الديمقراطية حضارة وثقافة وتراث وسمة أخلاقية يتميز بها الجنس البشري أينما كان. الديمقراطية ضرورة إنسانيّة ملحة في حياة الأنسان في هذا العصر بل وفي كلّ العصور والأزمان.

أن جذور الديمقراطية تمتد عميقا في التأريخ، حيث كان الإسلام مثلا، من الداعيين اليها والمؤسسين لها وذلك من خلال مبدأ: (وأمرهم شورى بينهم). ولكن رغم كل هذا وذاك نجد أن المسلمين بشكل عام والعرب بشكل خاص هم آخر من ينتقل من سبات الدكتاتورية الى يقظة الديمقراطيّة!.

أن هذه الضرورة الإنسانية، هي ليست بضاعة تجارية أو سلعة جميلة نستطيع شرائها في أسواق البضائع والسلع. الديمقراطية هي حركة ذاتية تلقائية تنشأ وتنطلق من ضمير المجتمع ووجدانه ولا تصدّر أو تفرض عليه.

ورغم ان الديمقراطية ضرورة إنسانية ملحة للمجتمعات، إلاّ أن نجاح تطبيقها في بلد ليس له تأريخ وتراث أو ثقافة ديمقراطية سيكون أمرا شائكا وصعبا!.

الديمقراطية ليست عملية استبدال مجرد لطبيعة الحكم، بل هي مشاركة شعبية جادة وفعلية لعملية واسعة ومعقدة في إدارة دفة الحكم وتمشية شؤون البلاد. أن هذه المشاركة يجب ان تكون مرتبة ومتميزة وصحيحة ومهذبة وناجحة، حتى تستطيع الديمقراطية أن تحقق أهدافها وتعطي ثمارها التي جاءت من أجلها. ومن أجل ذلك فلابد لعملية التحوّل الديمقراطي أن تكون مدروسة ومنظمة وعميقة ومتحلية بصفات وشروط أدرج منها ما يلي:

1- الثقافة العامة للمجتمع: ان الجهل والديمقراطية ضدان لا يجتمعان. وكما كان الجهل والتخلف الدرع الواقي لنظام التسلط والدكتاتورية وسر بقائه وصيرورته، فإنه في نفس الوقت الوباء القاتل للديمقراطية وسبب فشلها وضمورها وإضمحلالها.

إذ أن الجهل يشوّه الديمقراطية ويحرف مسارها، ويحولها من عنصر جمع وخلاص ورفاه للمجتمع الى عنصر تشتيت وتعقيد وإزعاج له. الناخب الجاهل سيأتي بمرشح جاهل، والمرشح الجاهل سيكون خللا ستراتيجيا في مجتمعه وسيقوده الى الخلف وليس الى الأمام!. كما أن الجاهل سيتخبط في روضة الديمقراطية ويبعثر ورودها وأزهارها وجمالها وزينتها.

ان هذه الحقيقة يجب ان يدركها أنصار الديمقراطية وروادها، وأن يتحسبوا وينتبهوا الى ذلك قبل شدّ أحزمة رحلتهم الشاقة من منطقة حكم الفرد الواحد للمجتمع الى منطقة حكم المجتمع لنفسه. وأن يدركوا بأن عليهم أولا إزالة كل الغيوم السوداء التي تعتلي أفكار وعقول ومفاهيم أبناء المجتمع قبل زجّه بمحنة الاختيار والديمقراطية.

2- ثقافة الديمقراطية: بعد أن تصل ثقافة المجتمع العامة الى حد مقبول يباشر عندها بزرع الثقافة الخاصة الا وهي ثقافة الديمقراطية. فالناخب يجب أن يكون مزودا بهذه الثقافة المبنية على أسس التحضر والانفتاح والمدنية، لكي يدرك ماذا يريد والى من يعطي صوته. أن هذه الثقافة ضرورية وهامة للناخب كما هي ضرورية وهامة للمنتخب أو المرشح للانتخاب.

