آراء وافكار - مقالات الكتاب

الدولة العربية الحديثة والجيش

تزامن النشأة والمصير

كانت القوة العسكرية حاسمة في تأسيس الدول في العالم القديم وكان الجيش يؤشر بعد التأسيس علامات القوة والديمومة في الدولة ويمثل الأولوية المتقدمة في اهتمامات الدولة بل لعل الجيش يشكل البداية العملية الأولى للتأسيس الحضاري في العالم القديم، فالحضارات القديمة أو العمران الزراعي فيها والمسؤول عن نشأة هذه الحضارات وتكونها إنما جاء أو بدأ بفعل احتياجات الجيوش الى المال لتوفير آليات الحرب وقوة السلاح.

وجاء في تاريخ ابن خلدون من كلام أنوشروان في هذا المعنى بعينه "الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بإصلاح العمال وإصلاح العمال باستقامة الوزراء ورأس الكل بافتقاد الملك حال رعيته بنفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه" فالمُلك لا يكون أو يدوم إلا بالجيش وفق انو شروان، والمُلك تعبير يراد بها الدولة في تعبيرنا المعاصر، والعمارة والخراج والعمال والمال عناصر الحضارة القديمة وأدوات عملها وانتاجها وهي ضرورات الدولة في العالم القديم التي تقوم وتقوى بالجيش.

وظل الجيش على أهميته بالنسبة للدولة في العالم الحديث لكن شاركته في أولويات الدولة الحديثة مبادئ وقواعد أساسية جديدة وحديثة في الحكم والادارة وكان لها التأثير الأول والكلمة الفصل في ديمومة وبقاء الدولة ذات القيم والنظم الحديثة، وتراجعت وظيفة الجيش فيها أو انحسرت في عقيدة الدفاع عن الدولة وحراسة الحدود وحماية المصالح العليا للدولة وتغيرت أسماء وزارات الجيوش من وزارات حرب الى وزارات دفاع.

ولم تكن الدولة العربية الحديثة بمعزل عن هذه التحولات لكنها منحت الجيوش أولوية فائقة أعادها بذلك الى تصنيفات الدولة القديمة من حيث المبادئ والقيم التي تحكمها وتسير بموجبها مما جعل الصيغة الاساسية للدولة العربية الحديثة هي الصيغة العسكرية وصيغة نظمها هي الصيغة البوليسية.

ومما أدى الى ذلك التضايف المتشابك بين الدولة العربية الحديثة والجيش هو تزامن التأسيس بين كليهما -واهم مثال هو مصر في زمن محمد علي باشا، والعراق في زمن تنصيب الملك فيصل الأول– هذا التزامن بين كلا التأسيسين للدولة والجيش صنع هذا الارتهان والمتشابك بينهما، بل تخطى في أعقاب مرحلة التأسيس الى ارتهان الدولة العربية الحديثة كليا بالجيش، فصار الجيش هو مصدر القرار السياسي إضافة الى كونه مصدر القرار العسكري.

ولغرض تأمين الدولة العربية الحديثة من مأزق هذا الارتهان ابتكر الحاكم العربي إناطة القيادة العامة للقوات المسلحة بشخصه المناطة به القيادة السياسية، وهكذا جمع الحاكم العربي الصولجان والعسكر لتبدأ الطبيعة الدكتاتورية للأنظمة السياسية العربية الحديثة وتبدأ معها استحواذ الروح العسكرية على الخطاب السياسي للدولة العربية، فيبدو متشنجا ومتوترا يعتمد الأمر والتنفيذ ولا مجال للراي أو الرأي الأخر مما يزيد من تأزم المشهد السياسي الداخلي الذي يعاني بدوره من التوتر الحاد في العلاقة بين الحاكم والمحكومين.

وقد أدت علاقة التشابك بين كلا المؤسستين الى الحضور المستمر للجيش في الحياة السياسية في الدولة العربية، بل ان مفتاح الحل الأخير دائما لديه عبر الانقلابات العسكرية التي يمررها بادعاءات الارادة الشعبية واحتجازه أو احتكاره لهذه الارادة المفقودة أصلا في الواقع العربي السياسي مما يسمح له بوصف انقلاباته بالثورة الشعبية وهو وصف غير حقيقي بل لا يرقى باي حال الى الحقيقة.

وقد أدت تلك الحقيقة أو الحالة السياسية الخاصة بالأنظمة السياسية العربية الى ارتهان قوة الدولة ونظامها السياسي بقوة الجيش ومن ثم بسطوة المؤسسة الأمنية، فكلما كان الجيش قويا كانت الدولة العربية في سياساتها الداخلية قوية وتفرض قبضة امنية تعد أساسية في تسيير شؤون الدولة الداخلية لا سيما السياسية، لكنها ظلت هذه الدولة دائما منكمشة في سياساتها الخارجية أو ضعيفة بإزاء المبادرات والخطط الدولية والاقليمية وتعتمد منطق التنازلات، وهو وضع سياسي مزر يفسره تراجع قوة الجيوش العربية بإزاء الجيوش الدولية والاقليمية –حالة مصر وسوريا وكل الدول العربية بإزاء اسرائيل وحالة نظام الدكتاتور صدام في العراق– ولهذا ظلت الدولة العربية تبحث عن مخارج أزماتها السياسية–الخارجية في المفاوضات غير المتكافئة وتلجأ الى المنظمات والقرارات الدولية غير العادلة في أغلبها، أو تلجأ الى مبدأ الاعتماد على الحماية الأجنبية كما هو الحال في الدول الخليجية التي تعاني من الضعف العسكري في قواتها المسلحة وهو أسوأ الخيارين.

