سيكون الأمر صعبا تصور معالم التفكير الفلسفي في القرن الواحد والعشرون الذي يعد قرن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وعصر الصورة والمعلوميات والثورة العلمية، القرن الذي يقدم نفسه في مجال التقدم السريع الذي يسري في عدة مجالات، حيث السؤال الجوهري ماذا يمكن أن تقدم الفلسفة في هذا العصر؟ وهل يمكن للتفكير الفلسفي مسايرة إيقاع التطور التقني والعلمي؟

مهمة التفكير تعني إعادة صياغة الفكر من جديد في تناسب ومشكلات العصر التقني، أسئلة عن الراهن وقدرة الفلسفة في تنوير الناس أو توجيه الفكر نحو الممكن في عالم السياسة وطرائق العيش، وتحصين الذات من القلق والاغتراب الذي يصيب الكائن الإنساني من غياب الأنسنة في التفكير الذي هيمن عليه الجاهز وأصحاب التخصص من التقنيين والمهندسين، وأصحاب البرامج في الإنتاج والإشهار والتسويق، وتهميش وظيفة الفلسفة ودور الفيلسوف في تقديم الأسس النظرية والعملية للحكم الرشيد، والتعاون البناء بين الحضارات على قاعدة المساواة والمنفعة للجميع، واعتبار الفلسفة فن للتعايش والاختلاف.

فكر ينصب نفسه مدافعا عن الحقوق والحريات وإنسانية الإنسان، وتفكير يكشف عن إرادة القوة المتحكمة في العالم والبشر من خلال مفهوم السلطة وطبيعة التفكير الموجه بالميديا، وتحالف المال والاقتصاد والسياسة، وتلك القنوات الإعلامية العملاقة التي تعيد صياغة الفكر الرأسمالي عندما تتيقن أنك بالفعل مستهلك للمعلومات والأخبار والسلع، وتقدم لك الرأسمالية من وسائل الراحة وتنسى أنك في عالم لا تشعر بالاستلاب، وكونك رقما في الاستهلاك.

الأشياء انتقلت من عالم الواقع إلى العالم الافتراضي فأصبحت المعركة إعلامية ومعرفية، معركة الهيمنة والسيطرة على الجنس البشري بالقوة الناعمة والقوة المادية. وظيفة الفيلسوف كطبيب الحضارة في تقديم وصفاته الممكنة للخروج من الأزمات، وتعرية البعد السلطوي والاديولوجي للفكر الموجه بأدوات.

حضور الفلسفة كفكر إنساني ينبني على الحوار والنقاش والاختلاف أمام تفكير تقني وصناعي يروم الإنتاج والاستهلاك والتجديد في الوسائل التكنولوجية والنظريات العلمية، والفيلسوف في عمله يعود للوراء في التماس الأفكار وقراءة في ثنايا المذاهب التي ساهمت في إثراء الحياة الاجتماعية والسياسية، عندما تمدنا الفلسفة بالتنظير والتفكير في طبيعتنا ووجودنا.

نحن نعيش في زمن شديد الغرابة كما يشير لذلك فلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، غرابة العالم وقساوته تأتي من الجهل وقلة المعرفة السديدة عن الأشياء، في واقع يتوارى وينكمش، ويعوض أكثر بالصور والرموز واللغة التي بدأت تفرض نفسها على المستهلك، كما يشير لذلك الفيلسوف الفرنسي بودريار، الواقع المزيف أفقد الجمهور القدرة في التمييز بين الواقع والخيال.

