لم تصرف العواصم العربية والإقليمية، ساعات طويلة في قراءة وتمحيص استراتيجية الرئيس دونالد ترامب الجديدة للأمن القومي، فملامح هذه الاستراتيجية، تكشفت في الحملات الانتخابات الصاخبة التي شهدتها الولايات المتحدة في العام 2016، وتكرست في "سنة أولى رئاسة" بعد وصول الرئيس الجديدة إلى سدة البيت الأبيض.

وإذ أحجمت معظم، إن لم نقل جميع العواصم عن إصدار مواقف رسمية وعلنية من هذه الاستراتيجية، إلا أنه لا يصعب على المراقبين عن كثب، لسياسات هذه العواصم وحساباتها، التنبؤ بمواقفها الفعلية، وسبر أغوار مصالحها الحقيقة، حيال ما استبطنته الاستراتيجية من قراءات لأولويات الأمن القومي الأمريكي ومهدداته وطرائق التعامل مع التحديات الناجمة عنها.

فالنسبة لروسيا والصين، بوصفهما "التحديين" الأكثر هيمنة على التفكير الاستراتيجي لإدارة ترامب دولياً، لا تجد معظم، إن لم نقل جميع العواصم العربية، سبباً جوهرياً للشعور بالقلق حيال سلوك هاتين الدولتين العظميين، فالصين شريك اقتصادي مريح لكثير من دول الإقليم، لا مطالب ولا حضور سياسياً لها في المنطقة، أما روسيا، فيكاد نفوذها المهيمن في المنطقة ينحصر في سوريا، مصحوباً بمحاولات تمدد و"تسلل" هنا وهناك، ومعظم العواصم العربية، بما فيها الخليجية، نجحت في "التكيف" مع حقائق الوجود الروسي في سوريا في أعقاب التدخل العسكري الروسي فيها في مختتم أيلول/ سبتمبر من العام 2015، أما الخلافات التي يثيرها الدور الروسي في سوريا، فقد أصبحت خلال العامين الأخيرين، من النوع "القابل للاحتواء" على أقل تقدير.

وإذا كانت الدول العربية قد أبدت عدم مبالاة ظاهرة حيال ملف كوريا الشمالية وبرنامجها النووي، منذ اندلاع الأزمة الأخيرة وقبلها، فإنه مما لا شك، أن معظم دول المشرق والخليج، إضافة لليمين، قد توقفت مطولاً إمام "البند الإيراني" في الاستراتيجية الجديدة، فإيران مشتبكة بمختلف ملفات المنطقة، وهي حاضرة بقوة في أربع من ساحات "حروب الوكالة" فيها، من اليمن إلى لبنان، مروراً بسوريا والعراق، والطريق الذي ستسلكه العلاقة بين طهران وواشنطن، سيكون له تأثيرات وتداعيات، فائقة الأهمية على سياسات دول المنطقة ومصالحها، تستوي في ذلك الدول والجماعات المعادية لإيران بالدول والجماعة الصديقة والحليفة والتابعة لها.

هنا يمكن القول، أن معظم الدول الفاعلة في "الشطر الآسيوي" من العالم العربي، وبالأخص السعودية والإمارات، وجدت في الاستراتيجية، ما يُرضي تطلعها الدائم لموقف أمريكي متشدد في مواجهة سياسات "التمدد الإيراني" في الإقليم، والمؤكد أن ما ورد في الاستراتيجية حول التحدي الإيراني النووي والصاروخي، والحاجة للتصدي للنفوذ الإقليمي المتزايد لطهران، قد أسعد كثيرٍ من هذه العواصم، وعزز توجهها لتصعيد المواجهة مع "الهلال الشيعي".

