لابد من الاعتراف أنّ الإنسان يميل بطبعه إلى القفز والطيران بأجنحة الخيال إلى عالم الغنى والأضواء والشهرة... فالقنوات الفضائية دغدغت مشاعر العديد من الناس وجعلتهم نمذجة لفنانين ومشاهير... وللأسف فكثيرون يظنون بأن الأدباء والفنانين... كائنات خصَّتها السماء بالسعادة والطمأنينة والهناءة والسعادة المشتهاة... لكن الظن يظلّ ظناً... لأن مشاهير المشاهير من الأدباء والفنانين عاشوا حياتين متناقضتين كل التناقض، الأولى بادية مرئية يتناقل الناس أخبارها السَّارة، والثانية حياة مضمرة يعيش ويلاتها ونكباتها الأدباء والفنانون أنفسهم... وحتى لا أكون كالذي يحرث في الماء، أقدم للقارئ الكريم بعض نماذج المشاهير الذين عاشوا في الأضواء، ورحلوا في صمت بلا عزاء، بل منهم من لم يجد حتى فاتورة الدواء... والكثير منهم انتحر!؟

ولعلّ في سيرة مارلين مونرو، نجمة هوليود وقطتها المدلّلة... أجمل نساء الأرض... معشوقة الجماهير على اختلاف الشرائح... زوجة الكاتب العالمي “آرثر مللر” وعشيقة الرئيس الأمريكي” جون كينيدي"... لعل في سيرتها ما يُشكل ظاهرة تراجوكوميدية للشهرة. ففي فجر الخامس من غشت 1962 وجدت “مارلين” ميتة في فراشها، وكانت شبه عارية، بيدها سماعة الهاتف، وبجوارها زجاجة شبه فارغة لا توضح الدوافع والأسباب لانتحارها أو مقتلها.

السندريلا حسني: فقد أعلنت المحكمة البريطانية ًأن سبب وفاتها يرجع إلى الانتحار عن طريق إلقاء نفسها من شقة صديقتها “نادية يسري“. ورحيل “سعاد حسني” في العام 2001 كان الأكثر غموضاً في تاريخ القتل المبهم للمشاهير، وتداول الإعلام وقتها أن “سعاد حسني” كانت تتسول في شوارع لندن في أيامها الأخيرة، وقد وجدت جثتها ملقاة أسفل بناية كانت تقطن بها. ورغم أن تحقيقات “سكوتلاند يارد“ ترجح فرضية الانتحار فإن الكثيرين يعتقدون أنها ماتت مقتولة.

داليدا: مطربة مصرية عانقت الأضواء وحلّقت في عالم الشهرة، اشتهرت بأغاني جميلة مثل “كلمة وكلمتين... حلوة يا بلدي”، عاشت في بحبوحة طالما حسدت عليها، لكن مع ذلك فضّلت الانتحار في قمة نجوميتها بعد إصابتها بحالة اكتئاب. وداليدا مغنية خرجت من أحد الأحياء الشعبية في القاهرة لتسافر إلى فرنسا في العام 1956، وتحقق هناك شهرة واسعة لم تصل إليها أي مغنية عربية من قبل، لكنها ضاقت بالحياة، وسئمت الأضواء، واستسلمت لليأس، وسعت إلى النهاية. واستيقظ العالم في أحد أيام العام 1987 على خبر انتحارها بالتهامها عدداً كبيراً من الأقراص المنوّمة، ووجدت إلى جانبها رسالة تقول فيها: “الحياة لا تُحتمل سامحوني”.

كاميليا: كانت من أشهر نجوم السينما المصرية وأكبرهن أجراً، ولأن جمالها كان سر نجاحها، فقد تنافس الجميع على حبها ومنهم الملك فاروق وأحمد سالم ويوسف وهبي وأنور وجدي وكمال الشناوي، وأيضاً رشدي أباظة ويوسف شاهين. وأصبحت فتاة أحلام كل الشباب العرب ونافست بقوة ليلى مراد. وفي صبيحة يوم من العام 1950 ركبت “كاميليا” مع ستة ركاب آخرين الطائرة متجهة إلى فرنسا لمقابلة الملك، وبعد تحرك الطائرة بدقائق سقطت وسط الحقول وتفحمت الجثث. وبعد رحيلها تحولت كاميليا إلى أسطورة لاختلاف الناس حول كل شيء عن حياتها وعم مماتها، فالبعض أكد أن الحادث مدبر بواسطة أجهزة المخابرات المصرية بعد علمها أنها جاسوسة يهودية، والبعض الآخر أكد أن فاروق هو الذي أمر بإسقاط الطائرة بعد تأكده من أنها سربت أخبار علاقتهما إلى الصحافة.

