نتيجتان سيئتان تتركهما عقود الاستبداد في بنية الاجتماع السياسي المتعدد، الاولى تفتت الهوية الوطنية وتفككها، والثانية تنامي الصراع داخل المكونات والجماعات للظفر بالهيمنة والسيطرة على تمثيل الجماعة واحتكار قرارها في مقابل الجماعات الاخرى.

اسابيع طويلة مترعة بالاحتكاكات والخطابات المتشنجة الممتزجة بمفاوضات واجتماعات متواصلة، لم تحسم موقف الجناحين الشيعيين الرئيسيين ازاء موضوع الكتلة الاكبر أو القبول بالتوزع ما بين معارضة وموالاة.

ما يجري من مفاوضات ومماحكات صعبة مصحوبة بوساطات تعكس أزمة الثقة العميقة والمخاوف المتبادلة واستقطاب الاحزاب والكتل الشيعية الى تيارين يتباريان في اثبات صحة مدعياتهما وشعاراتهما، فريق يرى ان الاغلبية الوطنية افضل من حكومات التوافق التي غابت عنها المعارضة المسؤول.

حكومة الاغلبية تجمع قوى متفقة على اولويات وطنية فيما يكون للمعارضة موقف المراقب المدقق الذي يكشف التجاوزات والمفاسد والمحاصصات والاتفاقات البينية التي افسدت الانجاز الحكومي وهدرت الاموال والجهود واضاعت فرصا عظيمة وسنوات ثمينة كان يمكنها ان تحصن الدولة من مزالق ومخاطر كثيرة مازالت تهدد حاضر العراق ومستقبله.

ظاهر هذا السرد واقعي (مشروط بصدق النوايا) وينم عن محاولة لنقل التجربة السياسية الى مرحلة الخروج من نفق التوافق والمشاركة الجماعية التي تضع فيها القوى السياسية قدمين قدم في مغانم السلطة وقدم في نقدها، لمغازلة الجمهور المحبط، في مقابل هذه السردية تقف سردية موازية تدعي ان مشروع الاغلبية الوطنية يخفي هدف استبعاد قوى شيعية واقصاء اخرى، واختزال المشهد السياسي الشيعي ومصلحة المكون بشعارات فضفاضة لا يمكن تحققها، الى القفز على واقع متخم بالتعدد والانغلاق المكوناتي، وغياب الاحزاب الوطنية العابرة.

وبالتالي فان هذا المشروع عبث داخلي وتضحية بمصالح المكون واضعاف لوحدة بيته، في وقت لم تزل الخريطة السياسية تكشف عن تضاريس وديموغرافيا بدائية تمثل مصالح فئات ومذاهب وقوميات، وليس اتجاهات سياسية عابرة للمكونات.

وحتى يكتمل السرد السياسي المتخم بالشكوك، فان كل فريق يعّرض بالفريق الاخر ويحمله مسؤولية الانقسام والاستقواء بقوى محلية وخارجية، ليعود التأويل والتفسير يتحرك من منظورات عدائية انقسامية تخوينية.

بلوغ الصراع الداخلي هذا المستوى من العداء، يعيد الى الاذهان عدم قدرة كل مكون على القبول بالتعددية السياسية داخله، وعجز الزعامات عن ادارة الاختلاف والتعارض في تقدير المصالح لحد التهديد واستخدام العنف الرمزي والعملي لاخافة الاخر والضغط عليه.

اذا بقيت الامور تدور في هذا النطاق، فان احتمالات انفلات الوضع ليست مستبعدة، ما يعني ان التلويح بالقوة سيكون احد ادوات حسم الصراع ودفع طرف او بعض اجزائه دفعا الى الانزواء والقبول بالخروج من معادلة الحكم.

ولان التواجد في السلطة صار عنوانا للقوة والجماهيرية فان كل طرف سيقاتل من اجل الابقاء على حصته، وستتحول النزاعات داخل المكون الواحد الى مشكلة وطنية، مع انها في واقعها غير ذلك، بل هي مشكلات ما قبل الدولة وما قبل الاجتماع السياسي الحديث، ان هذا النوع من المشكلات لا يتوقع ان تحسم الا ضمن سياق طويل من الممارسة السياسية العلنية ذات الجوهر الفكري والسياسي والتنظيمي الواضح والشفاف.

اما في ظل هيمنة البيوتات والزعامات والفصائل التي تدمج الديني بالسياسي والمقدس بالمدنس، وتخاطب الجمهور بغرائزه الدينية ومشاعره التعصبية، فلا امل بحل عقلاني لهذه الصراعات، لان الوعي الجماعاتي هو الغالب على السلوك السياسي ولاحضور كبير لمفهوم الوطن والدولة ومصالح الوطن والامة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق