"لو كان النبي موجوداً لقام بتزويج المثليين"!، هكذا تمنطق إمام الجماعة الفرنسي الجنسية المنادي بحرية على مقاساته أو مقاسات الأجندات التي تم تأجيره لتنفيذها، هكذا تحدث مدلساً على الملايين الذين يشاهدونه في برنامج قام اصلاً لخلط الأوراق وبعثرة المتبقي من الذهنية الشرقية، والإسلامية على وجه الخصوص.

الغريب أن مثل هذه البرامج تطرح أسئلة ينبغي أن يسأل القائمون عليها أنفسهم في حال جردناهم من صفة التآمر على القيم وخلط الأوراق، البرنامج يطرح في فحواه أو في جزء من فحواه هذا التساؤل: هل انتهت مشكلاتنا حتى نفتح قضية شائكة مجتمعياً وأخلاقياً كقضية زواج المثليين؟ يبدو السؤال منطقياً جداً، لكن لماذا لا يُسْأل به أصحاب البرنامج وهم يستضيفون ناشطين و(رجال دين) وفعاليات مدنية ومؤسساتية تحت يافطة حقوق الإنسان، وليس لهم من هم سوى الاحتفال بقرار إزالة زواج المثليين من لائحة الأمراض النفسية؟!

الجزئية الإشكالية في هذا البرنامج الملغوم هو طريقة التعاطي مع التقارير الخاصة باستطلاع البرنامج حول هذه القضية بالتركيز على الرأي الإسلامي/ المسيحي وإغفال الرأي الخاص بديانات أخرى، أو حتى آراء لا تنتمي لأي ديانة ومع ذلك ترى في المثلية الجنسية أمراً يخالف الطبيعة البشرية.

أين الإشكالية؟ لو نلاحظ كيفية اختيار الضيف الذي يمثل وجهة النظر المسيحية وهو شخص يتكلم بهدوء وبعلمية حتى مع رفضه الذي يمثل رفض الديانة المسيحية للمثلية، ونقارنه بطريقة اختيار البرنامج للضيف الذي يمثل وجهة النظر الإسلامية وهو شخص يتحدث بصوت مرتفع، ورفضه يمثل كذلك رفض الديانة الإسلامية لهذه القضية؛ لوصلنا إلى نتيجة أن هدف البرنامج ليس فقط الترويج للشذوذ والانحراف وإضفاء صفة العالمية والإنسانية عليه فحسب، بل من أجل إظهار المنطق الإسلامي على انه متشدد ومتطرف كتعزيز لفكرة اختصار الإسلام بجماعات العنف والتطرف الذين مارسوا الجرائم تحت يافطة الإسلام، وهنا يتم ضرب أكثر من عصفور قيمي بحجر العولمة الداعية لدخول الإنسان لعالم الانحراف من بوابات الحرية والتمدن وغيرها.

وحتى ينأى البرنامج بنفسه عن تحليلنا السابق، ويدافع عن نفسه؛ يعمد إلى استضافة شخص بملابس مدنية ويقدمه بصفة إمام جماعة في مسجد إسلامي بفرنسا، وهو شخص مثلي ويبارك زواج المثليين في مسجده؛ لتقول أن في الإسلام من يقبل بهذا التزويج، وهنا تكمن اللعبة الأخطر في خلط الأوراق وإيهام المشاهدين الذين قد يصلون بانفعالهم إلى الكفر بالقيم الإسلامية وهم يشاهدون (إمام الجماعة) يتحدث عن قبول إسلامي لقضية المثلية الجنسية مستشهداً بحوادث تاريخية حصلت في العصر العباسي أيام حكم (هارون)، أو انه يأخذ أقوال لـ (إبن حزم) أو روايات في (صحيحي) البخاري ومسلم، ويقدمها على انها من خلاصات الفكر الإسلامي الكبير، وقد يتعدى ذلك إلى أن يعطي لنفسه الحق في تفسير سور القرآن الكريم ليقول أن غضب الله على قوم لوط ليس لأنهم مارسوا فعل الجنس المثلي؛ بل لأن الفعل كان يشبه الاغتصاب وأن أصل الفعل ــ والعياذ بالله ــ لاإشكال فيه!، وأن من يحارب المثلية الجنسية لايمت للثقافة العربية والإسلامية بأي صلة، بل ينتمي لثقافة فاشية و (داعشية) على حد وصفه.

