لم يعد التسارعُ مقتصراً على كثافة الحضور الاتصالي في عالمنا اليوم؛ بل امتد ليشمل الانهيار الأسرع للمعنى ممثلاً ببعض الصياغات المتعلقة بمفردات حاولت أن تجعلنا نتأقلم مع مضمونها الخارجي، وتقنعنا على أنها الباب الذي يمكن أن تدخل منه الإنسانية إلى الأفق الحضاري الرحب. ومن المفردات التي غزتنا وتغزونا لترسيخ قناعة أنها "بوابة أولى للحضارة" مفردة "التمدن" التي تشمل ــ بحسب الظاهر طبعاً ــ كل مايتعلق بالحياة الخالية من شوائب الماضوية والتاريخية منطلقة بنا صوب الحاضر الحضاري المضيء والمشرق.

وبمجرد أن ترد مفردة الحضارة؛ حتى تتجلى أمامنا صورة الغرب، وهي صورة ترسخت نمطيتها في ذهنياتنا مع تقادم الأزمنة؛ لذلك حتى عندما نذكر بلداننا العربية المتقدمة في "الحضارة"؛ فإن بوصلة الذهنية التقليدية ستشير نحو بلدان المغرب العربي؛ ليس لأنها فعلاً بلدان تتكىء على موروث حضاري؛ بل لأنها وحتى هذه اللحظة تتشكل على السياقات التي جاءت بها دول أوروبا التي استعمرتها، وبذلك نحن نؤصل حضارتنا للأسف بناء على انصهارنا وذوباننا في السلوكيات الغربية.

المضمر المذهبي

مباراة بكرة القدم، تقام بين فريقين عربيين من العراق والجزائر، تقام على ملعب في العاصمة الجزائرية في إطار مسابقة رياضية رسمية، أليست الرياضة والتعارف والتنافس المحترم من مخرجات الحضارة؟ كثيراً ماشاهدنا في المباريات الرياضية سلوكيات من الجماهير المنفعلة تأخذ شكل العنصرية والتعصب فلماذا لم تستطع هذه الجزئية من الحضارة اقتلاع هذه الممارسات العشوائية؟ الجمهور الجزائري يهتف بوجه اللاعبين العراقيين بشعارات لاعلاقة لها بأصل السبب الذي جاء بهم إلى الجزائر وهو التنافس في مسابقة رياضية، بل ردد شعارات تغنت برئيس راحل وهنا مشكلة أخرى تتعلق بنظرة العرب (المتمدنين) للرؤساء والزعماء، وهي النظرة التي تخالف كثيراً النظرة الأوروبية التي تنطلق منها المجتمعات العربية في أمور وتعاكسها في أمور أخرى!

ولم يكتفِ المشجعون الجزائريون بذلك، بل راح بعضهم يردد شعارات هي أقرب للمذهبية؛ لأن الفريق القادم من العراق ــ من وجهة نظر هذا النفر ــ يمثل مذهباً ومعتقداً معيناً، وحتى لو كان كذلك، فما علاقة المعتقد الدينية مناسبة رياضية؟ في الحقيقة، لستُ مع إعطاء موضوع هتافات الجمهور الجزائري حجماً يفوق حجمه الحقيقي، لكن لابأس بمناقشة المضمر المذهبي لأكثرية الشعوب العربية، خصوصاً تلك التي تشكلت على السياقات المجتمعية الغربية لغةً وسلوكاً.

يبدو أن التمدن في أوروبا فشل فشلاً ذريعاً في محو هذا النسق الطائفي البغيض للشعوب العربية التي استعمرها، لتكتفي هذه الشعوب للأسف بتمدن يقوم على قشرية بليدة.

الفهم السلبي لتعدد الهويات

إن القصة التي ذكرناها في هذه المقالة تعيدنا إلى جدلية مهمة تتمثل في قضية التماهي والتأقلم مع الهويات الفرعية داخل رقعة جغرافية معينة، وهو لحد هذه اللحظة مازال فهماً سلبياً؛ لأننا لم نعرف بعد كيفية إدارة الاختلاف على مستوى الهويات التي ليس بالضرورة أن تكون متفقة، فالهوية الاجتماعية تقدم للأفراد سبل معرفة توجهاتهم ووجهات نظرهم، ومع تعدد الهويات؛ تتعدد وجهات النظر والرؤى، وتنشأ بينهما علاقة تكاملية؛ لأنها جزء لايتجزأ من كياننا ووجودنا، وتمثل معانياً متعددة رائدها التوازن في العلاقة بين هوية وأخرى؛ للوصول إلى أعلى مراحل التعايش والاعتدال في حياة متماسكة.

