في هذا الحوار، يكشفن كيف تبني المناهج الحديثة عقلية استباقية لدى الطلاب، وكيف يجمع التدريس بين الدقة العلمية والفهم الإنساني، لضمان نجاح عمليات حساسة مثل استئصال حصى المرارة، وما دور المحاكاة الطبية في إعداد كوادر مؤهلة لمواجهة تحديات غرفة العمليات الواقعية...

في كلية التقنيات الصحية والطبية في كوفة، حيث تلتقي المعرفة العلمية بالفن الإنساني، التقت “شبكتنا” بمجموعة من الأكاديميات الرائدات في قسم التخدير الأستاذة دعاء عبد الزهرة دلي، والأستاذة زهراء حسين كاظم، والأستاذة ميس كاظم عليوي. في هذا الحوار، يكشفن كيف تبني المناهج الحديثة عقلية استباقية لدى الطلاب، وكيف يجمع التدريس بين الدقة العلمية والفهم الإنساني، لضمان نجاح عمليات حساسة مثل استئصال حصى المرارة، وما دور المحاكاة الطبية في إعداد كوادر مؤهلة لمواجهة تحديات غرفة العمليات الواقعية.

بدايةً، بصفتكم ركيزة تعليمية في قسم التخدير، كيف تساهم المناهج الحديثة في بناء عقلية استباقية لدى الطالب للتعامل مع تعقيدات عمليات حصى المرارة؟

تسهم المناهج الحديثة في تعليم التخدير في بناء عقلية استباقية لدى الطالب من خلال الدمج بين المعرفة النظرية والتدريب العملي المبكر. يتم تدريب الطالب على توقع التغيرات الفسيولوجية أثناء الجراحة، مثل ارتفاع ضغط البطن بسبب النفخ بالغاز أو اضطراب التهوية نتيجة تغير وضعية المريض. كما يُشجع على التخطيط المسبق للتعامل مع صعوبة التنبيب أو حدوث نزف غير متوقع، مما يعزز من جاهزيته لمواجهة تعقيدات عمليات حصى المرارة.

يقال إن التخدير هو فن وعلم؛ أين يبرز الفن وأين يتجلى العلم عند تدريس بروتوكولات التخدير الخاصة بجراحات الجهاز الهضمي؟

يبرز العلم في تدريس البروتوكولات الدقيقة الخاصة بالتخدير، مثل اختيار العقاقير المناسبة وضبط الجرعات ومراقبة العلامات الحيوية والغازات الدموية. يعتمد هذا الجانب على الأدلة العلمية والبحوث الطبية لضمان سلامة المريض. أما الفن، فيتجلى في مهارة التعامل مع المريض وفهم حالته النفسية، والتواصل الفعّال مع الفريق الجراحي، وضبط التوازن بين العمق الكافي للتخدير وسرعة الإفاقة بعد العملية. الفن هو القدرة على تخصيص البروتوكول العلمي بما يتناسب مع خصوصية كل مريض.

 ما هي أصعب المفاهيم العلمية التي تحرصين على ترسيخها في أذهان الطلاب عندما يتعلق الأمر بالتوازن الحمضي القاعدي والغازات أثناء عمليات المرارة بالناظور؟

من أصعب المفاهيم التي يجب ترسيخها لدى الطالب هي التمييز بين الحموضة التنفسية والتمثيلية، وفهم العلاقة بين PaCO₂ ودرجة الحموضة في الدم. كما يجب عليه استيعاب تأثير النفخ بغاز ثاني أكسيد الكربون أثناء الجراحة بالناظور، وكيفية تعديل التهوية الميكانيكية بناءً على نتائج غازات الدم الشريانية (ABG). كذلك، يتعلم الطالب كيفية تفسير هذه النتائج وربطها بالوضع السريري لحظة بلحظة، وفهم آليات التعويض الفسيولوجي التي قد تكون غير كافية أثناء التخدير.