الأهم من كل هذا؛ هو الانتباه إلى قضية كيف نقرأ ماوراء هذه البرامج بعين تحليلية فاحصة بعيدة عن الانفعال الذي قد يفرض نفسه ازاء هكذا قضايا تمس جوهر العقائد والأخلاق التي يراد تمييعها عبر الميديا ومكوناتها العولمية الحداثية، وننتبه إلى قضية ضرب الأديان ببعضها، أو ضرب المذاهب داخل الدين الواحد ببعضها، فوجهة النظر التي تمثل مذهباً معيناً يقدمها البرنامج من خلال ضيف يمثل مؤسسة مهمة كالأزهر، لكنه يصرح بأنه ضد تزويج المثليين، وفي ذات الوقت لا يعتبر السلوك الشاذ مرضاً نفسياً بل يعتبره حرية شخصية! ويبدو أنه تغاضى عن آراء أئمة مذهبه في هذا الموضوع وهي مصيبة، أو انه لم يقرأ جيداً والمصيبة هنا أعظم.

ثم يعرض البرنامج رأياً لمذهب إسلامي آخر عبر رجل دين من إيران ويعطي وجهة النظر التي تبدو أكثر صراحة من زميله الأزهري.

والحصيلة التي سيخرج بها البرنامج من هذه الجزئية المذهبية تتمثل بنقطتين رئيسيتين :

الأولى : هي ان الأزهري وهو (سُنّي) بطبيعة الحال سيكون متناقضاً بين رفضه لزواج المثليين، ومن ثم رفضه اعتبار الفعل الشاذ مرضاً، وهنا سيظهر الإسلام الذي يمثله هذا الشخص دين متناقضات وعدم وضوح.

الثانية : وجهة نظر رجل الدين من إيران وهو (شيعي) ستُظْهِر من خلال استعراضه الرأي الشرعي الصريح بهذه القضية أن الفكر الشيعي هو فكر تطرف وقتل قياساً برأي الفكر السُني المتهاون ــ نوعاً ما ــ في قضية المثلية الجنسية، وهنا سيتم إيجاد نوع من (التوازن العنفي) الذي يتم السعي إليه، فبعد منظومة إجرامية عنفية كالقاعدة وداعش والكل يعلم بانتمائها للمذهب السني، يأتي الرأي الشيعي في قضية المثلية الجنسية؛ لتحقيق الخلاصة الأهم وهي إظهار الإسلام بوجه بعيد عن الإنسانية والتسامح، بينما تظهر المسيحية التي لا تقل عن الإسلام رفضاً للشذوذ ، في ظل التغاضي عن رأي ديانات أخرى، وأفكار لا دينية لا تقبل هي الأخرى بهذا النوع من الزواج والحريات.

وفي المحصلة، ليس لنا إلا أن نؤكد على القراءة الموضوعية البعيدة عن كل انفعال وتعصب، ومقابلة عولمة الانحراف ببرامج توعوية وحملات فكرية وثقافية تؤكد على إعلاء قيسمة الإنسان بالعمل والعلم وليس بالانحراف؛ من أجل إجهاض كل المحاولات الساعية لتشويه القيم والأخلاق من قبل جماعة قال الله تعالى فيهم : " إنَّ الذينَ يُحِبّونَ أن تُشيعَ الفاحشةُ في الذينَ آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة واللهُ يعلمُ وأنتم لا تعلمون / النور الآية 19 " .

انقر لاضافة تعليق
محمد علي
شكراً للكاتب لتسليطه الضوء على هذه القضية ثم العتب على قنواتنا الفضائية التي تخجل من الترويج للزواج والبحث في العقبات او في عوامل النجاح.2018-02-08
خالد
العراق
البرامج التي تبثها بعض القنوات الفرنسية تعبر عن الاستعمار الثقافي التي مارستها فرنسا، وهذا البرنامج يسير في هذا الفلك، فقد مارست فرنسا عبر قرون مديدة من خلال ما يسمى (الفرانكفونية) سياسة تطهير ثقافي شامل واجتثاث للهويات وتدمير للعقائد. وهاي اليوم تعود بقوة لسياسات التطهير الثقافي التي توازي التطهير العرقي.2018-02-08

مواضيع ذات صلة

0