وفي حال هيمنةِ الهوية الأحادية؛ يجعل الأفراد ينظرون بأحادية ضيقة لاتخدم أبداً قضية التعايش والتسامح؛ حيث أنهم يخافون على خصوصية هويتهم من التلاشي، ولو انهم انفتحوا على بقية الهويات المتعددة، وتعايشوا معها سلمياً لما طاردهم هاجس اختفاء خصوصيتهم، وهو هاجس طبيعي طالما ظلوا أسارى أحاديتهم التي ستفضي تفرقة عنصرية تنشىء العلاقات بين الأفراد على أنساق عرقية تتفاعل سلبياً وتنتج عنفاً يهدد البشرية وقيم التعايش والتسامح، حيث أن العنف يجعل الفرد مسلوب الإرادة مستسلماً لرؤية الجماعات التي اصطفته مذهبياً وعرقياً، ولم تترك له فرصة ممارسة نقد الذات، وهي من أهم الممارسات التي تلعب الدور المؤثر في تشكيل الهوية التي تجعل الفرد متصالحاً مع ذاته، مستمتعاً بقيم الجمال الانساني، حيث أن ممارسة نقد الذات تتيح انتاج ذهنية متفتحة قابلة للحوار والتعاطي مع الآخر.

وبما أن الهوية لاتأخذ شكلها المميز ومعناها الحقيقي إلا من خلال الحياة الاجتماعية؛ فإن سماتها بطبيعة الحال تكون سمات متناقضة، خصوصاً فيما يتعلق بالأفراد، إذ قد يمتلك فرد معين سمة مميزة لايمتلكها بالضرورة فرد آخر، أو يمتلكها لكن بدرجة أقل من تلك التي يمتلكها الفرد الأول وهكذا. والهوية مثلما تولد مشاعر للتقارب والانتماء؛ فهي في ذات الوقت تولد مشاعر معاكسة؛ لأن لفظة الهوية قد تشمل مفاهيم مثل: العرق، القبيلة، القومية، اللون، المعتقد، المواطنة، وغيرها من المفاهيم القابلة للتوافق والتناقض.

وسواء كانت الهوية ذاتية تتعلق بالفرد، أو جماعية تتعلق بالمجتمع؛ لابد من وجود عناصر معرفية لنموها، فالهوية الذاتية تتأثر عملية نموها بمؤثرات الشخصية والسياقات الاجتماعية.

اما الهوية الجمعية؛ فهي التي تكون فيها المجاميع مؤثرة في الفرد، حيث تتسرب خصائص وسمات الهوية الجمعية للفرد الذي يتلقفها بإيجابية، فيكون له دوره في محيطه الاجتماعي. وتنتج هذه المزاوجة بين الجمعية والفردية؛ هوية بعناصر معرفية نامية قائمة على علاقة التأثير والتأثر.

وفي كل الأحوال؛ لا يمكن لتعدد الهويات، أو لخصوصية هوية معينة تحترم خصوصيات نظيراتها من الهويات الأخرى، أن تنفي صفة التمدن، بشرط أن نتعلم احترام الاختلاف، ونتخلص من الرواسب التي تعطي مساحة واسعة لمنطق الكراهية الذي بدأ يتفاعل مع المظاهر التي ينبغي أن تكون مظهراً للتلاقي وتبادل الثقافات في حين نراها استقرت على نوعية سلبية من التمدن المذهبي.

انقر لاضافة تعليق
NorYou
الجزائر
السلام عليكم انا جزائري و افتخر بانني دو اصول بلد اكتر من مليون ونصف مليون جزائري
فيما يخص الموضوع والدي يتمتل في ترديد الجمهور الجزائري لكلمة -الله اكبر صدام حسين-رحمه الله والدي يعتبره الجزائريين مفخر عربية بجدار نضرا لتاريخه العضيم حيت ان الشعب الجزائري يعتبر كل من يقوم بقصف اسرائيل لعنة الله عليهم بطلا لايستهان به وحتى ادا كان رئيسا لبلادنا كنا نفتخر به في المحافل ونتمنا عودة متل هده الرجال نعم هائلاء الزعماء كما اننا شعب ليس ناكرا لدعم العراقي للتورة المجيد وحتى اوضح الفكر متلما يقول
جزائريون فيلسطين شهداء و ايضا فلسطين ضالم او مضلوم وايضا تعضيمه للمدرب -حالي لوزيتش- قائلا عند عودته من المونديال2014 -الله اكبر حالي لوزيتش- كل هده فقط نصف من الامتل فالشعب الجزائري لايحمل اي عداوة مع اي دول عربية ولاحتى اجنبية الاامريكى اي ترامب وقراراته و كيان السهيوني .يعني لاتتفهموا الاوضاع باساليب سياسية ومدهبية ودينية ...
ولاتضخموا الموضوع فالفتن اشد من القتل

دمة في رعاية الله واسف على الاخطاء الاملائية بسبب العجل2018-09-12

مواضيع ذات صلة

0