وانا اطالع برامج المرشحين على اختلاف انتماءاتهم السياسية، أتساءل إن كان أحد هؤلاء المرشحين فكر في قضية بسيطة جدا: وهي عدم تحقيق اي من احلام الناخبين الذين اعطوه اصواتهم في حالة فوز احد المرشحين ودخوله الى البرلمان، وهو يحمل كل المطالب التي رفعها ووعد بتطبيقها. هل هي مسألة طبيعية ان ينسى المرشح برنامجه حين يصبح نائبا.

اننا نعرف جميعا الانطباع الشعبي الذي تكون لدى المواطنين طيلة الاعوام السابقة. يظهر المرشح وهو يقدم بعض الخدمات والمساعدات، وبعد فوزه لا يراه احد. هذا هو ما نعرفه وما نعيشه منذ سنوات.

اكره الصورة البدائية التي أراها كل اربعة اعوام. يقوم المرشح بتبليط شارع او توزيع بعض المساعدات مقابل الحصول على اصوات اضافية تفيده في الوصول الى البرلمان. هذه العملية تشبه اسلوب المقايضة القديم. كيس من الشعير مقابل كيس من الارز. قديما كانت الحياة البسيطة تجرى بهذا الشكل، لكن ان يستمر الحال كما كان في السابق فهذا ما لا يمكن قبوله. اذ من الممكن مقايضة سلعتين احداهما بالاخرى لحاجة الطرفين اليها، لكن ان يتطور الامر فيكون اسفلت الشارع مقابل صوتي، فهذه المقايضة غير عادلة ابدا. أنا لا أتحدث عن نكتة وانما واقع نراه ونعيشه وما زال يتكرر في تفاصيله المملة.

لأقل اننا نطبق نظاما بدائيا جدا يحصل به احد الطرفين وهو المرشح على امتيازات لا تقارن قياسا بمبلغ الاسفلت والمبالغ الاخرى، التي صرفها. لا مقارنة بين ما حصل عليه الناخب المسكين وبين ما سيحصل عليه الشخص الذي سيصبح نائبا في البرلمان. نحن امام معادلة غريبة جدا. وفي النهاية سيكون كل البرنامج الانتخابي مجرد شعارات تصطدم بالواقع السياسي وصراع الاحزاب في ما بينها.

أنا افهم البرنامج الانتخابي لا كما يفهمه اكثر المرشحين. البرنامج الانتخابي هو قبل اي شيء عقد اخلاقي يقطعه المرشح على نفسه بأنه سيحققه لمن انتخبه.

وهذا العقد لن تنتهي صلاحيته بل سيكون ملزما لمن يرفعه. ولا يمكن ان يتخلى النائب عن عقده الاخلاقي من طرف واحد ويقرر تركه وعدم تطبيقه. هنا تكمن كل مشكلة السياسة عندنا. انها فسخ العقد من طرف واحد هو المرشح بعد أن يكون نائبا.

وانا استغرب كثيرا لهذا الركض الانتخابي الذي اشتعل وسط فوضى حياتنا. رياضة انتخابية تحرق جميع السعرات الزائدة عن حاجة جسم النائب. فمن قاعة البرلمان الى مفوضية الانتخابات الى ابعد شواع نينوى القديمة. تدور حكايات تدعي الدفاع عن مكون معين، وجدل جاف عن عدم تاجيل الانتخابات.

كل هذا وغيره يتناسى دمار روح الناس سواء اكانوا نازحين ام غير نازحين. احمد الله اني لم ابتعد عن داري الى اي مكان. لكن السياسة لم تقدم لي اية فكرة ايجابية طيلة هذه الاعوام البائسة. ولا اظن ان هناك بؤسا اكثر من تصريحات رئيس الوزراء ان الفاسدين موجودون حولنا. في الحقيقة جهزتني سياسة هذه الاحزاب بوعي فارغ من اية ثقة بالمستقبل.

لقد تحولت الى كائن مسير يسمع عن الانتخابات ولا يفهم معنى هذه الكلمة. انا كائن يقوم بدور واحد وهو الدهشة والحزن من كل ما اشاهده. فهل يعقل ان تتصارع ارادات مختلفة الهوى عن موعد اجراء انتخابات لن تغير حال العراقيين الى الافضل.

والضحية هم النازحون الذين اجبر بعضهم للعودة الى مساكنهم الخاوية. ما اود قوله هو هذا الاصرار على تطبيق مقولة مكيافلي الشهيرة الغاية تبرر الوسيلة. من هو الغاية ومن هو الوسيلة.

ببساطة ايها العراقيون انتم الوسيلة بكل اوجاعكم واحزانكم اما الغاية فهو الفوز بمقعد يفتح للفائز باب سعادة لا حدود لها. لكن من سيكسر هذه المعادلة الغريبة التي وجدنا انفسنا ضحايا لها. ولا بد من ان نتصدى لهذا الخداع السياسي الذي يمارسه كثيرون باسم حقوق الناس.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق