المؤسسة السياسية شأنها كسائر الأشياء التي يصنعها الإنسان، إما أن تكون صناعتها جيدة أو تكون رديئة، وحتى مع وجود الأدوات اللازمة فمن المؤكد لا تعمل من تلقاء نفسها، بمعنى أن تكون اليد المصنعة هي التي تدير أما بكفاءة وفاعلية أو عكس ذلك، وهذا يرتبط بمستوى فهم النخب السياسية.

على المستوى الشعبي باتت الصور اليومية للضجر الشعبي تمعض قلب السلطة فتلك الإرادة الحرة للمواطن أصبحت تستنكر الممارسات الوحشية التي تسلب حقوقه، بل وضعت العقبات بشكل متوالي من خلال نفوره الذي لا يمكن تجاهله.

ارتبطت السلطة بحضورها في جميع مؤسسات الدولة. وإذا أردنا قراءة ذلك الارتباط ومؤثراته سنجده مجموعة من الممارسات التي يمكن اختصارها في حالة الفشل في بناء الدولة ومؤسساتها وان الأمثلة والشواهد كثير على ذلك.

مع قرب موعد الانتخابات العراقية المقرر اقامتها في 10 تشرين الأول 2021 هناك مخاوف من استمرار الأحداث التي تقوم على مزيجا من التوترات التي تنعكس على مسار الممارسة الديمقراطية كما حدث سابقا عندما انخفض الإقبال على الانتخابات، عكست تلك التجارب فقدان ثقة الجمهور في الحكومة والنخب السياسية، وخلال الانتخابات الأخيرة التي جرت في 2018 بلغت نسبة المشاركة حسب ما هو معلن 44 % وقيل أنها أقل من تلك النسبة بكثير، لكن بكل الأحوال أنها الأضعف بين جميع الانتخابات التي أجريت منذ عام 2005.

على الرغم من أحراز تقدما سياسيا في بعض المراحل، إلا أن البلد لا يزال أقل بكثير من مستوى التوافق الذي يمكن من خلاله الحد من الانقسامات وضمان التمثيل المناسب والمشاركة الواسعة لجميع المكونات، وتهيئة الظروف للحكم الفعال.

في المقال السابق "مؤشرات السلوك العنيف" وضحنا بعض المعايير التي من شانها أن ترشد الناخب بمعرفة اصول الاختيار الصحيح والذي لخص بوضع المرشح على محك الاختبار، لكن في هذه المقالة نضع سلسلة من الاحتماليات التي قد تتزامن على المدى القريب مع الانتخابات وما بعدها من تشكيل الحكومة وهي:

أولا. لا زالت دول جوار العراق تفضل بأن تكون الحكومة ضعيفة من أجل التدخل مقابل وجود دول أخرى.

ثانيا. لازالت بعض القوانين والاجراءات غير واضحة وتعيق عملية الانتخابات. هناك انتقادات واسعة لما تفضله الكتل السياسية الكبيرة، جعلت من الصعب على المرشحين الجدد في القوائم الصغيرة أن تنافسها.

ثالثا. هناك مخاطر تكمن في المواقف والتصريحات خلال المرحلة التي تسبق الانتخابات وما بعدها، من شانها أن تقوض العلاقات بين المكونات السياسية وبالتالي قد تؤدي إلى اضطرابات.

رابعا. لازالت الثقة مفقودة بعمل مفوضية الانتخابات وتتعرض باستمرار لاتهامات وانتقادات واسعة، حتى أن بعض المرشحين والمراقبين تحدثوا عن تزوير النتائج، وضعف التحقيق في المخالفات، واختراق نظام التصويت الإلكتروني، وشيوع المال الانتخابي.

خامسا. تسود مخاوف من تأخير تشكيل الحكومة بعد إجراء الانتخابات وإصرار القوى الخاسرة الى تقويض النتائج بسبب فشلها في تأمين مواقعها في الحكومة الجديدة.

حتى مع وجود صلاحيات دستورية بتعديلات من خلال (المادتان 126 و142) بعد إجراء استفتاء وطني، لكن حاليا من الصعب إجراء هذا التعديل المرتبط بقواعد اللعبة السياسية. الانتخابات ليست غاية فحسب، إنما هي مقدمة لتشكيل حكومة جديدة وقادرة على الحكم، وقد تحدث وتنتهي خلال يوم واحد لكن المهم أن تكون ناجحة، وأن تساعد في استعادة العراقيين الثقة المفقودة في الحكومة ومؤسسات الدولة والنخبة الحاكم.

تعتبر الانتخابات علامة بارزة في أي ديمقراطية. بعد ما يقرب عقدين من الصراع والعنف والارهاب، يستحق العراقيون حكومات متجاوبة وشاملة تعالج مخاوفهم وتعزز الازدهار والأمن. حان الوقت الآن لوضع البلاد على طريق الاستقرار وإجراء انتخابات نزيهة تراعي النظام الانتخابي الصالح والإدارة والتثقيف الشعبي والمراقبة الدقيقة، وان يكون لدى القادة عقلية تركز على جوهر الحكم الديمقراطية والايمان بقواعد اللعبة وبمصداقية عالية.

العراقيون سلكوا طريقا شاقا وصعبا من أجل بناء عراق ديمقراطي جديد، بل ألهمت تجربتهم العديد من الشعوب. في ظل هذه المعطيات نوصي باستثمار المجتمعات الضعيفة وغير المطلعة، من أجل فهم العملية الديمقراطية، ودعم المؤسسات الحكومية مطالب الطبقات الفقيرة والمهمشة، وكذلك دعم النخب والمنظمات والنقابات والقوى الاجتماعية والدينية من أجل مواصلة نشاطاتها وحواراتها وقيادتها في تعزيز الديمقراطية. فمتى ما وضعت الأسس لقيادة مؤهلة وناجحة فمن المؤكد ستكون هناك عملية ديمقراطية مثمرة.

* كاتب صحفي وباحث عراقي

اضف تعليق