوة وأكثر صلابة.

هناك بعض الشخصيات في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، يَنهزِمُون في بداية المعركة والمواجهة أمام التحدّيات والأزمات والمؤامرات التي تحاك ضدهم (وما أكثرها في هذا الزمان!) أو ينخدِعون ولو من أقرب الناس المحيطين بهم، ويتعرضون للسقوط في دوامة الفشل وحالات الإخفاقات المتكررة ولا يخرجون منها، الأمر الذي يولّد عندهم تخوّفًا من الإبداع والتميّز وهروبًا من التحدّي والإنجاز، وينظرون للعالم من حولهم بالفشل والانهزامية.

وأناس يَنهضُون بقوة الإرادة وهمة عالية متجددة وبروح متفائلة مشرقة مع أنهم فشلوا في مرحلة من مراحل حياتهم، ولكن استجمعوا قواهم واستمروا في المحاولة حتى تغلبوا على الفشل والإخفاقات المتكررة ونجحوا في نهايـة المطـاف.

هل سمعتم يومًا من الأيام بأبراهام لينكولن محرر العبيد في أمريكا؟! هذا الرجل العظيم، بدأ حياته بكثير من الإخفاقات المتكررة، ولكنّه ظل صامدًا أمام التحدّيات والمؤامرات حتى استطاع أن يتربع على عرش العظمة وهو في الستين من عمره، رشح نفسه في الانتخابات الرئاسية، وانتخب كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية! وأصبح واحدًا من أقوى رؤساء أمريكا في التاريخ (1)، الذي حرّر العديد من العبيد، بلـغ عددهم أكثر من ثلاثة ملاييـن وسمّي "محرّر الـعبيد" الذي قُـتل فيما بـعد من جراء ذلك!!! وهو يقول دائمًا هذه العبارة: "لا يحزنك أنك فشلت ما دمت تحاول الوقوف على قدميك من جديد" (2).

وهذا نيلسون مانديلا رئيس جنوب أفريقيا، سجن سبعًا وعشرين سنة، وهو ينادي بحرية أمته، وخلاص شعبه من القهر والكبت والاستبداد والظلم، وهو مصرّ صامد مواصل مستميت، حتى نال مجده الدنيوي (3)، ولقد منح نيلسون مانديلا جائزة نوبل للسلام والعديد من شهادات الشرف الجامعية 1993م، ولقد جرت أولى الانتخابات في 27 نيسان (ابريل 1994م)، أدّت إلى فوز نيلسون مانديلا وأقسم اليمين الدستوري في 10 أيار (مايو) ليتولى حكم البلاد.

ومن أقواله التي خلدها التاريخ فـي لحظة توليه الحكم بعد نضال استمر ثلاثين عامًا: "لقد سرت على طريق الحرية الطويل وبذلت جهدي كي لا أتداعى أو اسقط وإن تعثرت خطواتي أحيانًا ولكنّني اكتشفت سرًا يقول إن الإنسان الحر، كلما صعد جبلًا عظيمًا وجد من ورائـه جبالًا أخرى يصعـدها" (4).

إن مفهوم الفشل والإخفاق، يختلف من إنسان لآخر، ولكنّه في حقيقته شعورٌ صعب لا يمكن وصفه بسهولة إطلاقًا نعيشه ونتعرض له ونتألم منه وأحيانًا يلازمنا ولا يفارقنا، ولكن لولا الفشل والإخفاقات المتكررة ما عرفنا طعم النجاح أبدًا والفشل ليس عيبًا بل هو ممر كلّنا نسلكه ونعتبره تجربة، ومن الأخطاء والفشل تعلمنا الكثير والكثير.

وكما يقول أحمد أمين في هذا المجال: "لا شيء يصيّرنا عظماء مثل الألم العظيم" (5)، ولكن هل نستطيع أن نتحدى فشلنا وأن نبدأ من جديد؟ ما هو شعوركم عندما يقال عنكم بأنّكم فاشلون! لا تنظروا إلى الوراء ولا تستمعوا إلى أفواه المحبطين والمدمّرين والمتشائمين ولا تلتفتوا إليهم! حاولوا دائمًا أن تتغلبوا على الظروف والعقبات التي تحيط بكم!

اعلموا دائمًا بأن الأمس انتهى وغدًا يوم جديد، لا تدعوا الفشل والإخفاقات المتكررة تدمّر حياتكم ومستقبلكم! وتسلحوا بالأمل والصبر والتوكل على الله عز وجل، ولا تفقدوا ثقتكم بأنفسكم وبقدراتكم وبمواهبكم، وأعلموا أن الحياة كلها تجارب ودروس وعبر، فشلتم اليوم، وغدًا ستنجحون وستنتصرون، بإذن الله تعالى، وهو القائل في كتابه العزيز: (ومن يتوكّل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكلّ شيءٍ قدرًا) (6).

.................................
الهوامش والمصادر:
1- محـمد فــتحي، أقوال و قصص ملهمة (ص 44).
2- روحي البعلبكي، موسوعة روائع الحكمة والأقوال الخالدة (ص 477).
3- عا ئـض القرني، لا تحـزن (ص 135).
4- سلوى العضيدان، هكـذا هزموا اليأس (ص 81).
5- روحي البعلبكي، موسوعة روائع الحكمة والأقوال الخالدة (ص 103).
6- سـورة الـطــلاق - الآية (3).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4