لكن هذه الدول، بما فيها الأكثر سعياً للتقرب من إدارة ترامب، وجدت في موقفه من القضية الفلسطينية، ونظرة الاستراتيجية لها بوصفها "مجرد" صراع آخر في المنطقة، وليس جذراً لمعظم أو جميع صراعاتها، تطوراً قد يتسبب لها بـ "حرج" كبير، سيما بعد قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها... فردود الفعل الغاضبة فلسطينياً وإقليمياً ودولياً على القرار، وضع حكومات هذه الدول في موقف حرج نسبياً، وحد من قدرتها مؤقتاً على الترويج لـ "صفقة القرن" والدفاع عن "رعاية" واشنطن و"وساطتها" في المفاوضات وعملية السلام، على أن الأمر منوط هنا، بتطور الأحداث في فلسطين، وما إذا كانت الحركات الاحتجاجية التي تشهدها الضفة والقدس وغزة، ستهدأ في المدى القريب، أم أنها ستتطور إلى "انتفاضة ثالثة"، كما تراهن على ذلك، بعض الأطراف الفلسطينية والإقليمية.

وبخلاف ما تدعيه الاستراتيجية، فإن دولاً عربية عديدة وازنة، يقف الأردن ومصر في مقدمها، ما زالت تعتقد أنه من دون حل قضية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، فإن المنطقة ستظل تجابه تحديات التطرف والإرهاب، وأنه لا يمكن لإسرائيل إن تكون شريكاً فاعلاً في أي إطار إقليمي، من دون أن تُنهي احتلالها للأرض الفلسطينية، وتمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة.

وتخشى هذه الدول، أن تنجح دول مثل (تركيا وإيران) وجماعات دينية مثل (الإخوان والمدارس السلفية المختلفة)، في توظيف الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية، كما تجلى مؤخراً في "قرار السفارة"، لتجديد حضورها وزيادة نفوذها، واكتساب شعبية إضافية... ومن يتتبع وقائع الأسابيع الثلاثة التي أعقبت "قرار السفارة" يرى أن الرأي العام العربي بدا أقل عداءً لإيران، وأكثر ترحيباً بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فيما نجحت الحركات الإسلامية في عدة دول عربية، في كسر أطواق العزلة التي ضربت حولها منذ الإطاحة بنظام الرئيس محمد مرسي في منتصف 2103 في مصر، ودائماً على حساب قادة "الاعتدال العربي" ونفوذهم ومكانتهم في أوساط شعوبهم.

أما التطور الأهم الذي تضمنته الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، فيتعلق بإخفاقها في إدراك العلاقة بين التطرف والاستبداد، وتغييبها للدرس الأول والأهم الذي تكشفت عنه أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وهو أن الأنظمة الديكتاتوري والمستبدة، أنظمة "التوريث والتمديد والتجديد"، كانت مسؤولة مسؤولية أساسية عن نشوء ظواهر التطرف وتفاقم تحدي الإرهاب في المنطقة، وهو الدرس الذي دفع إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما، إلى الإبقاء على "نشر الديمقراطية وحقوق الانسان"، بوصفها هدفاً من أهداف استراتيجيتهما للأمن القومي الأمريكي، وتأسست على ذاك الفهم، مشاريع ومبادرات للشراكة العربية – الأمريكية، ونشطت مؤسسات مدنية أمريكية في العالم العربي كما لم يحصل من قبل.

ويمكن القول من دون مبالغة، أن هذا "البند" في الاستراتيجية، قد كان موضع ترحيب مشترك من قبل جميع العواصم العربية والإقليمية، بما فيها العواصم التي تناصب واشنطن أشد العداء، فخلال سنوات ما بات يعرف بـ "الربيع العربي"، كانت مواقف واشنطن من مسألتي الإصلاح والديمقراطية، قاطرة تجر وراءها مواقف غربية وأممية ضاغطة على كثير من هذه العواصم، وكان يكفي أن ينشر تقرير عن الخارجية الأمريكية، أو مقال وتقرير في صحفية أمريكية أو غربية مرموقة، حتى يصبح مصدراً للقلق والانزعاج في هذه العاصمة أو تلك... اليوم، لم يعد لهذه العواصم ما تخشاه أو تخشى منه، إذ حتى التقارير ومقالات الرأي التي تنشر في كبريات الصحف الأمريكية والغربية بصورة شبه يومية، وتنتقد بقسوة هذا الأمير أو ذاك الرئيس، لم يعد لها تأثيرها كما في السابق، طالما أنها فقدت قدرتها على التأثير في مواقف البيت الأبيض وتوجهاته، سيما في ظل "حالة الحرب" المعلنة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه من جهة، ومعظم الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية والغربية من جهة ثانية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0