ثمة من لا يريد التعمق في حيثيات الإشكالية العراقية، ومواجهة تحديات مرحلة ما بعد 2003، لكنه يؤمن بفرضية حرق المراحل لعل الصدفة تأتي بمنقذ معالج لبيئة باتت تعاني من عمليات تلغيم وتفخيخ للوضع، بينما مؤشرات الوضع الحياتي، أخذت تسجل تراجعا كبيرا على مسرح الخارطة الدولية.

هذه الحقيقة المرة التي يهرب منها أغلب القوى السياسية، ويفشلون جميعا لمجرد الوصول اليها، كونها السبيل الوحيد للحفاظ على مبادئ الدولة ودستورها، وثوابت الأداء الوطني، وإنجاز للشق العملي لبرامجها الحزبية عندما تخاطب الشعب في مرحلة الدعاية الانتخابية، أو في مواجهة الجمهور عبر شاشة الفضائيات واللقاءات المباشرة والاتصال عبر وسائل الاعلام الأخرى، فالقادة العظام، والقوى الحزبية التي خلدها التاريخ، ما وصلت لهذا المستوى وحب الناس والتأثير في الكتاب والمدونين، لولا عظمة مستوى الأداء ونوعية العطاء، والتمسك بأصالة الانتماء للوطن والشعب، والوصول به لدرجة العيش الرغيد برخاء، فهل من قائد انتجته مرحلة ما بعد 2003 ، وهل من حزب بلغ درجة التأثير في الأوساط الجماهيرية؟

في البلدان المستقرة تواجه الأنظمة وحكامها وقواها الحزبية تحديا كبيرا من حالة الاندثار، دون تخليد لأسمائهم لمجرد ان تغيب عن المشهد وعن صفحات الصحافة وشاشات التلفزة، ومنصات التواصل الاجتماعي، فالشعب يبحث عن خدماته المكفولة بالدستور وهي حقوق ثابتة، والحاكم أو الحزب الحاكم ليست منة منه أن يوفر تلك الحقوق، فالمسيرة مستمرة والأوضاع مستقرة، انما الفرصة تتاح كثيرا في بلدان الفوضى وغير المستقرة، إذ إن الفوضى تحصل جراء التناحر والتنافس العشوائي بين مختلف القوى السياسية في إدارة أمور الدولة، ببرامج طارئة أو مستنسخة، أو محورة ولا تصلح للتطبيق، حيث تتحول الصورة الى ما يشبه بحر هائج يكنس كل شيء من طحالب وكثبان رملية ونباتات طبيعية.

فحالنا في العراق كأنه بحر هائج منذ ما يقرب من العقدين من الزمن، وبحاجة الى هدوء في جريانه، ذلك يتطلب توافر القائد المشخص لنقاط الخلل، ولديه القدرة في مسك آليات التعامل مع الوضع، وينتشل الناس من خطر السيول الجارفة، فالبرنامج الأنجع من يقدمه الحزب والمسؤول النوعي، وبخلاف ذلك تبقى الأزمة قائمة.

وبغية الوصول الى مركز الإشكالية العراقية، فقد خاضت البلاد انتخابات العاشر من تشرين الأول 2021 التي وصفت بـ{المبكرة} بغاية معالجة الخلل والوهن الذي أصابها من جراء انتخابات 12 مايس 2018 المشكوك بشرعيتها، جراء ما رافقها من عمليات تزوير فاضحة، وسكتت عنها الحكومة العراقية آنذاك، لذلك السؤال هل ستنقل الانتخابات الأخيرة العراق الى بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية إيجابية؟ تنعش روح الوطن، وتمنح شعبه شيئا من الخدمات، وتعالج واقعا منحدرا بمؤشرات خطيرة في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية إذا ما تحدثنا عن وجود 10 ملايين طفل تحت خط الفقر بنسبة اجمالية في البلاد هي 31 % و15 مليون شاب جلهم من حملة الشهادات الجامعية عاطلين عن العمل، من إجمالي حوالي 40 % من البطالة تسجل بعموم البلاد، وأربعة ملايين عراقي يعيشون في عشوائيات، وإن ربع العشوائيات من نصيب العاصمة بغداد، وحوالي 113 مليار دولار نسبة الديون الداخلية والخارجية، وانتهاكات خطيرة تحصل لأطفال يتركون الدراسة ويلجؤون الى مزاولة أعمال شاقة فوق طاقتهم، او يذهبون الى التسول في الشوارع كمهنة طارئة لسد مصروفات أسرهم، فهل يقارن أبناء الفقراء هؤلاء مع أبناء المسؤولين الممسكين بالسلطة منذ 18 عام، وهل نوقشت هذه المؤشرات في اجتماعات أحزابهم وأدائهم في العمل التنفيذي؟

وإذا كنا على قناعة من اخفاق في الأداء السياسي، بمستوياته الحزبية والتشريعية والتنفيذية، على مدى 18 عاما، يمكن قياسه من خلال نسبة مقاطعة الشعب العراقي لانتخابات تشرين 2021، التي تقول بعض المصادر، انها وصلت الى 85 بالمئة، فأن أبرز تحديات ما بعد إعلان نتائجها، أنها أفرزت جدلية معقدة تتعلق بتشكيك بعض القوى السياسية بنزاهة الانتخابات المبكرة، وانه ليس بمقدورها توفير المناخ السياسي المناسب للإصلاح، وتحرير البلاد من افرازات أربع دورات انتخابية سابقة مربكة للوضع العراقي، والخوف من أن تنجم عنها مؤشرات جديدة من الفقر والمجاعة والتجهيل وغياب الوعي، فهل من منقذ، أم يكمن الحل بيد قوى حزبية عليها، أما أن تصلح نفسها، أو تترك الملعب لمن يجيد فن اللعب؟.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق