تعد الانتخابات العراقية القادمة من أهم الاحداث السياسية "ان لم تكن الأبرز" على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وتأتي هذه الانتخابات وسط زحمة الأحداث السياسية العراقية وسخونتها على المستوى الداخلي، فضلاً عن المتغيرات الخارجية (الإقليمية والدولية) التي من شانها أن تزيد من أهمية هذا الحدث المهم. فعلى المستوى الداخلي، يتزامن تاريخ إجراء الانتخابات مع الذكرى السنوية الثانية لانطلاق الاحتجاجات الشعبية العراقية، أو الانتفاضة العراقية (انتفاضة تشرين 2019)، وما تعرضت له، وما تركته هذه الانتفاضة في نفوس الجيل العراقي الجديد. إذ تم تحديد شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل موعداً لإجرائها، بعد أن كان من المقرر اجراءها في شهر حزيران المقبل.

أما على المستوى الخارجي، فهناك الكثير من الاحداث الإقليمية والدولية، ولاسيما تلك الاحداث التي تتعلق بالتغيير السياسي والأمني الذي طرأ أو سيطرأ على الاستراتيجية الأمريكية في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن، سواء على مستوى الداخل العراقي والحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد، الذي انطلقت بداياته مع الإدارة الأمريكية السابقة منذ منتصف العام الماضي، أو على المستوى الإقليمي، فيما يتعلق بالصراع بين واشنطن وطهران، أو بالمفاوضات الجارية بين الطرفين على مستقبل الاتفاق النووي، فضلاً عن بوادر قبول الحوار بين طهران والرياض، والتغيرات أو التطورات التي ستحدثها الانتخابات الإيرانية المقبلة على المستويين (المحلي والإقليمي) وتداعياتها السياسية والأمنية على العراق والمنطقة، إذا ما جاءت الانتخابات بالتيار المتشدد، المناوئ لحكومة روحاني.

إذ تأتي الانتخابات العراقية ضمن جملة من المتغيرات المحلية، ولعل أبرزها ما يتعلق بتغيير قانون الانتخابات، فقد نص القانون الجديد على الترشيح في الدائرة الانتخابية خلافاً للقانون السابق الذي يتم الترشيح فيه ضمن قائمة انتخابية أو بصورة فردية، وتغيير المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فضلاً عن حل الإشكاليات المتعلقة بنصاب المحكمة الاتحادية بعد إحالة عضو المحكمة القاضي السيد فاروق السامي إلى التقاعد، وما نتج عنه من إشكاليات، مثلت تحديا كبيرا أمام اجراء الانتخابات المبكرة في شهر حزيران المقبل، فضلاً عن التوافق السياسي بشأن حل مجلس النواب وتحديد تاريخ حله قبيل اجراء الانتخابات في شهر تشرين المقبل.

هذا فيما يتعلق بالإجراءات القانونية والإدارية والتنظيمية والتوافق السياسي بشأن الانتخابات المقبلة. اما على مستوى الوعي الاجتماعي والمتغيرات الديموغرافية التي احدثتها انتفاضة تشرين 2019 لدى الشعب العراقي، ولاسيما في الجيل الجديد (جيل تشرين)، وهذا ما يمكن أن نحدده على مستويين:

المستوى الأول، يتمثل في الاجراءات "آنفة الذكر"، لكونها اجراءات فعلية جاءت بها انتفاضة تشرين بإصرارها على تواصل الاحتجاجات في كل محافظات العراق الوسطى والجنوبية لأكثر من عام ونص العام "ولعلها ما تزال قائمة لحد الآن".

أما المستوى الثاني، فيتمثل في المدركات الاحتجاجية وما حققته من نتائج على مستوى الوعي المجتمعي وما خلفته من قناعات اجتماعية في نفوس الشعب العراقي عامة وجيل تشرين خاصة، أثرت سلباً على الاحزاب السياسية الحاكمة وطبيعة تعاطيها مع الاحتجاجات الشعبية، إذ بدأ هذا الجيل يغادر الكثير من المقاربات التي حكمت العقل العراقي قبل وبعد عام 2003، ولاسيما المقاربات التي تتعلق بالمذهبية والطائفية والربط بين المقاربات الدينية-الفقهية والخيارات السياسية، فضلاً عن المقاربات القبلية والعشائرية، التي كانت بمثابة العنصر الثابت في تحديد خيارات المواطن العراقي الانتخابية.

بموازاة ذلك، تبقى ثوابت الانتخابات العراقية محافظة على معالمها الأساسية بشكل عام، منذ عام 2005 وحتى الآن، إذ ما تزال تلك الثوابت تمثل عقبة حقيقية، ليس فقط أمام بيئة ونتائج الانتخابات العراقية ونزاهة العملية الانتخابية فقط، وإنما أمام عملية بناء الدولة ومستقبل العملية السياسية العراقية. فالتأثير الأمريكي–الإيراني ما يزال قائماً، وله دور كبير على الساحة العراقية (السياسية والأمنية)، على الرغم من غموض الملف العراقي بالنسبة للإدارة الأمريكية الجديدة، وما مدى تأثير الانتخابات الإيرانية المقبلة على الداخل العراقي.

فضلاً عن ذلك، ما يزال السلاح خارج إطار الدولة يمثل التحدي الأبرز والأقوى أمام سلطة الدولة ونزاهة العملية الانتخابية، بالإضافة إلى تنامي نشاط تنظيم "داعش" الإرهابي بشكل كبير في الفترة الأخيرة، ومن المحتمل أن يتنامى بشكل أكبر كلما اقتربت الانتخابات العراقية من موعدها المحدد، وستبقى فرضية إعادة سيناريو تنظيم داعش "ولو بصورة مختلفة" حاضرة في المشهد السياسي العراقي في الفترة المقبلة؛ لمكاسب سياسية داخلية أو لدواعِ سياسية إقليمية.

كذلك ما تزال المعادلة السياسية العراقية محتفظة بخارطتها الجغرافية وتحالفاتها السياسية المناطقية والمذهبية والحزبية، بعيداً عن البرامج الانتخابية التي من شانها أن تكون الفيصل في إرادة الناخب العراقي وتطوير العمل السياسي في العراق، فضلاً عن العلاقة المشوهة والمعقدة بين المركز والإقليم، التي تخضع للمزاجات الشخصية والمصالح الحزبية الضيقة، بعيداً عن الدستور والقانون، وسيبقى الاداء السياسي متعثراً وحبيس الإرادات الضيقة وزعماء القوى السياسية، وسيبقى المواطن العراقي يأن تحت نقص الخدمات الاساسية، ولاسيما فيما يتعلق بالماء والكهرباء والصحة والتعليم وغيرها من القطاعات الاساسية في ظل تنامي مؤشرات الفساد والفقر بشكل خطير، فضلاً عن ذلك، ما تزال مشكلة النازحين والمناطق المتنازع عليها باقية دون أية حلول.

صفوة القول: هل ستكون مخرجات انتخابات 2021 وما تنتجه من حكومة وسلطة تشريعية قادرة على حل تلك المشاكل والازمات، التي لازمت العمليات الانتخابية السابقة، أم ستكون المخرجات الانتخابية كسابقتها؟

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق