من يقرأ التاريخ السياسي المعاصر للدول المطلة على البحر الاحمر، يتوقف كثيرا عند مشاكل عديدة، تعقدت اكثر في مرحلة الحرب الباردة، حيث سعى كلا المعسكرين الى استقطاب ما يمكنهما من الدول، ماتسبب لها بحروب داخلية وخارجية، جعلتها متعادية باستمرار ومشلولة، سياسيا واقتصاديا. وفي قراءة سريعة للتاريخ، نجد ان اثيوبيا، مثلا، في عهد الامبراطور هيلاسي لاسي، كانت قريبة من المعسكر الغربي، وتقمع القوى التحررية اليسارية، سواء من ابناء تلك التي تحت هيمنتها ويطالبون بالاستقلال، وتحديدا الارتيريين والصوماليين، او اليسار الاثيوبي نفسه. والصومال هي الاخرى، تتغير بوصلتها السياسية يمينا ويسارا، تبعا لتغير النظام السياسي في غريمتها اثيوبيا، التي دخلت معها في صراع طويل على اقليم اوغادين. فنظام محمد سياد بري، رفع شعار اليسار ليحصل على دعم المعسكر الاشتراكي في مواجهة الامبراطور الاثيوبي، وحين اطاح اليساريون بالامبراطور، وجاء الماركسي منغستو هيلا مريام الى السلطة، تحوّل سياد بري الى الغرب! والامر لايختلف كثيرا مع السودان الذي ظل يعاني من مشكلة الجنوب التي اريد لها ان لاتحل الاّ بتقسيم السودان، بعد رحلة صراع مضنية، مازالت اثارها قائمة. ولم تكن العلاقة على ما يرام بين ضفتي البحر، فجزيرة حنيش اليمنية الواقعة في البحر الاحمر، تعرضت الى هجوم ارتيري في العام 1995 قبل ان يسوى النزاع لاحقا. ومصر والسودان مازال الخلاف بينهما قائما على عائدية منطقة حلايب. وعلى الرغم من حسم الخلاف المصري السعودي على عائدية جزيرتي تيران وصنافير، الاّ ان هناك اصواتا مصرية معارضة لذلك وتعمل على اثارة الخلاف بين الحين والاخر .. الاهم من كل هذا بالنسبة للعرب، هو ان اسرائيل، لها موقع على البحر الاحمر، ولعل السبب المباشر لحرب العام 1967 كان غلق عبدالناصر لمضيق تيران عندما كان تحت السيادة المصرية وقتذاك، أي غلق خليج العقبة.. لكن اسرائيل التي تدرك اهمية البحر الاحمر لإمنها الستراتيجي لم تنتظر طويلا، لتكون مؤثرة فيه، وانما سارعت ومنذ قيامها الى التحرك نحوه، وكان لها الدور الرئيس في التغييرات السياسية في اثيوبيا وارتيريا ولم تكن يدها بعيدة عن جنوب السودان، الذي سعت الى فصله ونجحت، لتؤكد حضورها المؤثر في منطقة حوض النيل والقرن الافريقي ... في العموم، ايقنت تلك الدول اليوم، ان المكوث في الماضي، يعني تعطل الحياة، ولابد من مقاربة جديدة للاوضاع، وهكذا شهدنا طي الخلاف الاثيوبي مع ارتيريا والصومال، برعاية اماراتية، لربما اتت في سياق سعي الخليجيين، لتامين ظهرهم الافريقي، كمقدمة لمقاربة جديدة، قد تجعل جميع الدول المشاطئة للبحر الاحمر في واقع سياسي وامني جديد.

مؤخرا، دعت المملكة العربية السعودية الى اقامة تجمع لدول البحر الاحمر والقرن الافريقي، يضم كل من السعودية ومصر والاردن والسودان واليمن والصومال وجيبوتي، وقد عقد الاجتماع الاول لوزراء خارجية الدول الاعضاء في الرياض. ياتي هذا التجمع في مرحلة يمكن وصفها بالبرزخية، فالسعودية التي يبدو انها طوت مرحلة حرب اليمن، تعمل على ترتيب اوضاع دول حوض البحر الاحمر، بما يجعلها على رؤية موحدة في مسالة امن هذا الممر الدولي الهام، بعد ان زالت الخلافات العقائدية وبات الاستقطاب الدولي يقوم على المصالح والمطالح معا... لاشك ان السعودية تريد من خلال هذا التجمع ايضا، قطع الطريق على ايران التي حققت حضورا واضحا في اكثر من منطقة هناك، لاسيما في اليمن والجانب الغربي من البحر، ما يعني ان السعودية تسعى لخلق منظومة امن ستراتيجي، تسهم في صياغتها دول البحر الاحمر، ومن ثم يكون هذا التجمع مدخلا لتعاون اقتصادي لربط دول تلك المنطقة ببعضها، وخلق محور امني وعسكري تكون السعودية ومصر نواته.

غير صحيح القول، ان هكذا تجمعات تاتي بالضرورة على حساب تصور عربي مشترك لامنهم القومي، لان العرب لهم جيران كثر، وتربطهم بهم مصالح مشتركة عديدة، لكن الواجب والمفترض، ان تكون هناك ستراتيجية امنية واقتصادية عربية، ولو في الحدود الدنيا، تجنب شعوبهم ويلات ما مروا به بسبب خلافات الانظمة وتوزعها بين القوى الدولية والاقليمية .. والمؤسف ان هذا الحلم بات بعيدا اليوم .. الشرق العربي ممثلا بالعراق وسوريا والاردن ولبنان وفلسطين، يمكن ان يكون محورا عربيا داخل المنظومة العربية وليس ضدها او على حسابها. محور اقتصادي وامني، يركز على مسائل المياه والكهرباء والتبادل التجاري والسياحة وغيرها، ويرسم تصورا مشتركا للمستقبل، فما الذي يقف وراء تعطيل اية مبادرة بهذا الاتجاه، مع انها مطروحة منذ سنين ويتحدث عنها المثقفون والساسة معا، كما الشعوب؟ .. الاتحاد المغاربي الذي تضرر بسبب الخلاف المغربي الجزائري على مستقبل الصحراء الغربية، لم يكن على حساب الجامعة العربية ومشروعها (ان كان لها مشروع حقيقي!) ودول الخليج هي الاخرى اتحدت بمجلس جعلها اقرب لبعضها، وان عصف به الخلاف الاخير مع قطر، او يكاد، لكنه كمشروع اقليمي، كان ناجحا .. عمق الخلافات بين الانظمة لايعدم وجود اسس ثقافية واقتصادية لتفاهم عربي ممكن، لانقاذ ما يمكن انقاذه!.

...............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0