ونتيجة للدور الذي تلعبه كبريات الهويات الفرعية في الدولة العربية فإنها تضغط باتجاه تماهي الهوية الوطنية للدولة العربية الحديثة مع الهوية الفرعية والنافذة على مستوى السلطة والغالبة على مستوى التعداد الاثني والعرقي مما يدع هذه الدولة منحازة الى الفئة التي تشكل العمق التاريخي والاجتماعي وحتى الديني لهذه الدولة، وهو عمق تُجذره وتصنعه وجهة نظر السلطة الغالبة على القرار السياسي في الدولة العربية وبدورها أو نتيجة لها تتأسس الهوية السياسية والاجتماعية للجيوش العربية التي بدت تتشكل وفق المنطق المحاصصاتي للهويات الفرعية والتشكلات الاثنية مما حجّم بدوره مساحة وأهمية الهوية الوطنية الجامعة ونتج عنه تكلس مبدأ المواطنة، فجعل الدولة العربية الحديثة فاقدة للقدرة على انشاء نظام سياسي يستمد شرعيته من مصدرية الشعب سلطة وتشريعا ويعبر عن رأي الأغلبية وفق آليات الانتخابات والحياة الديمقراطية التي تستند الى مبدأ المواطنة.

وتعتبر مشكلة حصر الدولة بهوية فرعية كبرى وما يترتب عليها من ارتباك مبدأ المواطنة ومستنداته في الحرية والمساواة مشكلة بنيوية في الدولة العربية الحديثة، وهي تفصح عن اختفاء التطور التاريخي أو عدم انجازه واقعيا بالنسبة الى سيرورة البناء التاريخي والاجتماعي في هذه الدولة، ولعل انبثاقها بمحض المصادفة التاريخية هو الذي أدى ومهد الى احتواء ضرورة تطورها التاريخي والاجتماعي وأربك المسار الداخلي في بناءها وفق مبادئ العدالة المبثوثة قواعدها في تراثنا الحضاري الاسلامي ووفق قيم الحداثة في الديمقراطية وحقوق الانسان، وهذا الغياب في المبادئ الاساسية العادلة وغياب قيم الحداثة في السياسة مهد الى استحواذ الجيش على الدولة العربية الحديثة وارتهان الدولة بالمؤسسة العسكرية مما جعلها دولة قابلة للانقلابات العسكرية والوسيلة الوحيدة في تغيير الحاكم وازاحته عن قمة الهرم في الدولة العربية الحديثة، وهو ما يفسر كثرة الانقلابات العسكرية في تاريخ هذه الدولة والدول الأخرى في العالم الثالث التي تنخرط في نسيجها السياسي وتشاركها في الارتكاس التاريخي الذي تعاني منه مجموعة هذه الدول ذات الأنظمة الدكتاتورية والعسكرية.

وتظل الدولة العربية الحديثة رهينة في مستواها السياسي والاجتماعي بحالة الجيش في مستواه التنظيمي والحرفي وحجم قوته وضعفه وانضباطه وتفككه، فالدولة العربية الحديثة كلما كان فيها الجيش منضبطا وقويا فان الكفة تميل لصالح الحاكم –حالة مصر– وكلما كان الجيش غير منضبط وضعيف فان الكفة تميل لصالح التمرد الشعبي –حالة ليبيا– وكلما كان الجيش منضبطا وضعيفا وتابعا تكون الكفة متساوية بين الحاكم والمتمردين –حالة سوريا واليمن– وكلما كان الجيش منضبطا وضعيفا ومحترفا تكون الكفة راجحة لغير الحاكم والمتمردين وانما للنخب السياسية والمدنية –حالة تونس-. (راجع الجندي والدولة والثورات العربية، طيبين غماري)

وقد أدت توصيفات الجيوش العربية تلك وطبيعة العلاقة القائمة بينها وبين الحاكم من جهة وبينها وبين الشعب من جهة أخرى الى غلق أبواب الوصول الى السلطة بالآليات الديمقراطية، بل معيار الوصول الى السلطة أو امكانية ذلك الوصول منوطة بيد الجيش ولمن تميل كفته وهو في الغالب أو في الكل لصالح الحاكم، والمفارقة العربية في هذا المجال فإنه مع ضعف الجيش وعدم انضباطه وتفككه والذي قد يؤثر في سقوط الحاكم كما حدث في ليبيا واليمن إلا أن الشعب لا يتمكن من الوصول الى السلطة بل يظل بعيدا عنها ومحاصرا في الدولة، والمفارقة الأكثر تراجيديا أن الدولة ينتهي بها المطاف في حالة الجيش هذه وحالة الشعب تلك الى الانهيار والسقوط وهو ما حدث في ليبيا واليمن وسوريا لولا التدخل الاقليمي في مواجهة المتمردين والمدعومين دوليا وإقليميا.

وتظل الحالة في دولة العراق ضمن سياقات الدولة العربية الحديثة في علاقتها بالجيش وتتزامن لحظة التأسيس لها مع تأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1921م وانخراطه في مجمل وتفاصيل التاريخ السياسي لهذه الدولة شقيقة الجيش في النشأة والتكوين ونظام الحكم وهو ما أدى في النهاية الى السقوط المتزامن للدولة والجيش في 9/4/2003 م على أثر الغزو الأميركي للبلاد.

وقد بدا للمراقب أن الجيش في العراق تأثر الى حد بعيد بالنظام السياسي الجديد في الدولة العراقية بعد 9/4/2003م لكنه في طور التكوين والتطوير وفق مقتضيات تطور النظام السياسي الجديد ويبدو أنه خرج عن القاعدة العامة في الجيوش العربية في هيمنة القرار العسكري على القرار السياسي وأصبحت مشيئته تابعة الى مشيئة الدولة السياسية.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4