ونعيش في عالم افتراضي، وحياة مفعمة بثقافة الإنتاج، ولم تعد الرموز معاني ثابتة ومتفق عليها بحيث انتقلنا من الرمز إلى التشبيه كصورة مشوهة ومعدلة، لا تحمل دلالة ومعنى من حيث الأصل، والعالم الافتراضي أصبح أكثر واقعية من عالم الواقع أمام زحف اللايقين واللامعنى. إننا نتحول إلى كائنات فارغة المحتوى بدون بوصلة أخلاقية وفكرية سوى ما يعرضه الإعلام المرئي، وسلطة الميديا أو ما تنتجه العولمة من قيم حتى أصبح الإنسان المعاصر يشعر بالاغتراب والتيه. إنه عالم ما بعد الحداثة، عالم التشتت والتفكيك والهدم.

قلق الفيلسوف شعور وتفكير ينتاب الذات في حضورها أمام عالم معقد وسريع، عالم يزداد غموضا وانفلاتا من قبضة الإنسان، وهنا تتسع الهوة بين الإنسان والواقع حتى يتحول الأخير إلى صورة مكررة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وتتبدل الحقيقة من خلال معاييرها الكلاسيكية التي كانت تعني التطابق والتلاؤم بين الفكر والواقع، وبين الذات وذاتها.

معيار التطابق في بعده المعرفي من المعايير الصورية والمادية لم تعد مقاييس للحكم على الواقع الحالي. نبهنا الفيلسوف هايدغر من خلال سؤاله عن الحقيقة والوجود إلى هذا الاغتراب والتراجع للفكر الأصيل والتفكير في الوجود، من خلال نقد الحقيقة والمطابقة، محاولة منه في العودة لأصول التفكير السليم عند فلاسفة اليونان قبل سقراط، وللتأمل في مرامي هذا الفكر المستقبلي يعني نهاية الفلسفة باعتبارها ميتافيزيقيا اكتملت وانتهت حتى تعلن عن ميلاد فكر جديد وتفكير مغاير، بنهاية الحقيقة الصلبة واليقينية.

ومهمة التفكير اليوم بسيطة ومحددة بالنتائج الفورية، بعيدا عن المفاهيم المجردة وعوالم الفلاسفة المجردة. كان الإنسان سجين الكهف وشرطه الوحيد التحرر من قيود الحواس والصعود في مراتب العلم والمعرفة، وقارئ الكوجيطو يعود لذاته كشرط للتفلسف والفهم في مسح الطاولة من جديد حتى يقيم العلاقة بينه وبين الطبيعة، في قدرة العقل على استخلاص القوانين الممكنة في التطور، والفيلسوف الذي يؤمن بقيمة الحكم الرشيد في مدينة فاضلة للتكامل والعيش بتناغم، والفلاسفة الذين وضعوا ميثاقا صريحا في انتقال الإنسان من الهمجية والتوحش إلى سيادة القوانين وروح التمدن، والفيلسوف الذي استرشد بالنقد في فهم آليات اشتغال العقل، كان هدفه بناء المعرفة، والحفاظ على القيم الأخلاقية، والتأسيس للواجب في بعده الذاتي.

نماذج من المواقف والآراء في سياق الفكر الفلسفي السابق، من خلال الوضوح والبساطة في الأفكار، ومع بداية تيارات ما بعد الحداثة هناك انقلاب في القيم وإعادة النظر في منطق الحداثة وقيم التنوير، دعوة صريحة للتجاوز والهدم. الفلاسفة الحقيقيون كما قال نيتشه هم المشرعون والآمرون، يحددون وجهة التفكير والغاية منه، ولا العودة الدائمة نحو الماضي، يعني أن الفلسفة في القرن الحالي لا بد من تعديل أهدافها، من البحث عن الحقيقة النهائية إلى النسبية والاختلاف، إثارة السؤال والغوص في الثابت إلى عملية اقتناع الإنسان بمنطق الفكر الجديد، المساير لإيقاع الحياة في ديناميتها.