إسماعيل ياسين وفنانون مصريون مشاهير: اسماعيل ياسين الممثل العربي المصري الذي يعرفه القاصي والداني في سلسلة أفلامه الكوميدية، أدخل البسمة إلى القلوب ولكن هل كانت حياته فرحا وسروراً...؟ نهايته كانت مؤلمة، بعدما انفضّ من حوله كل الأصدقاء، ليموت فقيرا مفلسا، بسبب المسرح الذي حمل إسمه. أمّا المخرج “عاطف سالم” الذي اكتشف “نبيلة عبيد”... مات بجلطة في المخ وشلل نصفي. أمّا الفنان “كرم مطاوع” فلم يكف زوجته الثانية المرض الذي نخر جسده النحيل، بل أهانته! وفي جنازته لم تحضر. أمّا "عماد حمدي" فكانت نهايته على يد زوجته الفنانة التي كانت تصغره في العمر، فقد استولت على جميع ممتلكاته، وعاش في آخر أيام حياته فقيرا معدما... أمّا الفنان الكوميدي “أمين هنيدي” فقد حجزت جثته بالمستشفى لعدم توفر أهله على مصاريف العلاج! أمّا الفنانة “تحية كاريوكا” التي تزوجت أكثر من اثنتي عشرة مرة، فقد عاشت في آخر حياتها بلا سكن ثابت ولا مورد رزق، لتموت معوزة! وعلى نفس الدرب سارت “فاطمة رشدي” إحدى نجمات مصر الأوائل، فكانت نهايتها مأساوية بأحقر فنادق القاهرة! كذلك الفنانة الرائعة “عقيلة راتب” التي فقدت بصرها لمدة ثماني سنوات، ماتت في صمت ولم يودّعها أحد! أمّا فنان المسرح “عزيز عيد” فكان يقتات من صناديق القمامة، وكان يسكن غرفة فوق سطح إحدى العمارات.

ولم يكن مصير الفنان الكوميدي “عبد الفتّاح القصري" باسما، إذ نهايته مأساوية بعدما فقد بصره أثناء تمثيله إحدى المسرحيات، مات بأحد الأحياء الشعبية في غرفة بأسفل المسكن، مات في صمت وجوع ورحل دون وداع من فنان! أمّا رفيق دربه “حسن فايق” فأصيب في نهاية حياته بالشلل إلى أن مات. و“شكوكو” نهايته كانت في القاع ولم يذكر أحد تاريخه وتنكّر له الكل! أمّا “استيفان روستي”، ابن البارون النمساوي فقد مات وجمع الناس له مصاريف الجنازة، وبقيت زوجته بدون مورد... إلى أن أصيبت بالجنون فماتت مفلسة. أما الموسيقار “عمر خورشيد” فكان ضحية حادث سير تقول شقيقته أن وراءه مجهولين طاردوه حتى قتلوه. أما “نيازي مصطفى” المخرج السينمائي الشهير فقد عثر عليه جثة هامدة في منزله مخنوقاً بربطة عنق. ذهب ضحية جريمة غامضة مازالت حتى الآن لغزاً بعد حياة حافلة صاخبة وحكايات كثيرة تشبه حكايات ألف ليلة وليلة، وإنجازه يزيد عن 155 فيلماً بدأها في العام 1933 بفيلم “سلامة في خير” لنجيب الريحاني وأنهاها بفيلم “القرداتي” لفاروق الفيشاوي في العام 1986.

للشهرة نعيمها وجحيمها، وهي متّهمة بريئة، مَن لا يحققها ولا يبلغها يهجُها، ويتّهمها بما ليس فيها، ومَن يبلغ فيها مراتب متقدّمة، أيضاً، يهجُها ويعتبرها سبباً في تنغيص عيشته ويحنّ إلى أن يكون نكرة يستمتع بمزايا النكرة. لذا فإن بريق الشهرة قد يعمي ويغرّر، وسرابها قد يفني ويضلّل. إنّ انتحار أديب أو شاعر أو مفكِّر أو فنان ممن يمتلكون من الشهرةِ والثروة ما يحلم به كثُرٌ من عشَّاقِ الحياة، يضطرُّنا للمرور على حياتهم وظروفهم مرور الراغب بمعرفةِ أسرار جنون هكذا نهايات، لنتساءلَ بعدها: هل يغفرُ الإبداع فعلتكم يا مشاهير الإنسانية؟.‏‏

أرنست همنغواي: الكاتب الأميركي الأشهر في كتابة القصة والرواية، والذي رغم تمجيده لقوى عقل الإنسان في رواياتٍ مثل (الشيخ والبحر) و(لمن تُقرع الأجراس) و (وداعاً للسلاح) إلا أنه وفي عام 1961 وبعد ثلاثة أسابيع من تجاوزه الثانية والستين، قام بوضعِ حدٍّ لحياته بالانتحار، بعدما فجّر رأسه ببندقيته التي وضع فوهتها في فمه ليعلن عن نهايته.