 4_ إلى أي مدى غير دخول المحاكاة الطبية في الأقسام الأكاديمية من جودة إعداد الكوادر قبل ممارسة تخدير عمليات المرارة فعلياً؟

أحدثت المحاكاة الطبية نقلة نوعية في إعداد الكوادر، حيث تسمح للطالب بخوض سيناريوهات معقدة دون تعريض المريض للخطر. من خلال المحاكاة، يكتسب الطالب الثقة والمهارة العملية عبر تكرار المواقف السريرية، مثل هبوط ضغط مفاجئ أثناء النفخ بالغاز أو اضطراب شديد في غازات الدم. هذه التجارب تعزز من قدرة الطالب على اتخاذ قرارات سريعة وصحيحة في بيئة آمنة، مما يؤدي إلى إعداد كوادر أكثر جاهزية وأقل عرضة للارتباك عند مواجهة الحالات المعقدة في غرفة العمليات.

من منظور أكاديمي، كيف يتم تعليم الطلاب بروتوكول (الإفاقة الآمنة) لمريض المرارة، وما هي المعايير التي لا تقبل المساومة فيها؟

من منظور أكاديمي، يتم تعليم الطلبة بروتوكول الإفاقة الآمنة لمريض المرارة على أساس أن مرحلة الإفاقة لا تقل أهمية عن مرحلة التخدير نفسها، لأنها الفترة الأكثر حساسية لاحتمال حدوث المضاعفات. يبدأ التعليم بترسيخ الفهم العلمي لتأثير أدوية التخدير على الوعي والتنفس والدورة الدموية، ثم ينتقل إلى التدريب العملي على المراقبة الدقيقة داخل غرفة الإفاقة.

أؤكد للطلبة أن هناك معايير لا تقبل المساومة، أهمها استقرار العلامات الحيوية، كفاءة التنفس وعودة منعكسات مجرى الهواء، السيطرة على الألم والغثيان، ووضوح مستوى الوعي قبل نقل المريض من الإفاقة. كما أعلّمهم أن أي تهاون في المراقبة أو استعجال في نقل المريض قد يعرّضه لمخاطر يمكن تفاديها بسهولة بالالتزام بالبروتوكول.

بهذا الأسلوب يفهم الطلبة أن الإفاقة الآمنة هي مسؤولية مهنية وأخلاقية، وأن نجاح عملية المرارة يُقاس بسلامة المريض حتى آخر لحظة، وليس بانتهاء الجراحة فقط.

هل هناك دراسات أو بحوث أكاديمية حديثة داخل القسم تتناول استجابة الجسم للأدوية المخدرة في حالات التهاب المرارة المزمن؟

نعم، هناك دراسات وأبحاث أكاديمية حديثة تتناول التفاعل بين الجسم والأدوية المخدرة في سياق جراحة المرارة، بما في ذلك حالات الالتهاب المزمن، وإن كانت الأدبيات العلمية أقلّ تركيزًا تحديدًا على آليات الاستجابة الدوائية في التهاب المرارة المزمن مقارنة بالدراسات العامة عن التخدير في جراحة استئصال المرارة. العديد من الأبحاث الحديثة تُركّز على تحسين تقنيات التخدير، التخفيف من استجابة التوتر الجسدي، وتحسين جودة الإفاقة والتحكم في الألم بعد العملية لدى مرضى المرارة بشكل عام، بما يشمل أولئك المصابين بالتهاب مزمن جدار المرارة، وذلك من خلال مقارنة تأثيرات أدوية التخدير مثل البروبوفول والسيـفوَرانيـل على استقرار العلامات الحيوية وتقليل استجابة الإجهاد الجسدي أثناء وبعد التخدير. هذه الدراسات تشير إلى أن اختيار تركيبة الأدوية وتأثيرها على المؤشرات الالتهابية واستعادة الوعي يمكن أن يؤثر على نتائج المرضى في عمليات المرارة، لكن الحاجة إلى مزيد من البحوث التي تركز تحديدًا على التهاب المرارة المزمن واستجابة الأدوية المخدرة في هذا السياق ما تزال قائمة.

 عمليًا، في القسم الأكاديمي يُدرس هذا الموضوع من خلال مناهج تخدير المرضى الجراحيين بشكل عام مع التأكيد على الاختلافات الفسيولوجية لدى المرضى ذوي الالتهاب المزمن وكيف تؤثر على توزيع الدواء، استجابة القلب والرئة، وتحمل الجرعات الدوائية، مع توجيه الطلبة لمتابعة أحدث الدراسات المنشورة في المجلات المتخصّصة للمزيد من التفاصيل الدقيقة والتطبيقات السريرية.