دوافع الفيلسوف هنا حسب جيل دولوز بناء مفاهيم خاصة به بشرط الانفتاح على حقول ومجالات معرفية وتشييد المفهوم يستوجب دوقا فنيا عاليا من قبل الفيلسوف، واستجابة للسياق الواقعي والأهداف الموضوعة من قبل الفيلسوف، وليس ملزم على الفلسفة في القرن الحالي أن تسير وفق قواعد مسطرة أو بناء على مواصفات يروم إليها العلم الوضعي والتقنية والسياسة، بل الفلسفة من طبيعتها الانفلات من القواعد الصارمة والمبادئ الثابتة،حتى تبقى تفكيرا في الممكن والمستحيل، تسير وحدها ضمن مسارها، والفيلسوف إنسان الغد وكائن يخضع للصيرورة والتحول، لا يبقى أسيرا للنماذج في تاريخ الفلسفة، ولن يكون دوغمائيا، إنسان خارج النسق وداخله في نفس الوقت، يعمل في مجال النقد والبناء، ويترك انطباعات عن العالم، ويحرض على التفكير السليم دون أن يكون فقط أداة للتقويض والهدم.

فالتفكير الفلسفي يمدنا بالإطار النظري والعملي، ويمد السياسة بأفكار ومواقف مهمة في تجديد آليات الخطاب السياسي، وشرعنة قواعد حتى تتلاءم والمجتمع الجديد، في رؤى الفلاسفة بناء المجتمع المدني على الحقوق والحريات، تقديم مواصفات للمجتمع المفتوح لانتشال الفكر من السلطوية والايدولوجيا من مرامي التفكير الفلسفي اليوم.

مستقبل الفلسفة في أسئلتها الهامة، وقراءة الممكن في الحاضر، وما سيكون في المستقبل البعيد وفق شروط الإمكان الحضاري، وبناء على رؤية تروم الاختلاف والتسامح، فنجد الفلسفة حاضرة بسؤالها في كل الميادين من السياسية والمجتمع والفن والأخلاق، مستقبلها مقرون بعوامل سياسية وتربوية وتاريخية، في ضرورة الانفتاح وإنتاج القواعد المرنة في السياسة والفعل السياسي بعيدا عن الفكر الشمولي والأنظمة الكليانية، وفي المجتمع سؤال التجديد ومناقشة انعكاس التكنولوجيا والصورة، وانعكاس نمط الاستهلاك في السلوك وعلى العلاقات الاجتماعية، وفي الفن هناك تساؤلات ممكنة عن الإبداع والعبقرية في إنتاج أعمال فنية تعكس طابع القرن، ونتائج الإبداعات الفنية في تحسين الذوق والسمو العاطفي والوجداني.

مهمة التفكير إقامة فلسفة كونية لا تعرف التنميط، وليست منسوخة عن التفكير السابق، بل حتى الفلاسفة المعاصرين عندما استلهموا بعض معالم الأفكار السابقة، كانت تلك الأفكار مفيدة في التجاوز والبناء، ومحاولة للتغيير من أهداف الفلسفة حتى تقترب من الكائن الإنساني وهمومه، من هذا العالم الجديد الذي يتوارى في واقعه الإنسان، ويعاني من التيه والاغتراب بسبب الفكر التبسيطي حسب ادغار موران، وغياب الفكر المركب وبسبب نسيان الموجود والتفكير في الموجود حسب هايدغر، أو بسبب التسرع للقفز على الحداثة رغم أنها لم تنتهي بعد في رأي هابرماس. ولعل فوكو في وصف مهمة الفلسفة اعتبرها تشخيص للواقع على غرار عمل الطبيب النفسي في كشف حالات المريض النفسية بأدوات منها السؤال والتداعي الحر. وظيفة الفيلسوف الحفر في ترسبات المعرفة وطرف تشكيلها.