ان أساليب بث هذه الثقافة واسعة ومتعددة، حيث أن مؤسسات المجتمع المدني تستطيع القيام بدور فاعل وهام في هذا المضمار، إضافة الى المدارس العامة والخاصة والمحاضرات والندوات الثقافية العامة. كما أن وسائل الأعلام تتحمل الوزر الأكبر في أنجاز هذا الدور التأريخي المشرف والهام. أن هذه الثقافة الخاصة يجب أن يتركز مسارها على كيفية تنوير الأذهان وسقلها من أجل ان تدرك معنى التشارك والتعددية وما يترتب عن ذلك من حقوق وواجبات.

يجب أن ينشر فيها مبادئ الحرص على المصلحة العامة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، مع نبذ كافة الأفكار الفئوية والطائفية والمصالح الشخصية الرتيبة. أن الاندماج والتسامح واحترام الرأي الآخر والتخلي عن سياسة التهميش والأقصاء هي ثوابت ضرورية واساسية من اجل ديمومة مسيرة الديمقراطية ونجاحها وثباتها في المجتمع الذي يسعى حقا للحفاظ على مبادئ الديمقراطية.

3- المرحلة الانتقالية: أن إنتقال حالة الحكم من الدكتاتورية الى الديمقراطية يجب ألاّ يكون إنتقالا حادا أو تحولا مستعجلا وسريعا، حيث يترك فضاء أو هوّة فارغة بين المرحلتين ربما تستغل وتكون منطلقا لتحشد أعداء الديمقراطية الذين ربما يعيدون الكرة من أجل الانقضاض عليها وإجهاض العملية الديمقراطية برمتها!.

ان نجاح عملية التحوّل الديمقراطي منوط بطريقة التعامل مع هذه المرحلة الوسطية القائمة بين منطقة الدكتاتورية ومنطقة الديمقراطية. أن هذه المرحلة الانتقالية ضرورية وهامة في عملية التحول هذه، حيث يتم من خلالها تثقيف المجتمع وتطبيعه وتحضيره للممارسة الجديدة. كما وأن من خلال هذه المرحلة سوف يتم التعامل المتعقل والرزين مع أعداء الديمقراطية والمتضررين منها من أجل إحتوائهم وضمّهم الى المد الديمقراطي وليس تهميشهم أو أقصائهم أو محاصرتهم ومحاربتهم فيتحولوا أعداءا دائميين لها وأحجارا عثرة في مسارها.

ان هذه المرحلة الوسطية سوف تعالج شؤون ومتطلبات الديمقراطية بشكل تدريجي ومتزن، فلا يمكن مثلا تطبيق أصول وقوانين حقوق الأنسان أو الحريات الشخصية بكل حذافيرها ومنذ الوهلة الأولى لإعلان نبأ الإنتقال من الدكتاتورية الى الديمقراطية، فيكون ذلك مدخلا للجريمة والفوضى والغوغائية. ان هذا التحوّل في قوانين الدولة وطرق إدارتها يجب أن يكون تحولا تدريجيا هادئا ومتواكبا مع ضروريات المرحلة وأساسياتها كي لا يحدث خللا تقنيا في طريق سير هذه العملية وأصولياتها.

4- ذاتية التحول الديمقراطي: لكي ينجح التحول الديمقراطي في مجتمع ما، فإنه يتوجب أن يكون التحوّل منطلقا من ضمير المجتمع وذاته وداخله، وليس مصدّرا أو مفروضا عليه من قوى وآفاق خارجية بحته. فالحركة الديمقراطية في بلد ما يمكن أن تغذى وتدعم وتشجع وتنطلق بمساعدة القوى الخارجية الشريفة وبطرق ووسائل مختلفة ولكن بغير وسائل القوة والهيمنة العسكرية الخارجيّة المباشرة. فتستطيع الدول الغربية مثلا أن تسلط ضغوطا دبلوماسية هائلة على الحكام من أجل توجيههم الى طريق الحضارة الذي لا مفر منه ألا وهو طريق الديمقراطية، وأن تمنع على الأقل توجه بعض الحكام لتوريث الجمهورية، ودفعهم الى إتخاذ إجراءات هامة ومركزية باتجاه التحوّل الديمقراطي.