كيف يتقاطع علم الأدوية الذي تدرسونه مع الممارسة السريرية لضمان أقل قدر من الآثار الجانبية للمريض بعد استئصال المرارة؟

يتقاطع علم الأدوية الذي ندرّسه أكاديميًا مع الممارسات السريرية بشكل مباشر لضمان أقل قدر ممكن من الآثار الجانبية بعد استئصال المرارة. نبدأ بتعليم الطلبة الأسس الدوائية للأدوية المخدرة والمسكنات، من حيث آلية العمل، التوزيع، الاستقلاب، ومدة التأثير، ثم نربط هذه المعرفة بالتطبيق العملي داخل غرفة العمليات وغرفة الإفاقة.

أركّز على أن اختيار الدواء وجرعته لا يكون عشوائيًا، بل يعتمد على حالة المريض العامة، وظائف الكبد، وجود التهاب مزمن، ودرجة الألم المتوقعة بعد الجراحة. هذا الربط بين العلم والتطبيق يساعد الطلبة على تقليل مضاعفات شائعة مثل الغثيان، القيء، تثبيط التنفس، أو إطالة زمن الإفاقة.

بهذا التقاطع يفهم الطلبة أن علم الأدوية ليس مادة نظرية منفصلة، بل أداة سريرية أساسية تُستخدم بوعي ودقة لحماية المريض وتحسين جودة تعافيه بعد استئصال المرارة، وهو ما يشكّل جوهر الممارسة المهنية الآمنة في التخدير.

 كيف تنجحون كأكاديميين في ردم الفجوة بين المثالية الموجودة في الكتب الطبية وبين التحديات الواقعية التي قد يواجهها الخريج في صالات العمليات المزدحمة؟

ننجح كأكاديميين في ردم الفجوة بين المثالية الموجودة في الكتب الطبية والواقع العملي داخل صالات العمليات المزدحمة من خلال تعليم الطلبة أن العلم هو الأساس، لكن المرونة المهنية هي مفتاح النجاح. نحرص على ربط المحتوى النظري بحالات سريرية واقعية، ونعرض للطلبة سيناريوهات قد تواجههم فعليًا مثل ضغط الوقت، تعدد الحالات، محدودية الموارد، والعمل ضمن فرق كبيرة.

ندرّبهم على اتخاذ القرار السليم تحت الضغط، ترتيب الأولويات، والتواصل الفعّال مع الفريق الجراحي دون الإخلال بقواعد السلامة. كما نؤكد أن الالتزام بالمبادئ الأساسية للتخدير الآمن لا يتغير مهما ازدحمت الصالة أو تعقّدت الظروف، لكن طريقة التطبيق قد تحتاج إلى حكمة وخبرة.

بهذا النهج، يتخرّج الطالب وهو مدرك أن التميّز الحقيقي لا يعني تطبيق الكتاب حرفيًا، بل القدرة على تحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة واقعية آمنة تحمي المريض وتحافظ على جودة العمل.

 بعيداً عن الأرقام والمعادلات، كيف تزرعون في نفوس الطلبة أخلاقيات التعامل مع مريض المرارة الذي غالباً ما يكون في حالة ألم وقلق شديدين؟

بعيدًا عن الأرقام والمعادلات، أزرع في نفوس الطلبة اخلاقيات مهنة التخدير وخصوصا أخلاقيات التعامل مع مريض المرارة من خلال اهتمامهم بالإنسان قبل المرض. أعلّمهم ايضا أن المريض الذي يعاني من حصوة المرارة غالبًا يكون تحت ألم شديد وغير متوقع نتيجة الالتهاب او المشكلة الحاصلة فيها، مع قلق وخوف من المضاعفات أو التدخل الجراحي، لذلك يحتاج إلى احتواء نفسي بقدر حاجته للعلاج الطبي.

وكذلك أركز على تدريب الطلبة على الاستماع الجيد، احترام شكوى المريض وعدم التقليل من اهميته مرضه او المه الجسدي والنفسي.

