الديمقراطية في مفهومها العام والمختصر هو أن يكون الشعب مصدر القرار، لذلك تحارب الشعوب الحكومات الدكتاتورية التي لا تعود في قراراتها إليهم بل تحاول إسقاط الحكام الذين يتفردون في قراراتهم والتي طالما تكون ضد مصالح المواطن، وتلك الأنظمة أكثر الذين ابتليت بها هي الشعوب العربية ،فإذا لم يكن في سدة الحكم حاكم عربي ظالما ومتجبرا فأكيد هناك محتل يضع أو يملي إرادته على واضعي الدستور، تلك مأساة دولنا العربية ومأساة شعوبها وهكذا يستمر مسلسل تبادل الأدوار فمن احتلال يأخذ البلاد إلى حيث الذل والهوان إلى حاكم لا يفهم سوى لغة الموت والتحكم بمصائر الشعب.

إن ابتلاء الشعب العراقي بما بعد صدام ابتلاءا كبيرا وسيطول فبات من الغباء أن نقول إن العراق يعيش في ظل استقلال وطني ومن المعيب أن نخدع أنفسنا أننا خرجنا من بنود الدكتاتورية والمخزي أن نؤمن أن البرلمان ومن اخترناهم بأصابعنا السوداء هم يمثلون صوت المواطن وتطلعاته والقرارات تمثل مصلحة الشعب، نعم فمهما تنوعت الاطروحات والزعامات فان الآمال تخيب وتتحطم كلها لنفس تلك الأسباب التي قتلت أحلام وتطلعات أجيال متعاقبة عاشت مأساة البعث وسنواته المميتة والمذلة للفرد والإنسان العراقي.

فربما تعددت النظريات واختلفت وتنوعت الاطروحات وتمايزت الخطابات من تلك الشخصية السياسية أو تلك الكتلة أو الحزب لكن تبقى هي نفسها الحسابات الخاطئة والخطط الارتجالية والأداء الهزيل لقادة ونخب نرجسية وفاسدة وانتهازية وطائفية تستبيح كل شيء في صراع وجودي لا لمصلحة امة بل لاحتكار سلطة وتفرد بقرار بلا واعز وطني أو أخلاقي أو ضوابط أو محرمات أو حتى ربما بلا مقدسات يتبجح بها البعض وسرعان ما يتمخض عن هيمنة وتعويق ومراهنة على الفشل.

إننا اليوم ومنذ أن تهاوت وتساقطت أصنام البعث وقائد الضرورة والعراق يعاني من أزمة حقيقية لا يكاد ينفك منها حتى يدخل في أخرى اشد ضراوة من سابقتها والمؤسف أن الجميع لا يريد الاعتراف بل لا يقوى على الاعتراف بأسباب تلك الأزمات التي كانت من أسبابها المسافات الكبيرة التي تفصل الحكومة عن الشعب والتي ما كانت لولا تفرد الساسة بالسلطة وعدم الاعتراف بوجود الشعب وإرادته فاستهان الشعب بنفسه ليستهين الحاكم والسياسي به.

إن القرارات التي تصدر من كل أصحاب القرار في الحكومة المركزية بشقيها التنفيذي والتشريعي والسلطات المحلية في المحافظات كلها قرارات نازلة من أعلى هرم السلطة إلى القاعدة المعنية بالقرارات المختلفة وبمعزل عنها ولأنها بعيدة عن رأي المواطن ومصالحة ولأنها قرارات لم يكن للمواطن رأي وشراكة فيها لذلك فإنها بل جميعها تصطدم بالرفض الشعبي الذي يكاد يكون رفضا إجماليا من كل أبناء الشعب إلا الذين يدورون حول فلك الأحزاب ومصالحها التي هم شركاء فيها.

إن الديمقراطية الحقيقية هي تلك التي يكون الشعب صاحب رأي وشان في قرارات الحكومة بل لابد أن يسبق القرارات المصيرية اجتماعات ومؤتمرات وإعلام يمهد ويقرب الصورة لكلا الطرفين (الحكومة والشعب) وعندها يخرج القرار من رحم الأمة ومن قناعاتها وبذلك يلاقي قبولا واحتراما .. لازلنا في أول الطريق ورغم الانتكاسات وحجم الفساد والارهاصات التي تزامنت مع التغيير الفوضوي لكن هناك فرصة للإصلاح ولم يكن هناك إصلاح ولم يكن عراق ووطن ما لم يكن للمواطن رأي وشراكة حقيقية ومحترمة في صنع القرار شراكة ليست مجرد إسقاط فرض بل شراكة صادقة في صنع القرارات التي لم تكون قبل أن تمر بفلاتر تنقيها من كل رواسب المحاصصة والتطرف وعندها يكون القرار صاعدا من أسفل الهرم الذي يمثل قاعدة وأساس الهرم الذي إن تهاوى تهاوى كل البناء مهما علا وكبر حجمه وفي ذلك رسالة لقرارات محلية اليوم يقابلها رفضا شعبيا كبير لأنها لم تخرج من قناعات شارع رافض لكل ما يجري من حوله بسبب عدم وجود أدنى مستوى من الثقة بين المسؤول والمواطن.

...........................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0