نعرض في هذه المقالة تأصيل مواجهة مشكلة المخدرات على الصعيد الدولي، والوضع العالمي لهذه المشكلة الخطيرة، وأثرها على النظم السياسية وأمنها الوطني، وجهود مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وكما يأتي:

أولاً- تأصيل مواجهة مشكلة المخدرات على الصعيد الدولي:

تعد مشكلة المخدرات والمؤثرات العقلية إحدى الملفات الساخنة التي لا يخلو منها أي مؤتمر أو ندوة أو ملتقى دولي باعتبارها إحدى المشاكل الدولية الثلاث التي أصبحت تقلق السلم والأمن العالميين في الألفية الثالثة، وهذه المشاكل هي (الإرهاب- المخدرات- تلوث البيئة).

ولاشك في أن المجتمع الدولي شعر بمخاطر هذه الظاهرة منذ نهاية القرن الثامن عشر بسبب انتشار المخدرات السريع نتيجة للتقدم التقني في مجال المواصلات والاتصالات، مما جعله يطالب ببذل الجهود الدولية من أجل الحد من مشكلة المخدرات وفعلاً تحقق ذلك بعقد مؤتمر شنغهاي سنة 1909، الذي يعد الأساس الذي مهد لوضع قواعد قانونية دولية بشأن المخدرات، ومن ثم ابرام مجموعة من الاتفاقيات مثل اتفاقية 1912 في لاهاي، واتفاقيات جنيف للسنوات 1925-1931، واتفاقية الإتجار غير المشروع سنة 1936 وجميع هذه الاتفاقيات أبرمت في ظل عصبة الأمم.

ورغم ذلك لم تجد تلك الاتفاقيات طريقها للتطبيق بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولكن بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 بدأ التفكير في إبرام اتفاقية خاصة بالمخدرات تدمج فيها كافة الاتفاقيات السابقة، وفعلاً تحقق ذلك وأبرمت الاتفاقية سنة 1961، بشأن المخدرات وبروتوكولها المعدل سنة 1972.

ونظراً لازدياد حجم الظاهرة وخطورتها، وعدم قدرة الإجراءات التي سخرتها هذه الاتفاقيات للحد من تفاقمها، فقد دعت الأمم المتحدة لعقد مؤتمر دولي بقصد وضع مخطط شامل للحد من إساءة استعمال المواد المخدرة والاتجار غير المشروع بها، إيماناً منها بأن المكافحة الحقيقية لمشكلة المخدرات يجب أن تكون جماعية، وأن هذا المخطط لا يعدو عن كونه دليل عمل لجميع دول العالم.

لذلك أبرمت اتفاقية سنة 1988 لمكافحة الإتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، لتكون أكثر شمولية، وتمكنت من تلافي الثغرات القانونية التي اتضحت من خلال الممارسة العملية للاتفاقيات السابقة.

لقد جاءت هذه الاتفاقية بمجموعة من الإجراءات استطاعت أن تحقق نتائج مقبولة في الحد من مشكلة المخدرات، وفي مقدمتها مصادرة الأرباح المتأتية من الاتجار غير المشروع بها، ونظام المراقبة، ومكافحة غسيل الأموال، والتخفيف من السرية المصرفية، كما دعت إلى مساهمة كافة مؤسسات المجتمع المدني للمساهمة في مكافحة المخدرات.

ثانياً- الوضع العالمي لمشكلة المخدرات:

يُشير الوضع العالمي لمشكلة المخدرات الى أن كافة المجتمعات مستهدفة للتعاطي، وتساهم في ذلك عوامل داخلية في كل مجتمع، تتضافر معها العوامل الخارجية المرتبطة بالعولمة والنظام الاقتصادي الجديد.

إن جلب المخدرات يتم في العديد من دول العالم من قبل جماعات إجرامية منظمة، لأن تلك الكميات لا يمكن للأفراد نقلها بمفردهم.

ومما يؤكد أن ظاهرة المخدرات لازالت في تزايد مستمر على الصعيد العالمي، فقد بلغت الدورة السنوية للنشاط ككل ما يزيد على خمسمائة مليار دولار، أي تفوق الأموال المتحصلة من الثروة النفطية في العالم. وبلغ عدد المدمنين في العالم ما يزيد عن 145 مليون مدمن.