  من خلال موقعكم الأكاديمي، كيف ترون مستوى الوعي المجتمعي تجاه دور تقني التخدير كشريك أساسي للجراح في نجاح عمليات المرارة؟

من خلال موقعي الأكاديمي كوني استاذة وباحثة، أرى أن مستوى الوعي المجتمعي بدور تقني التخدير ما زال محدودًا نسبيًا لان أغلب الناس يركزون اهتمامهم على الجراح فقط، رغم أن تقني التخدير يُعد شريكًا أساسيًا في نجاح عمليات المرارة لأنه هو المتحكم بعملية التخدير والمراقب للعلامات الحيوية اثناء العمليات. أوضّح دائمًا أن استقرار المريض أثناء العملية، التحكم بالألم، والتعامل السريع مع أي طارئ، كلها مسؤوليات جوهرية تقع على عاتق تقني التخدير.

وأحرص في عملي الأكاديمي على ترسيخ هذه الحقيقة لدى الطلبة، لأن نجاح العملية يتم بتكامل فريق العمل ولا يعتمد على العمل الفردي (مهارة الجراح وحده)، وتقني التخدير هو أحد أعمدة هذا النجاح، خصوصًا في عمليات المرارة التي قد تشهد تقلبات مفاجئة أثناء التخدير.

  ما هي أكثر معلومة خاطئة يتداولها الناس حول بنج المرارة وتجدون من واجبكم الأكاديمي تصحيحها للرأي العام عبر منبرنا؟

أكثر معلومة خاطئة يتداولها الناس حول بنج عمليات المرارة هي الاعتقاد بأن التخدير هو الجزء الأخطر في العملية وقد يسبب الوفاة أو عدم الاستيقاظ، بينما الحقيقة العلمية تقول إن التخدير الحديث آمن جدًا عندما يُجرى على يد فريق مختص ومُدرَّب.

من واجبي الأكاديمي تصحيح هذه الفكرة للرأي العام ويتم هذا من خلال نشر الوعي الثقافي من خلال اقامة الدورات المتنوعة لطلابتنا وكذلك نشر المعلومات من خلال منبركم الموقر، والتأكيد على أن معظم المخاطر التي يخشاها الناس أصبحت نادرة بفضل التطور الكبير في أدوية التخدير وأجهزة المراقبة الدقيقة. كما أن تقييم المريض قبل العملية، ومتابعته أثناء وبعد التخدير، يقلل المضاعفات إلى أدنى حد ممكن.

نشر هذا الوعي يخفف خوف المرضى، ويجعلهم يدخلون عمليات المرارة وهم أكثر طمأنينة وثقة بالفريق الطبي.

 ما هي نصيحتكم الذهبية لطلبة التخدير الذين يطمحون للتميز في هذا التخصص، وكيف ترون مستقبل تعليم التخدير في العراق؟

نصيحتي الذهبية لطلبة التخدير هي أن ينظروا إلى هذا التخصص على أنه مسؤولية إنسانية قبل أن يكون مهارة تقنية لان الانسانية اساس كل شي. التميّز في التخدير لا يأتي من حفظ الأدوية فقط، بل من فهم المريض، الاستعداد لكل طارئ، والعمل بروح الفريق مع الجراح والتمريض. كل دقيقة يقضيها طالب التخدير في التدريب العملي، والملاحظة الدقيقة، والتعلّم من الأخطاء، هي خطوة حقيقية نحو الاحتراف.

أما عن مستقبل تعليم التخدير في العراق، فأراه واعدًا إذا تم الاستثمار الصحيح في التدريب العملي، تحديث المناهج، وربط التعليم الأكاديمي بالواقع السريري. العراق يمتلك طاقات شابة قادرة على التميز، ومع دعم المؤسّسات التعليمية وتكثيف الدورات التخصصية، يمكن لتعليم التخدير أن يصل إلى مستويات متقدمة تواكب التطور العالمي وتخدم المريض العراقي بأفضل صورة.

نتوجه بخالص الشكر والتقدير للأستاذة زهراء حسين كاظم، والأستاذة ميس كاظم عليوي، والأستاذة دعاء عبد الزهرة دلي، على وقتهن الثمين وإسهاماتهن القيمة في إثراء الحوار، ومشاركتهن رؤيتهن الأكاديمية والعملية حول تعليم التخدير وأهمية دوره في نجاح العمليات الجراحية وحماية حياة المرضى.



اضف تعليق