عبر توقيع اتفاق عسكري بين روسيا وإثيوبيا صارت موسكو طرف أصيل في حال حدوث أي نزاع عسكري بين مصر وإثيوبيا مستقبلا، كحالها في الصدام الحالي بين الجيش الوطني الليبي ونظيره الجزائري، فهي القوة العظمى الوحيدة الداعمة لليبيا، والحليف الدولي الأوحد للجزائري، وكل ما حركه الجيش الجزائري على الحدود مع ليبيا مؤخرا بعد إعلان الجيش الليبي غلق الحدود بين البلدين هو سلاح روسي.

ولأن روسيا قررت التعامل مع ملف سد النهضة كحال تعاملها مع باقي الملفات وربما ببراجماتية أشد، كذلك اضطرت مصر والسودان لتنويع خيارات التعامل كحال تركيا مع روسيا بالعقد الأخير، فعادت وزيرة الخارجية السودانية تلوح بمقترح إنشاء منطقة لوجيستية روسية على ساحل بورتسودان بعد زيارتها لموسكو، بينما كان نظيرها المصري يلتقي في بروكسل كل من أمين عام حلف الناتو ورئيس المجلس الأوروبي.

وما سبق قد يجعل تصرف روسيا يذهب بنا في منطقة حوض النيل الى ما ذهبت له الأمور في سوريا دون إرادتها، وفي ليبيا بإرادتها وبرغبتها، وهو ما يعني إستنزاف تام للدول الثلاث، حتى وان كان الفارق العسكري بين إثيوبيا ومصر كبير جدا لصالح الأخيرة، فقد يأتي الرد من الاصلاء لا الوكلاء (إثيوبيا) في ليبيا، وهو ما يرغب فيه الغرب قبل الروسي نفسه، فلا مانع لدى الطرفين من إستنزاف مصر.. وبذلك الحضور تضمن روسيا لنفسها مقعد متقدم في كل النزاعات المستقبلية المنتظرة بمنطقة حوض النيل كحال النزاعات الجارية في سوريا وليبيا.

ولا داعي لتضييع الوقت في حسابات ان كانت مصر أهم لروسيا من إثيوبيا أم لا، لان روسيا بالأساس لا تهتم ولا تعول على دول في المنطقة سوى ثلاثة فقط وهم بالترتيب تركيا، إيران، الجزائر.

وبوتين يعول على الجزائر في افريقيا، بنفس درجة تعويله على تركيا وإيران في الشرق الأوسط، ولما لا وهي عدو لفرنسا، والدولة العربية الوحيدة التي تدور خارج الفلك الأمريكي، ومن لم يستوعب ماهية تواجد رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق سعيد شنقريحة لموسكو منذ ثلاثة أسابيع، فلن يستوعب تفكير واسلوب لعب فلاديمير بوتين الجديد على رقعة شطرنج أفريقيا مستقبلا.

وبرغم كل ما فعلته تركيا بداية بمقتل السفير الروسي في أنقرة وإسقاط طائرة مقاتلة روسية، مرورا بضرب مصالحهم في سوريا وليبيا وأرمينيا، وصولا لتقديم "البيراقدار" الى أوكرانيا وبولندا، ومع ذلك الروسي حسب تقديراته وتقييمه لدول المنطقة لم يجد بديل لتركيا بنفس شراسته في العالم الإسلامي السني.

ولقناعة روسيا بأن تركيا هي الوحيدة التي تصلح لقيادة العالم الإسلامي السني أسباب كثيرة، وفي المقدمة إصرار إسلاميين تركيا على إستعادة الإرث العثماني، في الوقت الذي انهارت فيه القوى العربية التقليدية، وفشل القوى الجديدة في إثبات جدارتها.

كما ان صاحب الإرث السوفيتي كما هو شديد البراجماتية كذلك هو إنتقامي جدا، ولم ينسى مواقف القاهرة معه بداية بطرد الخبراء السوفييت من مصر قبل حرب 1973م، مرورا للعب مصر السادات وقتها دور تركيا عدنان مندريس سابقا وأردوغان حاليا، من خلال إستقبال القاهرة مقر التحالف الإستخباري الدولي المعروف بأسم "نادي السفاري" والذي ضم أجهزة إستخبارات مصر، السعودية، إيران الشاه، فرنسا، المغرب، وهو التحالف الذي كان يدور في فلك الإستخبارات الأمريكية بهدف ضرب النفوذ السوفيتي في افريقيا، وصولا لدعم السادات للجهاديين الأفغان ضد السوفييت1980م... الخ

وللاسف الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي يجني ثمار أخطاء كارثية بالجملة، ارتكبت من الرؤوساء السابقين في الداخل وفي الخارج أيضا، وهنا يتضح ان مصر وقت ان أقدمت على تهدئة جبهتها مع كل من تركيا وقطر بالشهور الأخيرة لم يكن صدفة، ولكن من أجل التفرغ للخطر الأكبر القادم من الجنوب، وتخيلوا معي كيف سيكون المشهد لو تدخلت قطر بملياراتها في إثيوبيا كما فعلت في سوريا، أو لو كانت أبواق الإخوان مازالت تعوي من تركيا دون وقف بثها.

أخيراً وليس آخراً لم يعد هناك خيار للتعامل مع أردوغان الحبشة رئيس وزراء إثيوبيا المدعو أبي أحمد سوى الخيار العسكري، ولكن يبقى السؤال أن كان ذلك الخيار العسكري قادما من خارج حدود إثيوبيا، أم من الداخل الإثيوبي نفسه، وما سيحدد ذلك هو حجم الضغط الدولي على مصر، ودرجة جراءة متخذ القرار المصري.

* محلل سياسي متخصص في شئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
fady.world86@gmail.com

اضف تعليق