سيلفيا باث: شاعرة وروائية وكاتبة قصة قصيرة أمريكية، تعد رائدة الشعر الاعترافي، كتبت الناقوس الزجاجي إحدى أشهر الروايات الأميركية الحديثة، توفيت منتحرةً في 1963 بعد تشخيصها بالاكتئاب السريري لفترة طويلة من حياتها. حصدت بعد وفاتها جائزة البوليتزر.

روبن ويليامز: الممثل الكوميدي (63 عاماً)، الحائز على جائزة أوسكار، اشتهر بسخريته وخفة الدم التي كانت تسري في عروقه لتنتقل بجرعة واحدة إلى المشاهد، كل ما نمتلكه مجموعة لا تنتهي من الذكريات والأفلام والضحكات البريئة، ويليامز الذي عرف عنه النكتة والحذاقة والذكاء. اختار لنفسه الرحيل بطريقة جمعت كل سخرية العالم والأقدار، فقرر الانتحار نهار الإثنين 11/8/2014، تاركاً لمعجبيه صدمة لا تنتهي وحزناً لا يفارق القلوب، وإرثاً سينمائياً زاخراً بأجود الأفلام التي لم تكن لولاه، وأملاً متجدداً باستمرار روحه المطلة عبر الشاشات التي خصصت في الوقت الحالي حيزاً كبيراً من وقتها لعرض أفلامه رثاء له وتمجيداً للراحل ولمسيرته الفنية الرائعة.

ألفيس برسلي: ملك “الروك” الشهير، مازال الجدل مستمرا حول ظروف وفاته، هل انتحر أم مات؟ التحقيقات أكدّت أنّ رحيله المبكر جاء نتيجة لنهمه الشديد للطعام!

جورة ساندرز: الممثل البريطاني الشهير ونجم هوليود الشرير، توفي عن عمر 65 عاما، في أحد فنادق برشلونة الفخمة، بعدما عثر على جثته وبجانبها أربع زجاجات فارغة من مادة “بينبوتال” ورسالة وداع تقول: “أيّها العالم العزيز... أنا أغادر لأنّني اشعر بالسأم وأشعر أنّني عشت بما فيه الكفاية... “. انتحر، لأنّه سئم حياته!

ماكسويل: إمبراطور صحافة الغرب وصاحب الأسهم في كبريات وكالات الأنباء وملك العقارات واليخوت التلفزيونية... وجد في يخت عاريا بعد سهرة، ليرحل العجوز عن ثمانين عاما متعفنا بماء البحر.

جين سبيرغ: ممثلة أمريكية شهيرة، لعبت كل الأدوار، وحازت على الجوائز والإعجاب، وملأ صوتها الآفاق، لكنها عانت لفترة من الزمن من جنون الاضطهاد. لقد رحلت بعد تناول جرعة مفرطة من المنوّم وتركت رسالة تقول: “لا أستطيع العيش أكثر من ذلك مع أعصابي”.

جوني ويسمولر (طرزان): جوني ويسمولر قنبلة السينما الأمريكية على مدى ثلاثين عاما، وبطل سلسلة أفلام طرزان الشهيرة، ونجم الدورات الأولمبية في السباحة القصيرة. لقد حقّق نجاحا جماهيريا هائلا من تلك الأفلام، على جانب المكاسب المادية التي حقّقها والتي بلغت مائة ألف دولار عن الفيلم الواحد آنذاك. في شيخوخته لم يعد “لجوني ويسمولر“ مكان على شاشة السينما، واضطر للعمل موظف استقبال في أحد النوادي اللّيلية في مدينة لأس فيكاس الأمريكية ليكسب لقمة العيش. قضى السبع سنوات الأخيرة في أحد المستشفيات الخاصة بالامراض النفسية والعصبية، ليفارق الحياة معدما فقيرا، بل مريضا بجلطة في المخ.

أدولف هتلر: الداهية وصاحب العقلية العسكرية الذي فجّر الحرب العالمية الثانية التي أهلكت 80 مليون إنسانا تقريبا، نهايته كانت في ملجأ مع عشيقته “إيفا” ببرلين، حيث انتحر بعدما ابتلع السيانيد القاتل.

أخيراً وليس آخر، إن أعداد المشاهير ممن أقدموا على الانتحار كثيرة وغريبة الأسباب، لذلك نكتفي بهذه الأمثلة ليبقى السؤال: يا ترى هل هذه الظاهرة، ولدى المبدعين والفنانين تحديداً، تدلُّ على انعدام الشعور بالمسؤولية أم أنه الخوف من الاغتراب وخواء الحياة وبما يجعل المبدع في حالة عدم توازن تقي عقله مما تهدِّده به الأفكار السلبية؟‏‏

* كاتب صحافي من المغرب

اضف تعليق