هذا التصرف والإجراء ليس تصرفا أو إجراءا خياليا، اذ أن ما حصل في دولة جنوب أفريقيا كان مثالا حيّا لتأثير الضغوط الدبلوماسية الدولية على مسار التحول الديمقراطي فيها. وينطبق الحال على عملية التحول الديمقراطي التي حصلت في كافة دول أوربا الشرقية بعد سقوط الشيوعية فيها.

5- التركيبة الاجتماعية للدولة: ان المجتمعات المركبة من نسيج متباين في الأعراق والأصول والأديان والطوائف والمعتقدات واللغات، تكون من أصعب المجتمعات في نجاح خبرة الديمقراطية. وربما تشكل الديمقراطية فيها خطرا محسوسا على وحدة البلد وتماسكه وثبات بنيانه. حيث أن تطبيق الديمقراطية في بلدان كهذه قد يؤدي الى تقسيم وتفكيك الدولة على أسس التباينات والاختلافات التكوينية لعناصر المجتمع في تلك الدولة.

هذه الظاهرة قد أثبتتها التجارب العالمية لكثير من دول العالم وحتى الأوربية منها بسبب التباينات الاجتماعية. فيوغسلافيا السابقة مثلا قد تهشمت الى عدة بلدان منفصلة، وكذلك الحال بالنسبة الى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وتشيكوسلفاكيا السابقة وغيرها. ولم يقتصر الحال على أوربا الشرقية والاتحاد السوفياتي فحسب وإنما تعداه الى دول أوربا الغربية نفسها حيث أن شبح التقسيم وتفكيك البلد أصبح يشكل تهديدا حقيقيا لبعض دول أوربا الغربية. فبلجيكا وكندا على حافة التقسيم والانفصال التام على أساس التباين اللغوي فيهما. وشبح إنفصال ايرلندا الشمالية عن انكلترا على أسس طائفية وإقليم الباسك الأسباني عن أسبانيا على أسس عرقية وهكذا. أذن على المتحمسين للديمقراطية أن يأخذوا هذه الإمكانية على محمل الجد في أجندتهم وأوراق أعمالهم.

6- قادة التحوّل الديمقراطي: نجاح عملية الديمقراطية رهن بيد قادتها وذوي الشأن فيها. القائد الكفوء في معرفته وحنكته وخبرته ودهائه سيكون سندا متينا لكيان الديمقراطية وصيرورتها. والقائد خفيف الوزن فكريا ناقص الخبرة والتفكير سوف يطعن الديمقراطية ويصيبها من حيث يدري ولا يدري!. فالديمقراطية إسلوب حضاري متمدن الهدف منه إختيار قيادة حكيمة وموفقة تستطيع النهوض بأبناء شعبها الى سبيل التقدم والتطور في الحياة وليس عكسا لذلك.

ان القادة الحاليين للبلدان العربية يستطيعوا بأنفسهم أن يصنعوا طفرة في التأريخ المعاصر، حينما يقودون بأنفسهم عملية التحوّل الديمقراطي الحقيقي وغير الزائف، لأنهم هم الأكثر قدرة والأوسع خبرة على سد الفراغ الحاصل بين مرحلة الدكتاتورية والديمقراطية. وسوف تنجح الديمقراطية وتستتب على أيديهم، بدلا من أن تأتي على ظهور دبابات الأجانب ومصفحاتهم، أو بثورة شعبية عارمة تحرق الحرث والنسل. وكلا الأمرين مضر ومؤذي للشعوب ولعملية التحول الديمقراطي. فعسى أن ينتبه زعماؤنا الى نداء الحضارة والمدنية ويأخذون دورهم التأريخي الرائد في هذا السياق وقبل فوات الأوان. ولكن لا حياة لمن تنادي......!؟.

* مقال نشر في شبكة النبأ المعلوماتية- 21/شباط/2007

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5