ثالثاً-أثر المخدرات على النظام السياسي:

يحاول تجار المخدرات تسخير الأموال في نشاطات أخرى مثل تجارة السلاح، ولعل أول المخاطر التي تهدد النظام السياسي من جراء ذلك تسريب الأسلحة للفئات المناهضة للنظام السياسي، وغالباً ما يكون هدفهم ليس الوصول إلى السلطة، وإنما إزعاج أجهزة الدولة من خلال متابعتها للمتمردين، وبالتالي سيمارسون نشاطاتهم غير المشروعة في أمان.

ومما يؤكد على أثر المخدرات على النظام السياسي تسخير جزء من أموالهم في إفساد أجهزة الدولة الإدارية والسياسية من خلال شراء ذمم ذوي النفوس الضعيفة.

كما يساهم تجار المخدرات في الحملات الانتخابية في بعض الدول من أجل وصول شخصيات فاسدة للسلطة، وتقوم بتمويل بعض الأحزاب السياسية كما حصل في كولومبيا.

ويتضح الأثر السلبي للمخدرات في الدور الذي لعبته في تدهور العلاقات الدولية بين الدول المنتجة لهذه المواد، والدول الأكثر استهلاكاً، وخير مثال على ذلك الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على تركيا من أجل تخفيض انتاجها من الأفيون.

رابعاً- أثر المخدرات على الأمن الوطني:

تعد المخدرات من الوسائل الحديثة التي أصبحت تستغل في زعزعة الأمن القومي، من خلال تجنيد عناصر المتاجرين والمتعاطين كجواسيس ضد بلدانهم من أجل تسهيل تمرير تجارتهم القاتلة، ومن أكثر البلدان استخداماً لهذه الآلية هي اسرائيل حيث سهلت لبعض عملائها من سيناء، تهريب المخدرات لجمهورية مصر العربية مقابل حصولهم على معلومات عسكرية واستراتيجية.

في تموز2015، تمت مصادرة كمية كبيرة من المخدرات في إسبانيا، حيث ضُبِطت شاحنتان مقطورتان قادمتان من ميناء طنجة المتوسط تحملان خمسين طنّاً من القنّب، في أكبر عملية لنقل المخدرات في التاريخ الإسباني. وفي تشرين الأول 2015، ضُبِط في باريس 7.1 أطنان من القنّب الذي جرى نقله من المغرب.

وتُعطي تجارة المخدرات نظرة عن الحدود السياسية مختلفة جداً عن مفهومها القانوني والسياسي.

خامساً-جهود مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة:

يعتبر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة رائد عالمي في مجال مكافحة المخدرات غير المشروعة والجريمة الدولية، وقد أُنشئ في عام 1997 ويعمل فيه تقريبا 500 موظف في مختلف أنحاء العالم. ويوجد مقره في فيينا، ويقوم بتشغيل 20 مكتبا ميدانيا ومكتبين للاتصال في نيويورك وبروكسل.

ويعمل لتوعية الناس في العالم بمخاطر تعاطي المخدرات ولتعزيز العمل على الصعيد الدولي لمكافحة إنتاج المخدرات غير المشروع والاتجار بها غير المشروع والجريمة المتصلة بالمخدرات. واستهل لتحقيق ذلك مجموعة مبادرات شملت البدائل في مجال زراعة محاصيل المخدرات غير المشروعة، ورصد المحاصيل غير المشروعة.

ويعمل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لتحسين إجراءات منع الجريمة والمساعدة على إصلاح العدالة الجنائية بغية تعزيز سيادة القانون وتطوير نظم مستقرة ومستدامة للعدالة الجنائية ومكافحة الأخطار المتنامية الناجمة عن الجريمة المنظمة عبر الوطنية والفساد. وقد وافقت الجمعية العامة في عام 2002 على برنامج موسّع لأنشطة فرع منع الإرهاب في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. وتركز الأنشطة على تقديم المساعدة للدول، بناءً على طلبها، في تصديق وتنفيذ الصكوك القانونية العالمية الاثني عشر لمكافحة الإرهاب.

ويتولى مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تشغيل 20 مكتبا ميدانيا في 150 بلدا. ويقوم موظفوه الميدانيون، الذين يعملون بشكل مباشر مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية، بإعداد وتنفيذ برامج لمراقبة المخدرات ومنع الجريمة مصمَّمة خصيصاً لملاءمة احتياجات البلدان المحددة.

* الاستاذ الدكتور علي هادي حميدي الشكراوي، أستاذ العلاقات الدولية والاستراتيجية في كلية العلوم السياسية-جامعة الكوفة

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5