إننا في حاجة للعقل التواصلي والتماهي مع الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسعي الفلسفة لتجسيد أخلاقية التواصل والمناقشة في خلق فضاء عمومي دون إقصاء الآخر ونبذه على أساس العرق واللغة والدين، مشروع الحداثة مستمر والاهم تطعيمها والكشف عن مساوئها ومحاسنها، ونقد بعض أسسها خصوصا ما يتعلق بالعقلانية، والربط بين ماضيها وحاضرها دون القفز مباشرة على نتائجها واختزالها في أشياء معينة، هنا نلمس العمق الفلسفي في نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس وأفكاره بشكل عام في تحليل إرهاصات العصر بالنقد والتحليل، واجتراح الحلول المناسبة.

فالحقيقة التي بقيت الفلسفة تعتبرها جوهر الأشياء التي تبحث عنها موجودة في الواقع وهي من عالمنا، بالنقاش العمومي والحوار والتقاطع في الإجماع يصنع العالم تفكيرا سديدا، وتتبلور الحقائق من عالمنا المادي، وعلاقات الناس فيما بينهم، هابرماس الفيلسوف المعاصر الذي اعتبره وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر فيلسوف الجمهورية الألمانية الجديدة خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، الوريث الرئيس لمدرسة فرانكفورت، لا يتواني في استعمال آلية النقد في تكريس الرؤيا الفعلية في عالم اليوم، في نقد التقنية والعلم واعتبارهما إيديولوجيا العصر، والنقد المسلط على الوضعية العلمية والنظريات التي تدعي اليقين العلمي، وحتمية التقدم من خلال العلم دون الانتباه للحياة التي تستلزم الأخلاق والتواصل والحوار على قواعد مشتركة في بناء مجتمع أفضل، بعيدا عن إرادة القوة والنزعة المركزية الغربية المغالية في الذاتية ونزعة التفوق.

لابد من الفلسفة كفكر نقدي والوصول إلى الحقيقة المشروطة بالحوار والنقاش. فالفلسفة في القرن الحالي لا تخلو من مغامرة واستنطاق المسكوت عنه من خلال آليات التفلسف كالشك والسؤال والنقد والخلخلة والهدم، تلك الآليات التي وفرت للفيلسوف العدة في محاولة فهم وتفسير العالم، حتى يتم تأويل هذا العالم والتخطيط للمستقبل، فكرة ماركس الشهيرة ردا على فيورباخ لازال يرددها المفكرون وعلماء الاجتماع والمناضلون لأجل التغيير، أن الناس فهموا العالم على أنحاء عدة لكن الأهم هو تغييره، يعني توجيه الوعي نحو أهداف معينة في التغيير لأنماط الإنتاج والعلاقات الإنتاجية حتى يتجلى التناسب بين البنية التحتية والبنية الفوقية، وبناء نظام يستجيب للتطور والتقدم بعدما وصل النظام الرأسمالي إلى نقطة النهاية، التاريخ هنا يؤكد منطقه الخاص، حتمية الصراع والتغيير لا مفر منها عندما تكتمل الشروط الموضوعية، ويصير الوعي كذلك.

والإنسان حسب ماركس صانع للتاريخ، فلا بديل عن التفكير السليم وحكمة الإنسان في عصر تقني بامتياز حتى لا يزداد الشرخ بين الإنسان وذاته، ويتحول الإنسان إلى آلة وأداة في الإنتاج خدمة للطبقة السائدة، ويصير كائنا منغمسا في عالم الاستهلاك، هذا التيه والاستلاب من التقنية والميديا ينتجان الكائن دو البعد الواحد، والفلسفة هنا تأتي متأخرة كما قال هيجل لكنها تصيب الحقيقة في تنبيه الإنسان للواقع المزيف ولأشكال السلطة التي تدار بشكل مرئي ولا مرئي، وتعمل في توجيه الإنسان وفق مرامي الهيمنة والسيطرة عليه، وشل قواه العقلية بالتنميط والقولبة، ويكاد يجتمع الفلاسفة اليوم على القول بالطابع المركب والمعقد لعالمنا، والتهديد الذي يزداد بازدياد جشع الإنسان ورغبته في السيطرة على الجنس البشري.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق